
*سما حسن
خدعنا فعلاً بتلك الإجازة المدرسية المدبّرة، والتي استوعبنا الهدف منها، حين أصبحنا نرى تجمعاتِ أطفالٍ وشبابٍ في طرقات المخيمات وأزقتها، يرشقون الجنود بالحجارة، ويشعلون إطارات السيارات في ذلك اليوم، فشارك التلاميذ المجازون في المظاهرات، وخديعتنا تلك كخديعة السندريلا في فيلمها الرائع “خلي بالك من زوزو”، لأنها حين غنت أغنيتها الخالدة التي ما زلنا نسمعها في كل مكان، مع بداية فصل الربيع، كانت تغني بمصداقيةٍ واقتناعٍ، أن جمال الطبيعة وولادة حياة جديدة للأرض كفيلان أن يغيرا نفوس البشر، فيملآنها بالخير والتسامح والسلام، وصدمت بخطأ اعتقادها، فخفتها ورقتها وتفوقها بين زملائها في الجامعة، وفرقة الفنون الشعبية، أيضاً لم يصمدوا أمام تقاليد راسخة، لأنها ابنة راقصة في الأفراح الشعبية، وتعيش في شارع محمد علي الشهير، فطعنوها في شرفها حين اكتشفوا أصلها.
وخدعت الشعوب العربية بعد “الربيع العربي”، وقد اعتقدت الشعوب التي تعاني من ظروفٍ تزداد سوءاً على الصعد كافة أن الحراك الشعبي في بعض البلاد الذي رفع شعار”الشعب يريد إسقاط النظام” سيأتي بنتائج تحسّن من أوضاعه، لكن شعارات زائفة وأيدٍ خفية قلبت الأحوال ظلمة وظلاماً. وخدعت حين خرجت مع أولادي إلى حديقة الحيوان في غزة قبل سنوات، والتقيت بتلاميذ رحلةٍ مدرسيةٍ، فبعد إلغاء إجازة الربيع، اعتبرت المدارس بداية فصل الربيع إشارة بدء انطلاق الرحلات المدرسية وتنظيمها، لتعريف الطلاب على الطبيعة الفلسطينية، وتحبيبهم بثرى الأرض الطيبة. فذهب ربيع غزي جميل، وبقيت منه ذكرى وحيدة، نغّصت كدر ذلك اليوم الربيعي، حيث كنا نستمتع بمشاهدة أنواعٍ من الحمام البري النادر الذي تم تهريبه للحديقة، عبر الأنفاق، من مصر إلى غزة.
وحين خرجنا من الحديقة، فوجئنا بأحد الفتية يدسُّ زوجاً من الحمام في حذائه طويل العنق، بعد أن نتف ريشه، حيث استطاع سرقته خلسةً عن حراس الحديقة. وعندما أصبح خارج الحديقة، وقف يتباهى أمام المارّة أنه تمكّن من الإمساك بزوج الحمام، على الرغم من الحراسة المشددة، تأكدت يومها أن كل ربيع في الأرض يموت، لأننا لا نسقيه من نقاء أرواحنا.
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!
