الرئيسية / قراءات / سخرية مريرة من الحياة والأدب

سخرية مريرة من الحياة والأدب


*ندى حطيط


«متألقة وخالدة» رواية جديدة، هي الثالثة، للاسكتلندي كيڤين ماكنيل، صدرت في مارس (آذار) الماضي وأثارت اهتمام النقاد كما المثقفين في اسكتلندا والعالم الناطق بالإنجليزية، بوصفها إنجازا متفوقا يشد بتلابيب العمل الروائي إلى حدود التقاطع بين عوالم الرواية والقصة القصيرة، وسيناريوهات وتلفزيون الواقع. النتيجة، تراجيديا في قلب كوميديا عن السرد بوصفه روح البشرية وأقوى أدواتها على الإطلاق للتحليق في مواجهة تجربة الوجود الحزينة.
تبدو رواية ماكنيل متأثرة للغاية بأسلوب إيتالو كالفينو الروائي الإيطالي، لكن في أجواء ثقافية أنجلوساكسونية، حيث السخرية والمرح يغلفان قوالب حزن عميق. إنها تحكي قصة ثلاثة أصدقاء، من ضمنهم راوٍ مجهول يرى نفسه خبيرا بالشعر بأسلوب الهيكو الياباني الشديد الإيجاز وحيوان الألبكة، مخلوق يشبه النعامة. وثلاثتهم يعتزمون المشاركة في مهرجان أدبي سنوي يجري في الجزيرة، حيث يقيمون. «متألقة وخالدة» هو اسم هذا المهرجان.
تستوحي الرواية من أجواء المجتمع الاسكتلندي، الذي مع شدة توحده، كما يُرى من الخارج، هو قابل للانقسام بألف طريقة وطريقة طبقيا وعرقيا وثقافيا ودينيا، فمجتمع الجزيرة المتخيّل في الرواية شديد الانقسام بين سكان محليين وسياح عابرين، بين البيض والسود، بين الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية، بين البشر والألبكة، بل وبين الألبكة المنحدرة من الشمال وتلك المنحدرة من الجنوب، لكنه مع ذلك يتوحد في حبه الجارف وفخره اللامحدود وقلقه الشديد فيما يتعلق بالمهرجان الأدبي السنوي للجزيرة، على الرغم من معرفة الجميع تقريبا بأن الفساد يضرب أطنابه في آلية اختيار الفائزين. وماكنيل في ذلك التصور لا يكتفي بنقلنا إلى اسكتلندا الجميلة، لكنه يحلل لنا حقيقة التنوع والتعدد في مجتمع شديد الاعتداد بذاته واختلافه عن الشعوب الأخرى. أليست هي بالنتيجة هويات موهومة لا نهاية لقابليتها على الانقسام؟
باستثناء مقدمة روائية قصيرة نوعا ما تقدم للقارئ بعضا من خلفية شديدة الغرابة عن شخصيات الأصدقاء الثلاثة وجزيرتهم، فإن معظم بقية الرواية متن نصوص القراءات التي ألقيت في المهرجان الأدبي الذي يكاد يكون أشبه ببرنامج إكس فاكتور المعروف بمشاركة عشرة آخرين غير الأصدقاء الثلاثة. الشخصيات الأخرى المتنافسة لا تقل غرابة بدورها عن الأصدقاء الثلاثة، فمنهم نادل مكتئب، وأميركي مريض نفسيا، وموديل حسناء محلية، ورجل ولد وفي رأسه بروجوكتر لعرض الأفلام! النصوص المشاركة في المهرجان وكأنها مجموعة قصص قصيرة لا يجمعها جامع ولا ندري أيها جاد وأيها تسخر منا، يبدع ماكنيل من خلالها في استكشاف السرد القصصي: يأتي من ألف مكان بأشكال متنوعة كما بنغمات مختلفة، يخلق في أذهان القراء والمتلقين مشاعر متوقعة وغير متوقعة أيضا. هي «قصة روائية عن القَصص» يقول ماكنيل في مقالة له عن الرواية في «الغارديان» البريطانية: «الكل هنا في عالم ماكنيل كاتب أو يريد بشدة أن يكون كاتبا، بل حتى أن حيوانات الألبكة تنطق وتكتب، زيارة سريعة لفيسبوك تريك كيف تحول الجميع في هذا الكوكب إلى كتّاب بدورهم دون فرق بين كبير أو صغير، متعلم أو جاهل، موهوب أو مدع، رجل أو امرأة، أستاذ أدب شكسبيري أو سيدة منزل تعتني بأظافرها. وماكنيل بالطبع لا يدين ذلك، بل على العكس من ذلك تمامًا: هو يظن أن كل الكتابة، بغض النظر عن قيمتها الأدبية المحضة، هي بالضرورة صوت روح الإنسان ومشهده من زاويته الصغيرة في مواجهة تجربة الوجود الهائلة والشديدة الوطأة. عند ماكنيل السرد القصصي في النهاية كذبات كبيرة نقول من خلالها الحقيقة، حقيقة ما نشعر به تجاه هذا العالم القاسي والبارد. وهو يرى أن الأدب كما الفن عند بيكاسو، كذبة تقول الحقيقة». يقول أحد النقاد إنه فوجئ بالشبه الشديد بين مهرجان ماكنيل عن الأعمال «المتألقة والخالدة» وبعض الشخصيات التي قدمها مع مهرجانات أدبية حقيقية تجري في اسكتلندا وبعض الشخصيات الواقعية، الغرائبية مع ذلك، التي تحضرها؛ مما يجعل الرواية أشبه بخلطة بين واقع سريالي وسريالية واقعية. ماكنيل في هذه الرواية يسخر من الحياة والأدب والأشخاص والهويات ومن كل الأفكار المسبقة عن الأشياء والناس والعالم. وهو كما في روايتيه السابقتين أيضا يطرح وجهة نظر بشأن التراث القومي للمجموعات العرقية، كيف تتوالد التجارب وكيف تتقمص الأدوار في إطار سعي البشر إلى خلق أشياء برموزٍ تجمعهم مع محيطهم الاجتماعي بسبب من الانعدام الشديد للأمان الداخلي في نفوس البشر.
وفي أخذه تجربته الروائية هذه إلى منطقة التقاطع بين أشكال إبداع كلاسيكية من رواية، قصص قصيرة وسيناريو برنامج واقع، مهرجان، يخلق ماكنيل نوعا جديدا، ربما، من الأدب، أقله على صعيد الشكل. هو مع ذلك يدافع في مقالاته عن حق الابتداع، لكن دائما دون تحطيم الهيكل الأساسي للسرد القصصي في التجربة الغربية، وهو النموذج الخماسي الذي تجده في غالبية الأعمال الأدبية في الغرب من دراما شكسبير إلى المسلسلات المكسيكية، حيث تبدأ من تأسيس مناخ ومكان وشخصيات القصة، ثم شيء ما يحدث مسببا تحولا في الأوضاع القائمة. هذا ما يخلق تحديا على مستوى معين للشخصيات الرئيسية، تواجهه متعاملة مع صعوبات مواجهته. بالطبع ستتغير هذه المواجهة مع الشخصيات جاعلة منها شيئا آخر تماما لتنتهي في حل للعقدة، حيث تخلق أوضاعا قائمة جديدة تتموضع فيها الشخصيات التي طورتها المواجهة. ماكنيل يقول: إن هذا النموذج لا يزال صالحا، لكن لا حدود للإبداع داخله أبدا: فالمناخات لا نهائية، الأحداث الكاسرة للأوضاع القائمة قد تكون أي شيء، والتحديات قد تكون موضوعية أو نفسية على تنوعها المذهل، كما الاستجابات للتحديات ليس لها شروط مسبقة والنهايات والتموضعات قد تفاجئ الكاتب نفسه أحيانا. كأنك، يقول ماكنيل، تخلق ملايين الألحان من مجموعة أنغام معدودة.
هذا الهيكل الأساسي للسرد عند ماكنيل، لا بد منه للعمل الأدبي مهما كانت طبيعته؛ لأن ذلك هو ما يفرّق بين الخيال والتجربة الإنسانية المعاشة وما قد يعطيها معنى ما في النهاية. فالحياة ذاتها عنده مثيرة للخيبة، فوضوية، غير منطقية وبلا مغزى؛ لهذا نهرب إلى القصص، حيث يمكن تصور نسق ما يعطى تفسيرا على مستوى معين للسؤال الخالد عن معنى الحياة والوجود.
«متألقة وخالدة» رواية اسكتلندية محلية، لكنها بعد القراءة هي أكثر بكثير من أن تكون رواية أو أن تكون اسكتلندية. هي كتابة تتراقص بين أشكال تعبيرية متنوعة، لكنها في سخريتها اللاذعة من التجربة البشرية، تتطلع إلى السماء، ولا شك بأنها تؤسس مكانة خاصة متقدمة لكيڤين ماكنيل، ليس ضمن الأصوات الاسكتلندية المعاصرة فحسب، بل وربما في الأدب العالمي. 
_______
*الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

راشد حسين في دائرة الضوء من جديد

(ثقافات) *فراس حج محمد صدر عن دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافية رام الله وعمان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *