الرئيسية / مقالات / الله ليس ملككم فلسطين ليست ملككم

الله ليس ملككم فلسطين ليست ملككم


*إبراهيم نصر الله


حزينة هي فلسطين، حزينة ومحتلَّة مرتين: مرّة بالصهيونية، ومرة بهذه التنازلات المرعبة التي تقدمها السلطة في رام الله كل يوم، لقوات وقيادة الاحتلال، بإصدارها لوعود بلفور جديدة متتالية، لكي يستمر الاحتلال، وهي تصادق مرة تلو أخرى على وعد بلفور القديم، كما لو أن ذلك الوعد بيان، ولم تزل الصهيونية، وكل أعداء الشعب الفلسطيني، يواصلون جمْع أكبر عدد من التواقيع رضا به ودعما له! وما يحزن في الأمر، ويسحق القلب، أن أول الموقعين هم هذا النوع من القيادات الفلسطينية التي هرولت بكل ما فيها من قدرة على الهرولة، لتوقيع أوسلو، خوفا من شعبها، الذي كان قد نجح في انتفاضته الأولى، في إشعال أكبر ثورة في تاريخه منذ ثورته الكبرى عام 1936. 
كانت اتفاقيات أوسلو، وكل من وضع توقيعه، مزهوا، في ذيلها، مصادقة جديدة على وعد بلفور، ومباركة له، مقابل تلك النكتة الساذجة: الاعتراف بإسرائيل مقابل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
إن الاعتراف بالمنظمة، الذي يبدو اعترافا بالفلسطينيين، من دون اعتراف بوطن لهم، كان يحمل في جوهره سحب البساط من تحت أي قيادة جماهيرية ناصعة، نبعت من الشعب الفلسطيني، وصبّت في مشروعه النضالي، كبديل حقيقي عن الرجل المريض الذي لم يزل يحمل حتى الآن اسم منظمة التحرير الفلسطينية، حيث لم يعد التحرير خيارا للمنظمة، ولا فلسطين هدفا وحلما لها، بحيث يمكننا أن نطرح السؤال الأكثر حزنا: هل ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية، المريضة الهزيلة، الآن، تمثل الفلسطينيين فعلا؟!
لقد أثبت أوسلو، وكل قادة أوسلو بلا استثناء، أنهم الأكثر فتكا، وقدرة على الإفساد، وإغراق الشعب الفلسطيني في مستنقعات لا نهاية لها، ولم يكن خطر هؤلاء القادة أقل من خطر الدبابات والطائرات الصهيونية والآليات العسكرية التي تتحرك بكل وحشيةِ مَن فيها، في رام الله وجنين ونابلس والقدس وغزة والناصرة والجليل وكل بقعة في فلسطين.
تُفجع حين تسمع رأس سلطة رام الله يقول :(الأمن عندنا يدخل المدارس، يفتش المدارس، شنط الأولاد، لمعرفة إذا ما كان فيها سكاكين أم لا، في مدرسة واحدة وجدنا سبعين ولدا وبنتا يحملون السكاكين وشلّحناهم إياها. أنا بدّي أتعامل مع الإسرائيليين، وهذا اتفاق بيني وبينهم وأنا لا أخجل من هذا، لازم يكون بيننا نوع من التعاون الأمني، وأنا أتحدى إذا كان لديه (الكيان الصهيوني) أي معلومة (أمنية (فأنا سأقوم بها (أنفذها)، وإذا لم أقم بها فليأت هو وينفذها، صح؟!! لا أن يقول لي إن لديه معلومة وهو سيقوم بالتنفيذ، فما الذي أفعله أنا، هنا؟) وهنا ينتهي كلام الرئيس.
تستعيد زمنا لم يزل مستمرا، حول طريقة تعامل الثورة مع كل متعاون مع العدو، أو كل من كان يفكر في بيع قطعة صغيرة من أرض، فكيف بهذا التعاون الذي يبث مباشرة على الهواء، ويتم فيه بيع فلسطين بأكملها، وبيع كرامة شهدائها وأسراها بهذا الإسفاف والتهاوي.
٭ ٭ ٭ ٭ 
… وفي الوقت الذي ينشغل فيه الرئيس بتفتيش حقائب الأطفال، بكل هذا التفاني، تنشغل سلطة حماس في غزة بمطاردة الشيطان في عقول الأطفال الفلسطينيين في المدارس. إن الفيديو الذي تمّ تداوله عن عملية طرد الشيطان من قلوب الأطفال في أحد مدارس غزة، من قبل مجموعة (سفينة النجاة الدعوية!)، هو أقبح وأبغض وأسفل فيلم رعب يمكن أن يشاهده المرء، ولا يختلف أبدا عن أفلام حرق الأطفال وتقديمهم قرابين في الطقوس السحرية لعبدة الشيطان نفسه، ولكن، بدل أن يُحرقوا هناك، في تلك الأفلام، أو يذبحوا، يتم في غزة حرق قلوبهم بالخوف والرعب وتدمير طفولتهم وبراءتهم.
ليس ثمة شيطان في ظني، إلّا ذلك الذي يظن أن الشيطان في قلوب الأطفال، لأنه لا يختلف عن ذلك الشخص المجنون الذي يظن أن الشيطان يسكن قلب الطائر وقلب الشجرة وقلب الوردة لمجرد أنها جميلة.
هؤلاء هم الشياطين الحقيقيون، الشيطان الحقيقي هو من يظن أن الله لا يسكن إلا في قلبه هو، وأن الشياطين مخصصة لقلوب سواه، بدءا من أجمل وأعذب مخلوقاته: الأطفال. هؤلاء، الذين يحرقون قلوب البشر وهي تنبض بكل ما هو جميل وتتطلع لما هو أجمل، رغم كل الواقع القبيح الذي يرزح فوق أرواحهم، غلاظ القلب والروح والضمير هؤلاء لا يمكن أن يبنوا وطنا.
(ولو كنتَ فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك.) قرآن كريم.
من يسحقون قلب طفل ووعيه الفطري بالله وبالرحمة، وينسون لفرط غلظتهم كلام الله نفسه في كتابه، لا يمكن أن يرفعوا للوطن سقفا ولا يمكن أن يشقوا للإنسان، حتى لا نقول للدابة، دربا يسير عليه من دون أن يتعثر.
إن كلمة: الرحمن ترد أكثر من 160 مرة في كتاب الله، وهذا غير كلمات: الرحيم، رحيم، الرحمة، غفور، يغفر، في حين أن كلمة شديد العقاب لا تظهر سوى 14 مرة، وبالتأكيد، ليست في موضع عقاب الأطفال وشيطنتهم، فمن هم هؤلاء الذين ليس لهم من همٍّ ورسالة اليوم، سوى أن يزرعوا الخوف والرعب في قلوب أطفال غزة هكذا، هؤلاء الأطفال الذين كلما ضاقت بهم الحال وأغلقت الدنيا في وجوههم لا يجدون من قول يرددونه أبلغ من قول: الله معنا، الله يكون بعونا، الله يرحمنا، الله ينتقم من المجرمين؟ 
حزينة فلسطين، بين مباركة سرقة أرضها في رام الله وسرقه سمائها في غزة.
وبعد:
وكيفَ أُعايش موتي
إذا كانَ حُلْمي عَليّ؟!
وكيفَ أسيرُ وما بين خطوي.. وبينَ يدَيّ
كلُّ هذا الجفافْ؟!
أشكُّ بأن الضِّفافْ
ستعرفكمْ بعدَ حين
فإذ يُقسَمُ القلبُ نصفينِ تطفو السنينْ
على وجهنا ويدينا
لا نعودُ صغارا كما أَلِفَ البحرُ وردتَنا
لا نعودُ كبارا كما ألِفَ المجدُ قامتَنا
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

أيُّهما أولى : حياة مجتمع المواطنة أو موت”الوباء” ؟

      (ثقافات)                *  سعيد بوخليط                                                             …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *