

د. يوسف نوفل*
تعددت إسهامات العقاد، بين فنون الأدب والقول، تعددا ندر أن وجدنا مثيلا له في الحياة الأدبية، وهو إلى جانب هذا التعدد العام، يحيرك حين تقصر الحديث عنه في مجال خاص محدد، وهو الدراسات الأدبية والنقدية، نظرا لتنوع عطائه الثقافي تنوعا محيرا في حياته وبعد رحيله. الأمر الذي يثير التساؤل: هل ندرسه من باب النقاد الشعراء، أو الشعراء النقاد؟ وقد أصدر أحد عشر ديوانا، وعشرات الدراسات، والكتب المتنوعة؟ أم ندرسه من حيث كونه ناقدا، وحينئذ نتساءل عن موقفه النقدي؟: هل هو من الموضوعيين؟ أم من الانفعاليين العاطفيين؟ وهي حيرة، بلا جدال، تؤكد فردية هذا الرجل، وخصوصيته في مسيرته الطويلة منذ مولده في1964/3/12 حتى رحيله في1989/6/18 عبر خمسة وسبعين عاما، لم يكف فيها عن قراءة في مكتبة خاصة، تضم أربعين ألف مجلد، ولم ينصرف عن كتابة، أو عراك متنوع الجوانب والتخصصات.
ومحاولة الوقوف على منهجه في الدرس الأدبي والنقدي مرتبطة ارتباطا كبيرا بمراحل حياته، وأطوار إنتاجه، وتقلبات مزاجه، وفي عام1926، وفي خضم معركة (الشعر الجاهلي) لطه حسين، وجلبة المحتجين والمناهضين والثائرين، وقف العقاد معارضا، ودافع عن حرية الفكر والبحث العلمي، وكان ذلك استمرارا لموقف سابق له مع محمد فريد وجدي حول (دائرة معارف القرن العشرين)، وحول الدين، ومستمدا من رأيه في العلاقة المتينة بين العلوم التي يرتـبها على النحو التالي: الأدبية، فالفلسفية، فالعلمية، وعلي النحو المتصل باستشرافه المستقبل حين كتب في هلال ديسمير1962 عن أسلوب الكتابة في المستقبل فتنبه إلى سمة السرعة في العصر القادم، ومرتبط بما صرح به عن حرصه على نظرة الشمول، والبحث عن المعاني الباطنية، التي كشف الحجاب عنها عثمان أمين في حديث عن الجوانية عنده. وقد نعجب حين نري تعدد وجهة نظر الدارسين فيه بين من يراه صاحب اتجاه علمي فلسفي، ومن يراه صاحب اتجاه نفسي، ومن يراه تأثريا، ومن يراه، من الفلاسفة، صاحب فلسفة جوانية متابعا كانط، ومن يراه، من المؤرخين، صاحب منهج تاريخي في عبقرياته وتفسيره للتاريخ، ومن يراه انفعاليا في كتابة التاريخ والسير الغيرية، وبخاصة حين يتحدث عمن يعاديه من معاصريه، بعكس حديثه عمن بعد العهد بينه وبينهم، ولعل هذا ما يتفق مع ما صنعه أمين الخولي في مقدمتي كتابيه (مالك بن أنس: ترجمة محررة، ومالك: تجارب حياة)، مشيرا إلى منهج العقاد في العبقريات، وغيرها من السير الغيرية، وبعد أن يعرض الخولي لمراحل كتابة السير، تتضح مخالفته منهج العقاد، ومع ما لخصه محمد مندور في كتابه (النقد والنقاد المعاصرون) مركزا على فردية العقاد، وغلوه ومنها قوله: العقاد من أولئك النفر القليل الذي يصح أن يقال فيهم مثلما قيل في المتنبي: من أنه ملأ الدنيا وشغل الناس وأثار الصداقات والعداوات، وخاض المعارك في شجاعة وصلابة…
وإذا مضينا مع نماذج من خطوات البحث الأدبي عند العقاد وجدناه ـ كما يهتم بمضمون أبيات شوقي في رثاء محمد فريد وبموازنته مع المعري ينعطف نحو الشعور والعاطفة والنفس، والتصوير، ويقول قولته الشهيرة: فاعلم أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من بعددها ويحصي أشكالها وألوانها….، ويبحث عن روح الشاعر في كتابه (اللغة الشاعرة.. مزايا الفن والتعبير في اللغة العربية)، كما نقف على المقدمة المهمة التي تصدرت كتابه (ابن الرومي حياته من شعره)، وفيه يتجلى دور الدراسة الخارجية للأدب بربط العمل بسيرة صاحبه، وكونه مرآة صادقة لها، وبخاصة في الفصل الثالث المعنون (حياة ابن الرومي كما تؤخذ من معارضة أخباره على أشعاره)، باحثا عما أسماه المزية التي لا غني عنها. والحق أن العقاد متنوع المنهج، لا تكاد تسلك طريقته في البحث الأدبي والنقدي في منهج واحد ذي طبيعة محددة، وذلك بسبب من التنوع الثقافي في قراءاته، كما يقرر، وكما هو الواقع، وكما يتجلى في إنتاجه منذ كتابه الأول (خلاصة اليومية) الذي صدر سنة 1912 في 112 صفحة، هذا التنوع المرتبط بنزعته الموسوعية حتى عد ظاهرة فكرية وثقافية حقاً.
عاقه التنوع، من ناحية، والغلو، من ناحية ثانية، عن التمسك بمنهج فني محدد في دراساته الأدبية، متفقين مع ما ذهب إليه مندور في تعليقه على موقف العقاد من شوقي، وعده: جزءا من حملته العامة العنيفة على شوقي باسم التاريخ تارة، وباستخدام الأسماء التاريخية تارة، والناحية اللغوية تارة أخرى، حتى قال عنه: إن هذا النقد قد جاء أبعد ما يكون عن أصول هذا الفن، التي يلوح أن الأستاذ العقاد لم يعن بدراستها دراسة مستفيضة، لأنه لو كان معنياً بفن الأدب التمثيلي لوقع على عيوب فنية بالمسرحية، منتهيا إلى وصف نقده هذا، بقوله: نقد العقاد الهدام. ونقف عند كتابه المشترك مع المازني (الديوان في الأدب والنقد) الصادر في يناير، وفبراير من سنة1921، وإعادة طباعة الجزأين بعد شهرين من صدورهما، دون وفاء بالوعد المسطور في المقدمة القصيرة باستكمال السلسلة الموعودة منهما في عشرة أجزاء!!!!، ونرجع إلى ما سبقه من تعليق العقاد الحاد على قصيدة شوقي في بطرس غالي في (خلاصة اليومية)1912، م ظهور (الديوان) في شكل هجوم عنيف على أعلام من أدباء العصر يهمنا منهم الآن شوقي، الذي آخذه على غياب الوحدة العضوية، وقاس شعره بمقاييس فرعية بلاغية قديمة كالإحالة، والتقليد، ونقد مسرحية (قمبيز) دون إلمام بذلك الفن، وأشار العقاد سهامه لشوقي، ثم للرافعي، وسدد المازني نصاله إلى شكري والمنفلوطي.
استغرق الهجوم على شوقي، ، بعد المقدمة التي استغرقت صفحتين، الصفحات (5 ـ56) أي51 صفحة في الجزء الأول، وكان الهجوم على شوقي في الجزء الثاني في54 صفحة بين (115 و169)، ونال الرافعي ما في الصفحات (170 ـ176)، وكان ذلك تحقيقا لهدف العقاد وزميله في تحطيم الأصنام، دون تحقيق لهدف نقدي نافع في مرحلة هي مرحلة التأسيس المهمة في العصر الحديث، هكذا غلب طابع المعارك، وما فيها من حدة، وما صاحب ذلك من انفراط عقد الجماعة المنتسبة إلى (الديوان) الحامل للأسهم والنصال، والأفكار والخصال. وتلك الحدة في (الديوان..) نجدها في (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي)، حيث منازلة كل من: حافظ إبراهيم، وحفني ناصف، وإسماعيل صبري، ومحمد عبد المطلب، والسيد توفيق البكري، وعبد الله فكري، وعبد الله نديم، والليثي، ومحمود سامي البارودي، وعائشة التيمورية، وشوقي، الذي رأي خلو شعره من الشخصية والنفس الممتازة، حتى عالي، فرأي أن بيتا واحدا من البحتري في الربيع ليساوي كل ما نظم شوقي في ربيعياته وريحانياته ومناظر النيل والبحور، كما ينكر تأثر الجيل التالي لشوقي به. بل يري تأثره بهم.
وإذا ما غادرنا غلو العقاد، وإسرافه في حنقه تجاه شوقي وجدناه أعظم أثرا، وأكثر جدوي، وأعم نفعا في سائر كتبه، وبخاصة فيما كتب من مقدمات دواوينه، ودواوين غيره، وخواتيمها، حيث أسس لفكر الديوانيين النقدي، وغيرها مما نصرف النظر عن رصده منعا للإطالة، كما أن ثقافته النقدية تحت جناح الرومانتيكية الإنجليزية، وبخاصة ما يتصل بالخيال، وتأثره بـ كولردج، ووردزورث، وهازلت، وأضرابهما من الخمسة العظام فيما سماهم باورا، في إطار اتجاه مدرسة الديوان، مع ما يضفيه العقاد من تنوعه الثقافي الغزير، ذلك كله كان الوجه الحقيقي لإسهام العقاد في الدراسات الأدبية والنقدية فيما أصدر من أعمال يضيق المقام عن حصرها، وعرضها، وتحليلها، وفيها نجد الطابع الحقيقي للإسهام النقدي الجاد للعقاد ضمن كوكبة مدرسة (الديوان)، من الاهتمام بآليات من المنهج النفسي، والتاريخي، والتحليلي، واللغوي، وهو ما أفاض في الحديث عنه كثير من الباحثين، ومنهم، على سبيل المثال: محمد مندور فيما سبق، ومصطفي عبد اللطيف السحرتي في (الشعر المصري المعاصر)، ورمزي مفتاح في (رسائل النقد)، ومصطفي صادق الرافعي في (علي السفود)، ومحمد غنيمي هلال في (النقد الأدبي الحديث)، ومحمود الربيعي (في نقد الشعر)، ومحمد خليفة التونسي في (فصول من النقد عند العقاد)، وعبد القادر القط في (الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر)، وأحمد هيكل في (تطور الأدب الحديث في مصر من أوائل القرن التاسع عشر إلى قيام الحرب الكبرى الثانية)، وعبد الحي دياب في دراساته عنه، وحلمي مرزوق في (تطور النقد والتفكير الأدبي الحديث في مصر في الربع الأول من القرن العشرين)، ولدي غيرهم. وفي ذلك كله نري، على المستوى التطبيقي والنظري شعره، عدم التطابق بين الجانبين النظري والتطبيقي في نقده وشعره معاً، وذلك جانب آخر من الدراسة.
* الأهرام.