الرئيسية / إضاءات / تمايز أدب الخيال العلمي عن الفانتازيا

تمايز أدب الخيال العلمي عن الفانتازيا




*لطفية الدليمي


الخيال أهمّ من المعرفة
آينشتاين

لاأرى ذاتي مغالية إذا ماقلت أن شغفي – وشغف أقراني من المهووسين بالقراءة – برواية الخيال العلمي قد نما بالوتيرة ذاتها التي كنت أقرأ بها الكلاسيكيات الأدبية العربية وغيرها ومن المؤكّد أن أعمالاً مثل ( حول العالم في ثمانين يوماً ) لجول فيرن ، أو ( آلة الزمن ) و ( حرب العوالم ) لهربرت ويلز ، أو ( أوديسا الفضاء ) لآرثر كلارك قد شكّلت منبعاً ثرياً ورافداً مهماً من روافد الذائقة الأدبية التي قدّر لها لاحقاً أن تغدو حرفة أدبية راسخة ، وقد يعتقد البعض أن تضمين مناهج الدراسة الإنكليزية في المرحلة الثانوية لروايات الخيال العلمي في حقبة الخمسينات والستينات هو ماتسبّب في شيوع هذا اللون الأدبي ، ولكني أرى في هذا خطلاً في الرأي وأراني أذهب إلى الجهة المعاكسة تماماً في ما أراه لأن خبرتي التعليمية دلّتني ومنذ وقت مبكر أن تعليم أية مادة دراسية في مدارسنا وعلى النحو التقليدي السائد فيها كفيل بوأد الرغبة في الاستزادة منها بل و النأي عنها. 
ثمة مشتركات بين رواية الخيال العلمي ونظيراتها من أجناس الرواية الأخرى ، ولكن هناك أمورا متباينة بينها في الوقت ذاته ؛ الأمر الذي نرى ملامحه واضحة في التعريف السائد لرواية الخيال العلمي والذي يرى فيها “نوعاً من الفن الأدبي يعتمد على الخيال ؛ حيث يخلق المؤلف عالماً خيالياً أو كونا ذا طبيعة جديدة بالإستعانة بتقنيات أدبية متضمنة فرضيات أو استخدامأ لنظريات علمية فيزيائية أو بيولوجية أو تكنولوجية أو فلسفية ، ومن الممكن أن يتخيل المؤلف نتائج هذه الظواهر أو النظريات محاولا اكتشاف ما ستؤول إليه الحياة ومتطرقاً لمواضيع فلسفية أحياناً قد تتناول موضوع القيم في عالم جديد مختلف ، ولكن ما يميز أدب الخيال العلمي أنه يحاول أن يبقى متسقا مع النظريات العلمية والقوانين الطبيعية دون الإستعانة بقوى سحرية أو فوق طبيعية مما يجعله متمايزاً عن الفانتازيا ، وغالبا ما يكون الإطار الزماني لرواية الخيال العلمي في المستقبل القريب أوالبعيد، أمّا الإطار المكاني للرواية فقد يكون على الأرض أو على أحدى الكواكب السيّارة أو في أية بقعة من الكون أو حتى في أماكن خيالية كالأكوان المتوازية … ” – إذن جرعة العلم والمتعلقات الخاصة به التي يضمّنها الكاتب في عمله هي السمة الأساسية التي تميز رواية الخيال العلمي عن غيرها من الروايات مع احتفاظها بكل الخصائص الأخرى المميزة لأي عمل روائي ولو أن رواية الخيال العلمي تجنح في الغالب إلى استخدام لغة مقتصدة يتعمد الكاتب إفراغها من التأويلات أو الاستعارات المجازية بغية تركيز نظر القارئ وفكره نحو الثيمات المركزية في العمل.
جنحت روايات الخيال العلمي ،وبخاصة في بواكيرها، نحو الفنتازيا التخييلية المفرطة – حتى في عناوين الأعمال – وذلك لأن الكتّاب آنذاك رأوا في العلم طاقة ثورية جبارة قادرة على الإطاحة بكل البنى المادية والقيمية السائدة وإحلال قيم جديدة محلها تتمحور على العلم ، وكان هذا الجنوح الثوري في المخيال الروائي الفنتازي سبباً لطول الشقة الزمنية بين ماحكى عنه الكتاب آنذاك من تطبيقات علمية وبين تداولها العملي لاحقاً ، ويمكن بسهولة للمدقق في تأريخ رواية الخيال العلمي ملاحظة ضيق الفترة الزمنية بين السرديات الفنتازية وتطبيقاتها متى جرعة “المخيال الثوري الفنتازي” في العمل الروائي .
 يتبع
_______
*المدى

شاهد أيضاً

يوسا في بيت بورخس.. حوار لم يُنشر

ترجمة: أحمد عبد اللطيف   «لو أُتيح لي أن أسمّي كاتبًا باللغة الإسبانية، من زمننا، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *