الرئيسية / إضاءات / هيغل.. الوجه الذي لم يعرفه أحد

هيغل.. الوجه الذي لم يعرفه أحد


*محمد الأسعد


قبل وفاته بوقت قصير، نشر الكاتب والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث (1914-1998) كتاباً تحت عنوان “اللهب المزدوج”. في سياق هذا الكتاب، جاءت تأملاته حول فكرة “الحب” في التراث الغربي، خصوصاً في الأزمنة الحديثة، والكشف عن أصول مصطلح الديالكتيك الهيغلي (نسبة إلى الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل، 1770-1831) في فكرة الحب. أضاء باث بهذه التأمّلات النوازع الفكرية والعاطفية التي بنت أطروحة الجدل الشهيرة التي لم تعد تُقرن إلا باسم هيغل في الفكر المعاصر. وضع باث، بوصفه قريباً من الحركة السوريالية، الشاعر الفرنسي أندريه بريتون (1896-1966) في مكانة عالية في ما يتعلق بفكرة الحب، من خلال مفهومه “الحب الوحيد”، تلك الفكرة التي عارض بها الإصرار اليساري على تجاهل الحياة الخاصة وعواطفها، وعارض بها تحريمات الكنيسة القديمة، وعارض بها أولئك الذين اعتنقوا مزاعم “التحرّر”. وكانت معركته مع مزاعم التحرّر هي الأشد صعوبة لأنها تضمّنت نقداً للمجون. 
في هذا، كما يقول باث، تابع بريتون شعراء الماضي وأشهرهم الإيطالي دانتي (1265-1321) الذي كان أحد المؤسسين الذين حاولوا في القرون الوسيطة إزالة التعارض بين الحب العذري وبين الفلسفة المسيحية. 
ويعتقد باث أن دانتي واصل بذلك تراث الغرب المركزي، ومنه التيار الذي يلتمس بين عصرٍ وآخر توحيد الشعر والفكر، والنقد والإلهام، والفعل والنظر. وفي هذا السياق، نجد بين شخصيات هذا التيار الفيلسوف الألماني هيغل الذي كان الأول في صياغة مفهوم محدّد وجلي لوضعية الإنسان “المتوحّد” أو “المغترب” في الشائع من الترجمات. وإلى هذا التراث يلتفت باث شارحاً لأول مرة تراث هيغل من وجهة نظر جديدة. “التوحّد” هو الشعور بأننا غائبون عن ذواتنا الحقيقية، وأن قوى أخرى تحلّ محلّنا وتغتصب ذواتنا الحقيقية، فتجعلنا نعيش حياةً تعويضية. التوحّد هو ألا يكون المرء ذاته، أن يكون خارج ذاته، أن يكون بلا وجه، أن يكون آخَرَ مجهولاً، أن يكون غياباً. مصدر التوحّد لدى هيغل هو “الاستئصال”، أو السلب، فما معنى هذا المفهوم؟ جواب هيغل هو أن الاستئصال يمكن إدراكه بالعودة إلى النظرة اليهودية ثم المسيحية التي تحطّ من قيمة الطبيعة، وتحوّلها إلى مجرّد شيء من الأشياء، وتحطّم في الوقت نفسه العلاقة العضوية بين الإنسان والمدينة، وسبب هذا هو وضع تعارضٍ بين الروح والمادة، بين الروح والجسد، بين الفهم والإيمان، بين الحرية والضرورة. الاستئصال يختزل كل هذه التعارضات في تعارضٍ واحد: ذاتية مطلقة وموضوعية مطلقة، أو مطلق ذات ومطلق موضوع. ولكن هنالك نقطة تتلو هذا الفصل بين ذات الإنسان والعالم يحاول فيها الإنسان وانطلاقاً منها اتخاذ طريقه عائداً إلى ذاته أو نفسه، ويصبح الخلاص في متناوله.
آمن هيغل، شأنه في ذلك شأن أبناء جيله في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، بالثورة الفرنسية، واعتقد أنها ستمحو “التوحّد”، وتحدث صلحاً بين الكائنات الإنسانية والطبيعة، وبينها وبين ذواتها. إلا أن فشل الثورة أجبره على التراجع، واللجوء إلى تصوّر فلسفة تعيد بناء “الكلّية” بوساطة الشظايا التي اختصر إليها الكلّية، السلبُ أو الاستئصالُ الذي لا يتوقف.
هكذا، اقترح هيغل بديلاً للثورة الفرنسية: فلسفة تجيب على لغز التاريخ، وتقدّم تشخيصاً للاستئصال. ولم تكن هذه فلسفةُ تاريخٍ، بل كانت تاريخاً فلسفياً للإنسانية. وفق هذه الفلسفة، وبما أن المجتمع المدني أثبت عدم قدرته على أن يخدم كذاتٍ كونية شاملة، فإن عليه أن يُخضع ذاته للدولة، وستكون الدولة متعالية بالعلاقة مع المجتمع إن ظلت أمراً محالاً.
هنا علاجٌ للتوحّد والاستئصال، ولكن على حساب الذات التي تبتلعها الدولة، الدولة التي هي بالنسبة لهيغل الشكل الأعلى الذي يستطيع الروح المتموضع اتخاذه. إن خطأ هيغل هنا وخطأ تلاميذه من بعده ربما، كما يرى باث، يكمن في بحثهم عن حلٍ تاريخي مؤقت لمتاعب التاريخ وتبعاته، أي الاستئصال والتوحّد.
النوع الإنساني هو نفسه دائماً، إلا أن مكانه لا يقع في نطاق هذه النفس أبداً. إنه يقع في الزمن، والزمن انفصالٌ دائم عن النفس. صحيح أننا نستطيع إنكار الزمن كما تفعل عدة فلسفات، إلا أننا لا نستطيع أن نتجنّب احتضانه لنا. والزمن هو الاستئصال الدائم، وهو لا يستريح؛ إنه يعيد توليد ذاته. الاستئصال لا يشفيه الزمن، بل يشفيه شيء آخر لازمني. يأتي الشفاء، كما يرى باث، من لحظاتٍ معيّنة يفتح فيها الزمن شقّاً فحسب، يسمح لنا برؤية الجانب الآخر، ويعني بذلك اللحظات والتجارب التي تبزغ فيها النفس والموضوع معاً مثلما هو بزوغ الأنا والأنت والآن والأبد وهنا وهناك معاً. هذه التجارب لا تقبل الاختزال إلى مفاهيم، ولا نستطيع التعبير عنها إلا بوساطة المفارقات والشعر. والحب هو أحد هذه التجارب حيث يمتزج الحسّي بالعاطفي، ويمتزج الاثنان بالروح. إنها تجربة كاملة نكون فيها خارج ذواتنا مندفعين نحو الموضوع المحبوب. وهي تجربة العودة إلى أصلنا، إلى المكان الذي لا يظهر في المكان؛ إنه أرضنا الأصلية.
ومن أجل جلاء فكرته هذه، لا يلجأ باث إلى شاعر أو إلى صوفي، بل إلى فيلسوف من طراز هيغل، فيكشف عن وجه من وجوه هذا الفيلسوف قلّما تناوله أحد. يقول هيغل، سيّد التعارضات والتنافيات، في تجلٍّ له: “يلغي الحبُّ كل تعارض، ومن هنا يفلت الحب من مجال العقل. إنه يجعل الموضوعية عدماً وخواءً، ومن هنا يمضي إلى ما وراء التأمّل. في الحب تكتشف الحياة ذاتها في ذاتها خاليةً من أي نقص..”. لا يقول هيغل إن الحب يطرد الاستئصال إلى الأبد، ولكنه ربما آمن في شبابه بشيء مثل هذا، وربما كانت فلسفته كلها ببساطة، خصوصاً في الدور الذي أعطته للديالكتيك، ترجمة عملاقة لهذه الرؤية الشابة للحب بلغة العقل المفاهيمية. ففي هذا النص نفسه، يرى هيغل بعمق لا يضاهى المفارقة المأساوية التي تقع في أساس الحب :”لا يستطيع العاشقون الانفصال عن بعضهم بعضاً إلا في الدرجة التي يكونون فيها من الفانين أو حين يتأمّلون إمكانية الفناء”. حقيقة الأمر هي أن الفناء هو القوة الجاذبة للحب، هو الحافز الذي يقتلعنا من الأرض والمكان الذي نقيم فيه. ويخاطر باث فيقول إن “الحب هو الحياة حين تكون في كامل امتلائها وفي تطابقها مع نفسها”، أي عكس الانفصال. وهنا يحوّل باث رؤية هيغل المفاهيمية إلى مقابل شعري وحسّي، فيصبح الحب، استناداً إلى هيغل، اكتشاف وحدة الحياة، ولكنه يضيف: “إلا أنه في لحظة الوحدة يحدث انكسارٌ بين الطرفين أو بين النقيضين المتّحدين، ويعود الزمن إلى الظهور”. 
________
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

محمد شكري في ذكرى رحيله.. عالم من الإحباط في مُواجهة الموت البطيء

* محمّد الخطّابي   مرّت منذ أيّام الذكرى الثامنة عشرة لرحيل الأديب المغربي المُعنّى محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *