الرئيسية / قراءات / جولة تأملية في فانتازيا سمير الجندي

جولة تأملية في فانتازيا سمير الجندي


*جبرا الشوملي


( ثقافات )
لم يكن اسم فانتازيا ملحق زخرفي في رواية سمير الجندي، للوهلة الأولى ظننت ان اسم الرواية ينطوى على أبعاد شكلانية لجذب وإثارة وتشويق القارئ، وما ان بدأت بتقليب صفحات الرواية، حتى انبسط أمامي هذا المستوى الرفيع من التناغم والتألف بين بين اسم الرواية ومضمونها، لقد ظل الاسم الخيالي ينبض حياة في شرايين الرواية من الصفحة الأولى حتى الصفحة الاخيرة . 

تذكرني فانتازيا سمير الجندي بحالة الافتنان الذهني والوجداني التي عشناها أيام السجن والشباب والجامعة ونحن نقلب صفحات فانتازيا جلجامش، والاودسة، والف ليلة وليلة، وحى بن يقظان، والكوميديا الالهية، وغيرهما من ملاحم الروايات والاعمال الادبية العريقة المتخمة بالميثولوجيات والخوارق والخرافات والاساطير، والقليل منها كان ينهل من حشيش الواقع، والكثير من احداثها كان يدور في فضاءات خيال منسوجة من الاوهام.

 فانتازيا سمير الجندي رحلة أدبية فاتنة في فضاء الخيال، ولكنه خيال أدبي من جنس أخر، خيال منبعث من رحم المكان المفتوح على ذاكرة مشعة بجماليات وإحباطات التاريخ والانسان والطبيعة ، وفي التاريخ سواء المنقضي أو الحاضر تحضر القدس حبكة الرواية ومصدر اشعاعها ، وتحضر معها بغداد وتونس والقاهرة ودمشق عناية عن أزلية الوحدة بين عواصم تدور في فلك نجم واحد ، سبقت سايكس – بيكو، وتعلو على سقفها، ومتمردة على قيودها، كأن تلك المدن الفسيحة أنثى واحدة عصية على الطلاق.
 صوت التاريخ والإنسان كثيف وصارخ في الرواية ، والتاريخ كما الإنسان ليس فقط ما مضى وانقضى ، إنه تأملات واكتشافات وتحديات واقتحامات وزحزحات للحاضر وخيباته، وخيارات للمستقبل تستقي معينها من ماء الحياة ، وفنتازيا سمير الجندي تمارس شجون همهماتها مع تأملات الحاضر وخيباته وكبواته، وتستفز ذلك الجزء البهيمي والضعيف في الإنسان : رجالنا يسيرون بلا هدف ويحيون من أجل الأكل والشهوة ، أما المرأة فهى عاجزة ، لا حول لها ولا قوة، لا أحلام ولا خيال ص 10.

ومع الجزء البهيمي الرابض في الإنسان يرفع سميرالجندي الستارة عن ذلك الجزء النبيل في الإنسان: الناس لا يموتون، ولكن يتحول شكلهم إلى صور أخرى تعرفها الحجارة والمأذن، يتحولون إلى طائر فينيق والى شقائق نعمان ص90+91 .

 وفي فضاء الرواية تنهمر مفاتن الطبيعة وعطورها وجمال الخالق والمدن واالمسافات القريبة والبعيدة والصراعات وخليط البشر من كل الأجناس والعقول في نص أدبي يفيض بضجيج المكان وأوجاعه وتشوهاته وأحلامه، وفي البحث عن لحظات سكون مع الذات المفجوعة من الأقدار المعاكسة ، لكن دون إنحناء أو استسلام:لا مجال للعودة إلى الوراء،سأخرج من الظلام المخيف ص 100. 
تزف فانتازيا للجمهور تذوق متعة الامنية البعيدة ، المسكوبة شهوة عذرية في إنتشاءات الكاتب، يظل يدمنها ويتوق اليها وهو يعرف انها بعيدة ولا يكف عن التوق اليها دون ان يحصل عليها، ولكنه لا يفقد الأمل ويعود في نهاية الرواية بعد رحلة ألالاف الاميال بين عواصم العرب إلى القدس، كأن الأمنية البعيدة المستحيلة لا تزهر إلا في أرض ترابها من تبر.

الرواية تغوص في تفاصيل أوجاع الناس وتناقضات النفس البشرية وعبث الغرباء بالمكان، ولكنها لا تكتفي بالغوص، انها تقفز من التحسس والغوص الى الالهام ، وجبات دسمة من الالهام والاخذ بالتخيل إلى أعلى القمم : أتحبني أكثر أم البحر ، أحب السماء أكثر. ص83 . 

إنه الإلهام التخيلي غير المتعالي على الغضب، الإلهام الثوري الممزوج باصوات القاع والمصوب على تاريخ يمشي على رأسه : سايكس – بيكو ص73 وعلى المخفر البوليسي المدجج بالسلاح والبعوض ص50 ، كان تصوير الاحتلال بالعوضة تصويرا فائق الدلالة ، البعوضة صغيرة جدا كما دولة الاحتلال كنقطة الماء في بحر متلاطم من ملايين العرب ولكنه البحر الأسن ، والبعوضة لا تعيش إلا في المياه الأسنة ، ولا تصطاد إلا من هم داخل محيط المياه الأسنة، ولكن كيف الخروج من المياه الأسنة، انها إستدارة أخرى الى الالهام: القراءة حياة جديدة يا ولدي ص40 . ولكنها لدى الكاتب ليست أية قراءة ، انها القراءة التأملية ، والقراءة التأملية لا تكون الا بالخيال: قف ارفع رأسك واعشق لونا واحدا اللون البنفسجي ص53 ، وما هو اللون البنفسجي؟ : انه لون الفلسفة والابداع . وما أحوجنا نحن العرب للخروج من التلقين والاتباع الى الخيال والابداع ، انه مفتاح الخروج من رواسب محن التاريخ، وحيث تنقلب السياسة على دورها كرسالة يقوم الادب بدور الرسالة ، فالارض العربية متخمة بالرسالات ومفجوعة بالفراغات ويبدو ان المتراس الاخير هو متراس الثقافة والادب، فلتتقدم الثقافة ولترتفع أشرعة الادب والرواية لملئ الفراغ الحزين. . فانتازيا الجندي التي ضربت بمعول خيالها على مستنقع المكان (سايكس – بيكو) منشأ ودفيئة البعوضة (الاحتلال)، حملت نفس معول خيالها ونبشت في أصل الهزائم ولعلعت بالاسئلة الحارقة : لماذا أطاح الاسلاميون بالعدالة في الشام ومصر وبلاد الرافدين ص 25 ، وتواصل إثارة العقل الراكد: لا تثقوا باصحاب العمائم ولا تنتظروا من الذئاب رحمة على اطفالنا ولن يأتي الخير على يد ابي لهب بعد ان اغلق الابواب في وجه المطر ص63 . 
انها الوصفة السحرية المزدوجة لداء البعوضة وداء العمامة التي انقلبت من عمامة بيضاء الى عمامة سوداء بعد أن انقلب العرب الى الملك العضوض والاستبداد، وجاء مع الملك العضوض فقهاء البلاط وسدنة المعبد، وصارت السياسة فن تديينها. . الخيال التحريضي النافذ في مسامات الرواية، ومهمازه الحث على الانعتاق ، الانعتاق من الارتهان لاكراهات التاريخ والحاضر وكسل الارادة وخمول العقل، يلتحم مع خيال إنساني أخر، انه خيال جموح العاطفة ولهيب هيامها : وفي اللحظات التي اتسكع فيها على طريق الحزن وحدي افكر فيك لبضع ثواني فتغدو حياتي باقة ورد، تطيرين بين الدفاتر على اصبعين وكف، فكيف اجامل غيرك وكيف اجالس غيرك وكيف أضاجع غيرك؟ كيف وانت مسافرة في عروق اليدين. ص61 ؟ وهذا الهيام التخيلي ليس إلا هيام ثقافي – تربوي – تحريضي لترويض العاطفة وتحريرها من مشاعية الشهوة وانفلاتاتها المجنونة، ومنحها الصفاء والعفة والسمو الروحي ، وهل هناك سمو روحي أرفع من هذه الوفاء : أحبك وأشرب نخبك حين تصاحبني امرأة على العشاء، ويعثر دوما لساني فأهتف باسمك حين أناديها ص61.

 ويقيني أن المرأة التي خطفت قلب وعقل الكاتب وطاردها في عواصم العرب ليست سراب امرأة ، انها ضمير الرواية وبوصلتها التي تؤشر نحو ثقافة الانعتاق والوطن السعيد.

شاهد أيضاً

جماليات الشجرة في قصص سورية معاصرة

(ثقافات) جماليات الشجرة في قصص سورية معاصرة د. علياء الداية تشترك قصص سوريّة معاصرة في عنصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *