الرئيسية / قراءات / أداجيو الوداع

أداجيو الوداع




*جابر عصفور


«هل يمكن أن يثير فينا الحزن كل هذه البهجة، ويشعرنا بكل هذا الجمال الممزوج بالجلال؟! نعم ممكن، وهو ما يحدث عادة في أرقى أنواع الإبداع». هذا ما همست به لنفسى بعد أن فرغت من رواية إبراهيم عبد المجيد «أداﭽيو» التى صدرت طبعتها الأولى عن الدار المصرية اللبنانية 2015. ومنذ صدورها لم تتوقف الدار المصرية عن طباعتها إلى اليوم، وليس ذلك لأن رواية إبراهيم عبد المجيد رواية من الروايات الرائجة (Best Seller) وإنما لأنها رواية رفيعة القدر والشأن في مجال الإبداع الأدبي، وذلك بسبب ما تنطوي عليه من جماليات خاصة بالحزن، وشعرية لا تفارق الوجع الإنساني. و«أداﭽيو» – في فن الموسيقى- مقطوعة موسيقية للكمان والآلات الوترية، والأرغن أحيانا، وهي فيما يقول المختصون منظومة موسيقية من أسلوب الباروك الجديد. وهي مستوحاة من المؤلف الموسيقى الإيطالى الكبير توماسو ألبينونىTomaso Albinoni الذي عاش في ﭬينيسيا في القرن الثامن عشر، وفي نسبتها الأصلية إلى ألبينونى خلاف، لكنه يعد أشهر من كتب فيها، ولذلك تنسب إليه خصوصا لأنه ترك فيها مقطوعة شهيرة جدا يعرفها كل متابعي الموسيقى الغربية. 
أما عن رواية إبراهيم عبد المجيد التي اختار لها اسم المقطوعة الموسيقية، فهي عن مأساة عازفة البيانو العالمية «ريم» التي جاوزت شهرتها دار الأوبرا المصرية إلى كل أنحاء العالم الأوربي الذى عزفت فيه، فقد أصيبت بنوع فتاك من السرطان الذي استوحش ورمه في مخها ولم يكن هناك أمل في علاجها. وطاف زوجها رجل الأعمال المصري «سامر الدرينى» كل العواصم الأوربية لعلاجها، ولكن الأطباء أخبروه أن الورم السرطاني استوحش في مخها ووصل إلى ست سنتيمترات في خمسة سنتيمترات. ولم يكن هناك أمل في القضاء عليه، ولا وسيلة طبية ناجعة في محاربته حتى ولو بالاستئصال الذي حدث بالفعل، ولم يكن هناك أمام «سامر الدرينى» سوى أن ينتظر النهاية الأخيرة المحتومة لزوجه الجميلة التى أحبها حبا ملك عليه فؤاده، ولم يعد يرى في الحياة سواها وابنتهما الشابة «نور»، فما كان منه إلا أن أخبر الأصدقاء والأهل أنه مسافر بزوجه «ريم» إلى أوربا. ولكنه لم يفعل ما سبق أن أعلنه للجميع، فقد حمل زوجه المريضة في سيارة إسعاف وصار بها إلى ﭬيلته في العجمي، حيث منطقة الـﭬيلات التى بدأت في التداعى بسبب المياه الجوفية. وفى هذه الفيلا المهجورة قرر رجل الأعمال العاشق «سامر الدرينى» أن يرعى زوجه الجميلة وحده إلى أن تصعد روحها إلى بارئها، في وحدة وسكون لا يقطعهما عليه وعليها أحد من الأهل أو المعارف أو الصحفيين الفضوليين. ولم يمض الكثير من الوقت عليهما، فقد كانت النهاية متوقعة وخطر المرض يتزايد ولا قدرة للزوج أو الطبيب الذى كان يزورهما كل أسبوع على مقاومته، فقد كانت النهاية معروفة سلفا. ولكن «ريم» لا تترك عالمنا الأرضى إلا بعد أن تسمع صوت ابنتها «نور» التى عادت من العاصمة الأوربية التى تدرس فيها لتراها، وأخيرا يعود جثمان «ريم» مع الزوج المفجوع وبعض أفراد أوركسترا الأوبرا يعزفون على روحها أداﭽيو ألبينونى Adajio Albinoni. 
والمثير للحزن حقا أن هذه المأساة فيها ظل من الحقيقة، فقد توفيت زوج إبراهيم عبد المجيد نفسه بعد صراع مع النوع نفسه من السرطان الوحشى الذى يطلق عليه الأطباء glio Pladoma، وكان ذلك سنة 2000م، ولكن إبراهيم لم يستطع بسبب حزنه الشديد والعميق أن يكتب شيئا عن اختطاف هذا السرطان الوحشى زوجه، فظل منطويا على مأساته وعلى الحزن الدفين الذى تجذر في أعماقه سنوات طويلة، كتب فيها بعض الروايات المهمة حقا ولكن البعيدة عن موضوع مرض الزوجة ومأساة وفاتها بسبب هذا السرطان اللعين. وبعد أن مرت خمس عشرة سنة كان الجرح قد اندمل في أعماقه؛ فاستطاع أن يسترجع المأساة في هدوء وأن يعاود الكتابة عنها بطريقة رمزية، تخلق معادلا للموضوع، ولا تتحدث عن الموضوع نفسه أو تناوشه. هكذا تخلقت شخصيات روائية، ابتداء من «ريم» عازفة البيانو العالمية وزوجها الحبيب المخلص «سامر الدرينى» رجل الأعمال الذى لم ير سواها في حياته، حتى زميلتها غادة التى تسعى إلى لفت انتباهه لم يعرها انتباها، فلقد كان كل ما فيه موجها ومسخرا لحب «ريم» التى ظل يذكر حتى بعد وفاتها رحلتهما إيطاليا؛ حيث استمعا إلى أداﭽيو ألبينونى الذى تعشقه «ريم»، وكانا معا يحضران إحدى حفلات الأوبرا في نابولى، ورآها وهى في جواره تغيب عنه، تكاد دمعة تنفجر من عينيها. قالت له بعد الحفل لم يشتهر توماسو ألبينونى إلا متأخرا رغم أن باخ (Bach) تأثر ببعض أعماله، ويمضى البطل «سامر الدرينى» في التذكر قائلا: مضت عشر سنوات على تلك الليلة ولا ينسى آلات الـﭬـيولين تعزف مرثية الوداع: «لماذا لا يبتعد هذا الأداﭽيو الجميل القاتل الآن؟». 
وهكذا ترحل ريم من هذه الحياة على أصوات الكمان تعزف أداﭽيو الوداع في جمال وجلال يبعثان في النفس شعورا أسمى من الحزن وأقرب إلى مشاعر يمتزج فيها الجمال والجلال. ويمضى «سامر الدرينى» في التذكر، فتتكشف أمام ذهنه فجأة حقيقة أنه منذ ظهر هذا المرض اللعين وهو يعيش هذا الأداﭽيو، ورغم البهجة العابرة التى حاول السائق «عثمان» أن يبعثها في نفسه لم يوقف تجاوب أصداء اللحن الحزين في سمعه. حتى «غادة» التى حملته إلى لذة كونية افتقدها، عادت إليه كل همومه فعاودته ذكرى استماعه إلى اللحن الحزين نفسه مع «ريم» في مدينة نابولى. فيغمض عينيه ويضع يديه على مفاتيح البيانو الذى يحتل مكانا رئيسيا في الطابق الأرضي للـﭬـيلا ويأخذ نفسا عميقا قائلا لنفسه: «إنه سيترك نفسه يعزف ما تأتي به لمساته التي يرجو أن لا تأتي إلا بالبهجة التى هو في حاجة إليها الآن». ولكن أصابع البيانو لا تستجيب له، فالحزن أكبر منه، والأداﭽيو يتحول إلى نواح ودقات الأصابع على مفاتيح البيانو تطلق أصوات نشاز مريع كأنها صرخات طائر صغير يعاني الموت، فينهض مفزوعا لا يصدق ما يسمع. ويرى ملامح الموت تحيط به غامرة كل شيء بالـﭬيلا، فتتمزق أوتار قلبه: «فقد أزفت الآزفة يا سامر. ليس أمامك إلا الرضا بما أرداه الله. الرضا من أجل نور، الرضا لتضىء عالم ابنتك الوحيدة. وكل ما يحدث الآن يعنى فتح الطريق إلى الجنة». ويعبر بنا إبراهيم عبد المجيد– من خلال عينى سامر- المشاهد الحزينة للموت ولوعة الابنة «نور» عندما ترى أمها مسجاة على السرير، فيخيل إليه أنه يرى وجه «ريم» يبتسم بمجرد أن شعرت بحضن ابنتها، ولكن سرعان ما تضيع البسمة التي لم تطل لنور عند وصولها، وإذا بجسدها ينتفض كأنه يريد القيام. ولا أريد أن أنقل بقية المشهد فهو صعب لا أعرف كيف كتبه إبراهيم، فكتاباته في هذا الجزء واقعية جدا واسترجاع حرفى لما عاناه هو شخصيا وما دفعنا إلى أن نعانيه معه، لكنه لم يتردد في الكتابة الصعبة هذه المرة، فسحر الفن كان يمسك بقلمه، وبهجة الموسيقى كانت تدفع بهذا القلم كي يكتب في جمال وجلال معزوفة سردية بالغة الشجن، مسرفة في جمال حزنها النبيل، فإذا بنا نسمع بدل دقات الموت أو ضربات القدر التى استمعنا إليها في إحدى سيمـﭬونيات بيتهوﭬن الشهيرة ملائكة الموت الجميلة وهى ترفرف حولنا فتملأ المشهد أمام أعيننا، فإذا بلغنا النهاية احتملناها ونحن في حال من جمال الحزن أو جلاله، فنختتم قراءة الرواية شاعرين بأننا نستمع إلى ختام إحدى القطع الموسيقية التي أدمن إبراهيم عبد المجيد نفسه الاستماع إليها في لحظات وحدته أو توحده، وحيدا مع الذكرى التي ينقلب حزنها إلى جلال في حضرة الفن الجميل. 
_______
*الأهرام

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *