الرئيسية / قراءات / السرد الغرائبي والعجائبي في “أبناء السماء”

السرد الغرائبي والعجائبي في “أبناء السماء”



ليث سعيد الرواجفة


صدرت في عام 2010م، رواية للكاتب الأردني يحيى القيسي بعنوان «أبناء السماء» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وتقع ضمن 191 صفحة من القطع المتوسط. وسيتم التركيز في هذه الدراسة على مستوى من المستويات السردية وهي (العجائبية/ الغرائبية).
والرواية في جوها العام يمكن أن تُصنف -إذا جاز ذلك، ضمن الأدب الغرائبي، أو العجائبي؛ فهي تسبر أغوار عوالم خفية، لا يدرك كنهها سوى قلة من البشر، والعجائبي ترجمة لكلمة Fantastique))، وهو في نظر بعض الباحثين مثل (تودوروف) جنس أدبي، ومع أن (أبناء السماء) تستلهم في البداية والنهاية لغة تراثية بصيغ علمية، إلا أن حضور العجائبي فيها كان كثيفاً ومتميزاً بقوة مع اللغة الأسطورية. وبالتالي فإن اعتماد الرؤية العجائبية مدخلاً منهجياً لمقاربة هذه الرواية لا يعد عملاً إسقاطياً؛ فالعجائبي يخترق كل مستويات النص. وقبل الشروع في تلمّس اللغة وشخصية البطل لا بد من الإلماع قليلاً إلى بعض المحددات الخاصة (بالعجائبي) بوصفه جنساً أدبياً. 
العجائبي يندرج بالدرجة الأولى “ضمن تراث الأساطير والفلكلوريات الثقافية” (1)، والأدب العجائبي لا يتميز فقط بخصائصه الخطابية وبنيته الحكائية، وإنما بكونه رؤية مغايرة للأشياء، تهز كيان القارئ وتتركه بعد الانتهاء من القراءة في حالة مباينة لتلك التي كان قبلها. ففي البداية حين وجّه (تنويه) للقارئ؛ بأنه إذا وجد خيالاً فهو محق في ذلك، وإذا وجد واقعاً، فهو محق في ذلك أيضاً. و(تحذير)؛ بأنه يجب عليه أن يعود من حيث جاء –أي القارئ- لينجو! والسبب في ذلك أنه قد يفقد نفسه الساكنة بين جنبيه..!! 
و”تكون الكتابة المتشبعة بروح الفانتاستيك مغامرة واستجلاء للبقايا والهوامش والمقصي من كينونتنا المحاصرة بضغط القوانين والمحرمات وشتى أنواع الرقابة(2)، وهذا ما قام به القيسي، باختيار موضوع الرواية التي تبحث في عدة أمور مثل: هل يوجد جن، شياطين، كون آخر، مخلوقات أخرى، هل يوجد إله، أنبياء، عقل، نور، ظلمة، روح، حساب، جنة، نار، ملائكة، كرامات، علوم سرية؟؟
وأضحى العجائبي اليوم على مستوى السرد والحياة المعيشة طيفاً من ألوان عالمنا المألوف المشحون بالتوتر والمفارقات ” حيث يصير الإنسان في ظل قلق العصر وشروخ الوجود المعاصر هو العجائبي –ذاته- الذي تحول من الاستثناء إلى القاعدة”(3). وهذا ما وظفه الكاتب، ولمسه القارئ حين بحث عن اجابات لتساؤلات شغلته أيضاً، وكان له دوراً في القراءة والتأويل. لذلك يجب أن “نفتح العجائبي على التأويل، كي يتسنى للقارئ في صدامه الباطني مع المألوف وغير المألوف -الطبيعي وغير الطبيعي- تأسيس علاقة جدلية مع المقروء من جهة ومع النصوص الخلفية المغذية لهما (النص والقارئ)”(4) من جهة أخرى. 
وبهذا كان العجائبي “قريباً من الذاكرة المتعالية التي تبتدع صوراً يستحيل إيجاد مثيل لها في الواقع، من حيث التجسيد والمواصفات، كما هو قريب من الذاكرة العامودية التي تنطلق من الواقعي إلى المتخيل لتأكيد المفارقة وإبراز المتناقض وأن الحكاية العجائبية (الفانتاستيكية) ليست غير نمو عضوي لانطباع معين، كما أنه أيضاً (الأدب العجائبي) قريب من الخيال العلمي الذي يتجه نحو المستقبل (5)، ومن الأسطورة”(6). فالعجائبية في (أبناء السماء) أخذت من التراثية قاعدتها التي انطلقت منها، مثل: مراجعة بطل الرواية العديد من القضايا المسلّم بها، والتعمق بالتاريخ وصحته، مروراً بالحضارات الانسانية(7)، واستعراض العديد من المنجزات العلمية(8)، والقصص الشعبية، والدخول في أعماق المعتقدات الدينية؛ منها المسيحية(9) والإسلامية والبوذية، والطقوس الصوفية(10)، وقضية الإيمان والإلحاد(11)، ولم تخلُ من الأسطورة(12)، بهدف الوصول إلى الحقيقة.
وإذا كانت اللغة ومستوياتها السردية قد عملت على إشاعة الجو العجائبي، فإن بناء الشخصيات اتسم هو الآخر بالطبيعة العجائبية، فقد حرص الكاتب على أن يكون السارد (وهو الشخصية الاساسية في الرواية: إذ يروي كل شيء من منظوره) ناطقاً بضمير المتكلم الحاضر (أنا) أو ما يقوم مقامه، وذلك إمعاناً في تحسيس القارئ بجو الرواية حتى أن المتكلم/ السارد عندما يصل إلى كلام الآخرين وملاحظاتهم فإنه لا ينقله عنهم بالأسلوب غير المباشر أو بضمير الغائب، وإنما يسلمهم زمام السرد ليفصحوا بأنفسهم عن ما يريدون التعبير عنه، خصوصاً مع شخصية (الحسيني)، الذي لم يكن مجرد شخصية عادية، بل كان الراوي في العديد من مواضع الرواية، وكان وجوده متزامن مع تقنية سردية قلما نلمسها في الأعمال الروائية -الأردنية على وجه التحديد- وهي (حكاية الحكاية) التي تأخذنا إلى عوالم ألف ليلة ولية؛ وإذا أردنا أن نميز –نحدد- السارد في (أبناء السماء) قلنا إنه سارد ملتحم بالحكاية فهو يشغل وظيفتين في آن: فهو راوٍ ومشارك في الأحداث، ومشاركته هذه تعد خطة إقناعية: به هو ذاتياً، وبما يسرده.
والسرد في أغلبه كان محكوماً بخطة حجاجية فنية، لأنه كان يسعى من خلاله إلى دمج المعنيين من القرّاء، في النص، ليتفاعلوا معه وينفعلوا به(13). بالإضافة إلى الحوارات التي كانت تدور بينه وبين الشخصيات الأخرى التي كانت تقدم الحجج والبراهين. 
وقد لعب الوصف إلى جانب السرد دوراً مهماً في خلق الجو العجائبي للرواية، فالوصف العجائبي لا بد أن يكون بلغة خاصة بحيث يجيء متعدداً صادماً، بمبالغاته الأسلوبية، وانزياحاته المفارقة، لأنه يريد إقناع المتلقي بالاندماج طواعية في الأحداث غير الطبيعية الخارقة، التي تعرض من منظورات المتكلمين. مثل “رأيت منّا من يتربص بالشقوق، ومن يحنو على الهضبات، ومن يقبض على ذرات الغبار، ومن يصعد ليشد ذيول الغيوم، ومن يتعمشق الأغصان الحجرية، ومن يجمع الحصى وشقف الصخر، ومن هده التعب… .”(ص181) 

و”دققنا النظر فرأينا ملائكة المياه تغرف أباريقها من قطعان السحب، وتسقي الصخور والأودية والرمال العطشى، والشجر الصائم والدواب..!” (ص182)
يلتقي الخيال العلمي بالعجائبي في أن كلا منهما خطاباً متخيلاً، لكن ذلك لا يمنع التمييز بينهما ببعض الفوارق الدقيقة، “فإذا كان الفانتاستيك يهتم بالإنسان المعاصر في إطار اللحظة بهمومه، مبصراً الأمور من زاوية تعكس الداخل والخارج، فإن الخيال العلمي: يهتم بإنسان الغد: أي إنسان المجتمعات المستقبلية”(14) و(أبناء السماء) كانت رواية فانتاستيكية رُش عليها ذرة من الخيال العلمي الذي بحث في المستقبل –قصة الصاعدون كما ذُكر آنفاً. 
وتظهر في خاتمة الرواية مفارقة (درامية)، متمثلة في كون “أحمد الحسيني” هو نفسه بطلنا، والأوراق الموجودة في الحقيبة هو من قام بكتابتها دون وعي منه، وكل أحداث الرواية من نسج خياله. وكأنها اشارة للقارئ أن يقوم بمراجعة نفسه بعد قراءة الرواية، والتأكد من أنه هو!! بعد (التنبيه) و(التحذير) اللذان وُجها إليه في البداية. 
ــــــــــــــــــــــ
المراجع: 
1- مدخل إلى الأدب العجائبي، تودوروف، ترجمة الصديق بو علام، دار شرقيات، ط1، 1994م، ص7 
2- نفس المرجع السابق، ص8
3- نفس المرجع السابق، ص18-20
4- مستويات اللغة في السرد العربي المعاصر: دراسة تنظيرية تطبيقية في سيمانطيقيا السرد، محمد سالم محمد الأمين طلبة، مؤسسة الانتشار العربي بيروت، ط1، 2008م
5 – قصة (الصاعدون إلى الأعالي)، الذين تواصلوا مع سكان كوكب (سيروس)، واختفوا بطرق غامضة، إشارة إلى أنهم صعدوا فعلاً، والهدف من ذلك البحث عن حياة مستقبلية تضمن الخلود، والحياة على أرض تُشبه الجنة. أنظر ص80-83
6- شعيب حليفي، شعرية الرواية الفانتاستيكية، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1997م، ص23
7- الرواية، (ص 50-57)
8- الرواية، ص119-122
9- الرواية، (قصة الأب حنا، القادم من الناصرة)ص131
10- الرواية، ص143-158
11- الرواية، 123-126 
12- “هنالك احتمال آخر وهو أن بعض الكائنات المتقدمة من الحاضرات الموجودة خارج الأرض لديها قدرات هائلة على التشكل في أجساد بشرية…” الرواية (ص74)
13- الرواية، ص 177-179
14- شعرية الرواية الفانتاستيكية، مرجع سابق، ص58

شاهد أيضاً

التاريخ والسياسة والعنف في الرواية.. شهادات عربية

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، أقيمت الدوة الأولى من “الملتقى الدولي للرواية العربية” في مدينة بنزرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *