الرئيسية / مقالات / كشرتنا أحلى من ضحكة غيرنا

كشرتنا أحلى من ضحكة غيرنا


*بسمة النسور


نعم، أيها القراء، هي ظاهرة خطيرة جداً التي أثارت، أخيراً، هلع الحكومة السويدية الرشيدة وذعرها، ما جعلها تستنهض كل كوادرها، وتعلن حالة طوارئ قصوى، ودفعت هيئات المجتمع المدني ومؤسساته، من مجالس نواب ومراكز حقوق إنسان وروابط ونقابات ونواد رياضية وأحزاب وقوى سياسية وجمعيات متعدّدة المهام ومؤسسات أكاديمية ومفكرين وسوسيولوجيين وعلماء نفس وخبراء ومراكز استطلاع رأي وصحافيين ووسائل إعلام ومواقع إلكترونية، دفعتهم إلى الالتفات إلى الظاهرة المؤسفة، وحفزت الجميع لبذل مزيدٍ من التكاتف والتنسيق، للتصدّي لها، والخروج بحلول جذرية، تحول دون استمرار مسلسل العنف الاجتماعي الذي تحوّل ظاهرةً مزعجةً في المدن السويدية الوادعة، بل تجاوزها إلى العاصمة التي شهدت، قبل يومين، جريمة قتل ارتكبت في وضح النهار، وعلى باب سجن شهير على أطراف المدينة. 
خرج من بوابة السجن قاتلٌ مدانٌ، قضى سنوات محكوميته كاملةً، ليُفاجأ بشقيق المجني عليه متربصاً له، فيرديه ومن معه قتلى. والحق أنه لا يكاد يمر يوم في السويد الشقيقة من دون مشاجرة أو جريمة أخذ بالثأر، تسفر غالباً عن ضحايا في الأرواح والممتلكات، وتترتب عليها عطوات وجاهات، تشارك فيها وفود موقرة من الأمن العام أحياناً. و(جلوات) يتم بموجبها ترحيل أفراد عشيرةٍ بأكملها، نتيجة تصرّف أرعن من أحد أبنائها (يا لهؤلاء السويديين وتخلفهم!). وفي أفضل السيناريوهات، يجري، في نهاية الأمر، تبويس اللحى، ويصدر العقلاء السويديون من وجوه العشائر بياناً يفيد بأن تلك تصرفات فردية طائشة، لا تمثل سوى مرتكبيها، ولا تمثل أخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم، وكليشهات من هذا النوع البائس الذي حفظها المواطن السويدي عن ظهر قلب. 
بذلت تلك الأطراف جهوداً كبيرة، في محاولة تفهم أسباب نقمة المواطن السويدي، ونزوعه إلى العصبية والإحباط، فيما (الحياة حلوة بس نفهمها!)، وبات ملحوظاً أن بعض طلبة الجامعات من الشباب الواعد بالظلام باتوا خطراً حقيقياً على أمن المجتمع واستقراره، بسبب إغفالهم الجانب الأكاديمي المفترض بهم، طلبةً يتلقون علوماً قد تنفعهم في المستقبل، وتركيزهم الغبي على الأنساب والأشجار العائلية الوارفة، سعياً إلى تأكيد الأصالة والعراقة، إذا ما أضفنا كذلك مظاهر التشدّد الديني الذي يكفّر الآخر، برمشة عين. وانتشرت أغانٍ تعبوية مضحكة، بعضها لمطربٍ سويدي متخصص في الأغاني الوطنية التي تبعث الحمية والحشد والرباط، ضد عدو وهمي، أوجدته لحظةُ فراغٍ إنسانيةٍ وفكرية وحضارية، تم تجسيده في الآخر بالمطلق، على الرغم من مشتركات الملامح والمصير ونبرة الصوت. يكون عادة عيب هذا الآخر الأساسي أنه ينتمي إلى بقعةٍ جغرافيةٍ، تبعد كيلومترات يمكن قطعها سيراً على الأقدام، لو أن الزمن ظل بهياً كما حلمت الأمة السويدية العربية، الواحدة ذات يوم.
تلقف بعض الشباب السويدي، وهم المستفزون والمستنفرون والمعبأون بمشاعر الحقد والعصبوية، كلمات أغنيةٍ مسروقة أصلاً من أغنيةٍ شاميةٍ، وبتحويرٍ قليل صارت “أنا سويدي، ويا نيالي، عمي سويدي، وسويدي خالي، بلاد العز السويد بلادي، فيها عاشوا وماتوا أجدادي”. استاء من الأغنية طلاب غير سويديي المنشأ (أباً عن جد)، منحدرون من أصول سويسرية، فاعتبروا كلمات الأغنية الركيكة ومثيلاتها استفزازية مضادة لهويتهم وثقافتهم، وتحط من قدرهم، وتستهدفهم، (هيك من الباب للطاقة)، فدبّت في جامعة سويدية عريقة مشاجرة جماعية. وتحت فورة الدم، اقترح شاب جامعي سويدي متحمّس تبني شعار “أنا سويدي غصبن عن اللي ما إلو خاطر”، وراح يعيث، ورفاقه السوايدة، عنفاً ومشاجراتٍ واستفزازاتٍ في الصرح الأكاديمي، المتصدّع في جوهره كما يبدو. فيما رفعت شلة شبيحةٍ من أصول نرويجية في جامعة خاصة شعاراً طريفاً، على الرغم من عدوانيته السافرة، “كشرتنا أحلى من ضحكة غيرنا”، لما وصفوه بالرد على استفزازات الطرف الآخر.
وبعد: ألا ترون، معي، أن الحالة السويدية الراهنة مفجعة، وتستدعي الرثاء، أصلح الله أحوالهم، وأعانهم على البلاء المتوقع المتربص بمصير أبنائهم. 
_______
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

الطاهي يقتل…الكاتب ينتحر..!

*عزت القمحاوي قدرة نجيب محفوظ على التكتم استثنائية، حتى أنه لم يُقدم على كتابة مذكرات، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *