الرئيسية / إضاءات / «الكاميليات منزوعة البتلات»

«الكاميليات منزوعة البتلات»


*أمل عامر السعيدية


ارتبطت زهرة الكاميليا بالكثير من الأساطير، واحدة من هذه الأساطير هي افتراض الفأل السيئ فيما لو سقطت الزهرة كاملة دفعة واحدة، فهذه الزهرة دون غيرها اتفق على انها تخسر في كل مرة بتلة من بتلاتها، خصوصاً كاميلية تسوباكي- ديرا، والتي كانت عبارة عن شجرة كبيرة، يقال ان عمرها اربعة قرون وتحمل الواناً مختلفة من الأزهار، وبدلاً من ان تتساقط دفعة واحدة كانت تسقط بتلاتها لذلك سميت بـ«الكاميليات منزوعة البتلات». هكذا يجري الأمر اذن بالنسبة لنا نحن البشر، اننا تلك الزهرة التي تخسر في كل يوم جديد بتلة من وجودها، لأننا نخسر الزمن الذي يمضي الى حتفنا دون هوادة. وهذا هو موضوع رواية الجميلات النائمات للياباني ياسوناري كاواباتا. حيث نتتبع مع الكاتب سيرة الشيخوخة الحزينة، الوقت الذي يفقد فيه الإنسان رغبته، والذي يعرف فيه انه بات مجرداً من اندفاع الشباب وذلك الإلحاح على طلب المتع وتلبيتها.
لطالما اعتبرت الرغبة، سؤالاً لم يكف الانسان عن الدوران حوله بغية الإجابة عليه، لأن الرغبة دفعته الى ان يفعل اشياء كثيرة تقوم عليها حضارتنا اليوم، ولأنها تمثل السوط الداخلي الذي يعذب الانسان لتدفعه حتى لارتكاب الرذائل، عينت على انها السبب في الانحراف، حتى ان الكثير من القراءات ترجع بداية الصراع بين البشر الى صراعهم على نيل مقربة النساء، وفي قراءات اخرى رأينا كيف ان النصوص الدينية تقول إن سبب نزول الإنسان من الجنة هو انجرافه وراء رغبته في تناول فاكهة الشجرة المحرمة، فما كان من الكثير من الأديان الى النزوع الى التعامل مع هذه الرغبات إما بفرض التشريعات لأحاطتها، او الحرص على مقاومتها كلياً كما هو الحال في الديانة الهندوسية التي يتخلص رجال الدين فيها من رغباتهم وينطلقون في الارض الخلاء، برداء برتقالي دون ان يستقروا في مكان ودون ان يرغبوا حتى في تناول وجبات الطعام الفارهة، وانما يكتفون بما اعطي لهم من المحسنين، حتى أنني قرأت مرة عن رجل طرق باب امه ومد صحنه ليأخذ نصيبه من الطعام، فأدخلته الأم الى بيتها ولم تكن قد تعرفت عليه بعد، جلس يحدق في امه مقاوماً رغبته في التعريف بنفسه، فلقد اخذ منه الدين جسده وعافيته، وتغطى وجهه بالشعر الكثيف، هكذا حتى غادر بيت أمه دون ان يحتضنها، وكل ما سعى اليه هؤلاء هو الوصول الى حالة النيرفانا التي يطفأ فيها سعي الانسان ويصل بها الى خلاصه الأعلى. ومن هذا كله نستنتج دور الرغبات في تحديد سلوك الانسان بل وفرض التحديات عليه، والآن ماذا سيحدث لنا لو اننا فقدنا رغبتنا بأي شيء ؟ والسؤال الاهم ماذا لو انتزعت هذه الرغبة منا انتزاعاً بفعل الزمن؟ اما السؤال الاكثر قسوة والذي يواجهه الانسان يومياً: ماذا لو أننا رغبنا لكننا ورغما عنا لم نتمكن من تلبية هذه الرغبة ؟ هذا ما حصل مع العجوز ايغوشي بطل رواية الجميلات النائمات لكاتبها الياباني ياسوناري كاواباتا، اول ياباني يحصل على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٦٨. هذه الرواية التي تمنى الكاتب الكولمبوي الأشهر جابرييل جارسيا ماركيز لو انه كتبها، والذي كتب لاحقاً رواية استلهمها منها وهي ذكريات غانياتي الحزينات.
قرأت في البداية رواية ماركيز ذاكرة غانياتي الحزينات بترجمة صالح علماني واعجبتي كما لم أتخيل فأنا لست من محبي ماركيز ولا الواقعية السحرية، التهمتها دفعة واحدة، ففي هذه الرواية رجل تسعيني غامر في الدنيا كثيراً وها هو يريد الاحتفال بعيد ميلاده بالقرب من صبية يافعة، هذا هو موضوع القصة كلها لكن ماركيز يأخذنا فيها الى اعمق ما فينا، الى تلك المشاعر الدفينة عن الرغبة والحب والتقدم في العمر، اصابتني حماسة لا مثيل لها لقراءة الرواية التي ألهمت ماركيز لكتابة رائعته هذه، فكان ان بدأت بقراءة رواية الجميلات النائمات، وهي عن قصة منزل، يرتاده الاغنياء واصحاب النفوذ وهم طاعنون في السن للبيات مع فتيات صغيرات في السن، لكنهن نائمات طوال الوقت. ايغوشي الذي تلقى دعوة من احد اصدقائه العجزة، يعتبر ان هذا المنزل يحرجه ويجرحه في الاعماق حيث انه لم يصل بعد الى سن العجز الذي يمنعه من التمتع وتلبية رغباته. لكنه وفي كل يوم يمر على كراهيته لهذا البيت والقانون فيه، يصر على ارتياده اكثر من السابق. وتبدأ الكثير من الأحلام ترواد ايغوشي، حول انتهاك قانون البيت والتسبب في المتاعب، فقانونه ينص على ان لا يتم ايقاظ الفتيات تحت اي ظرف من الظروف، حيث لا يمكن هذا بأي شكل من الاشكال نظراً لتناول الفتيات لمنوم قوي، وفي هذه الاثناء بدلاً من ان يخلد ايغوشي في النوم بجانب صبية عذراء، يقضي الليل كله وهو يفكر في عجزه وفي شبابه الذي انقضى وفي كل الفتيات اللواتي تعرف عليهن في حياته، حتى انه يسأل من هي أول إمرأة عرفتها، فيتذكر امه على نحو يجعله يخجل من مواصلة التفكير في النساء اللواتي رغب بهن. في الحقيقة لم تعجبني رواية ياسوناري كاواباتا كما اعجبتني رواية جابيريل جارسيا ماركيز، حتى ان هذا اثار لدي فضولاً لاعادة كتابة الكثير من الروايات اللواتي احببتها. وحول علاقتي بالادب الياباني فأنا احب الفاتنة اجوتا جاوا بقصصها الاثيرة والدافئة والتي تتناول اليومي والمألوف لتجعل منه نثراً بالغاً في التأثير والجمال، كما قرأت لمواطنها ميشيما روايته القناع وهي رواية جميلة وتناقش موضوعاً مهما للغاية، بقي هاروكاي موراكامي الذي يظهر تأثره بماركيز لكنه بالنسبة لي لم يكن لافتاً خصوصاً في روايته كافكا على الشاطئ، حيث يدخل مراهق في جملة من التحديات اثناء هروبه من بيت والده.
_______
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

محمد شكري في ذكرى رحيله.. عالم من الإحباط في مُواجهة الموت البطيء

* محمّد الخطّابي   مرّت منذ أيّام الذكرى الثامنة عشرة لرحيل الأديب المغربي المُعنّى محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *