الرئيسية / نصوص / حديث الرمّان

حديث الرمّان


*أنوار الأنوار



خاص ( ثقافات )
1.
معك أعيش كليهما دون أن أتعلم من أحدهما شيئًا. “الشعر مثل الحبّ لا يمكن تعليمه” يقول أدونيس. لم يقل إن أحدهما يلد الآخر؟! أحبك فأحياك قصيدةً تعتنق الحداثة. تقلب موازين العالم كلّ يومٍ فترسمه خيالًا مخاتلاً. بك فقط تسحّ الدمعة لذيذةً حدّ النشوة . بك فقط يصير الغياب شعرًا ينسف كلّ الماضي ويؤسس لمستقبلٍ من أحلام خائنة. مستقبل يبدو سكانه حروفًا انسابت يومًا منك. يوم كانت عباراتك أجنحةً نحو السماء . لم نكن ندرك ونحن نشهد بضرورة الاستسلام لما تفرضه الأيام بأن ذاك سيعني الموت المؤكد.
في غيابك يعترف الحب بأنه أجاد تغيير رؤانا للحياة. تعترف الحياة أنها لململت متاعها قبل أن ترحل معك. يصير الشوق حداثيًّا بكل المعاني إذ يلحّ أن لا يحتفظ بأي معيارٍ قديم، سوى دهشة الذكرى وغلبة التوق، والعالم المتراكم عند الباب الخارجي يهتف: حين لا يبقى إلا الغياب، لا شيء ينتصر سوى حرف يجمع حطام الكلمات المهدومة، ليبني فوقها نداءً يشرع ذاته على قصيدة لا وزن لها، إلا ثقل حضور اسمك يابسًا على لسان جفّت منه النبرات.
2.
كأن لا تزعجَ المنفضةُ المكدّسة برماد السجائر مشهدَ الوردة العاشقة بجانبها. كأن تتبدّد روائحها من الغرفة المختنقة، لا لشيءٍ إلا لأنّ طيفك الحاضرَ ينشر روائحَ الفانيل والباتشولي ويملأني بخصلات المسك بالليمون. كأن يبدوَ السعالُ أقربَ إلى موسيقى الفلوت والنايات. وأنت جالسٌ على الكرسيّ الهزّاز محتنقًا من حديثي عن ذاك المفكّر وفلسفته في الدين، وعن منظّرةٍ سياسيّةٍ تُبعد عن دماغي الصّدأَ .
تصفعني بأنّ كلّ هذا الميدان لا يعني لك شيئًا لأنّ الإيمان الحقيقيّ هو الحبّ -تقول- ولأنّ الدّينَ أن تعتنقَ وجهَ حبيبةٍ تصرّ أن لا تقبّلك إلا بفكرةٍ ولا تعانقك إلا بأيديولوجيا.
“لا أيديولوجيات في الحب” -تصرخ بي- إمّا أن تحبّ وإمّا أن تموت!
تتبدّد سعلتي إذ ينكحها انطلاق القهقهة : هي ذي تمامًا فكرة عشقك ّ أيها المجنون. أن أنتشيَ وأنت تهشّم كلّ قناعاتي وتحطّم رأسي بكلّ ما فيه من سؤال فلا تجيبني إلا شهوةُ القُبل. أعتصرك بين شفتيّ فينحبس السّعال، يتناثر دخان السيجارة، يمّحي الفلاسفة وتنفرط السياسة، وترقص الوردة متمرّدةً على الحوض الصغير.
3.
كُنْتُ أكبُره بسبع ريشاتٍ ولون . كان يكبرُني بسرعة التلوين وشهوة التحليق. غازلني كنجمةٍ كلّما حلّقت، وغازلتُه بيقين ما أراه منه يومًا من علوّ سيسبقني فيه إلى حلمي البعيد. يوم وقعتُ وتكسّرَت أجنحتي وانكفأتُ على حطام ذكريات السموّ، لملمني وحملني إلى عشّ بناه في حضن شجرةٍ دافئة. صار العشّ مخبأنا الوحيد، نسكنه ويسكننا ذات الأمل . 
قضيتُ الأيام أبكي التكسّر فيما قضاها يغزل لي الأجنحة ويرتّب الألوان، ويتلو على ريشاتي تعويذاتِ البقاء.
خانتني العينُ بالبلل يوم أنشدتُ أولى أغانيَّ الجديدة: الحبّ ألا تكون غربةً لمن هو وطنك.. أن لا تبيت موتَ من يهبك الحياة. 
حلّقنا عاليًا من جديد. كان قد كبُرَني بريشاتٍ كثيرة وألوان منسوجةٍ بعناية. وشوش لي قبل أن يعلو كثيرًا: لن يعتنقَ الارضَ مَن خُلق للسدرة يا عصفورتي الطيبة. وأشار بيده نحو الشمس.. في محاولاتي الملحّة المزينة بأيقونته أشفقتُ على الإنسان :وحدها العصافير تجيد الحب إذ تنفض عن طيرانها كلَّ أنانية. وحده الحسون يعتنق العطاء ويرمي عن جناحه شوائبَ لذة الامتلاك. ردّدتها وحلقت، محملةً بما حاك لي من خيوط روحه وسمعت صوتنا في اتجاهين متباعدين يشق الفضاء مسقسقًا للشغف إذ يغدو دروبًا واسعةً كثيرة نحو السماء.
4.
بائع الخبز المعفَّر بطحينه لم يدرك غمزتي إذ تميزتُ منه ما وقع من عينك فوق خدّه الأيسر منذ رفع وجهه مرةً ليناولك رغيفين ساخنين فازدانت ملامحه بنظرتك تزهر في وجهه يانعةً تتفتح. بقيتُ أغازلها بصمتٍ حتى نسيت أرغفتي الممتدة نحوي، فلكزني المكانينيّ المنتظر دورَه خلفي ضاحكًا من شرودي. الميكانيكيّ الذي شبقَتني كفُّه المتّشحة بالسواد لأني لمحتُ بين أصابعه الثخينة بصمةً منك علقَت وأنت تناوله يومًا أجرةَ إصلاح دولاب سيارتك التي أحسدها لاحتضانك. الدولاب الذي جعلني أعشق الشارع الملطّخَ بالخطوات والأوحال، فقط لانه شهد عبورك إلى مكتبٍ حكومي ذاتَ مطر. ذاك المكتب الذي استحال حدائقَ عشاق في عينييّ لأني في الساعات الطوال من انتظاري لدور ٍ لا يكاد يأتي لم أكن أشّم غيرَ روائح أنفاسك في المكان. أنفاسك التي جعلتني لا أرى من الموظف القانط غيرَ زفراته ألتقطها بلهفةٍ لمسلكها كي أتبيّن إن عبرَت يوما من فمك قبل ان تنتشر في المكان. أعانقها كنحلة يبشّرها غبار طلع قادم، مع ملامح العابرين الذين يظنونني سكرى جاهلين معنى الحبّ الحقيقي.. الحبّ الذي ليس أقلّ من أن تغدوَ كل العوالم والأكوان والأشخاص والصّور والحيوات، بعضًا ضئيلاً جدًّا من تجلياتك.
5.
الحبّ هو محاولتي اللامتناهية لأن أشبهك. أتمثّل جنونك فأصدّق أنّي غيمةٌ، وأنّ العوالم قفارٌ جدباء لا تنتعش إلا بجودي. أقلّد دفئك فأمطر كوني بما أحمل من أحلامٍ وأمنياتٍ لا يصدّقها . يغدو الأعداء أطفالًا أسقيهم دعائي بالخلاص مما يوجعهم كلما استسلم أحدهم للقبح. الحقد ألمٌ اشفق عليهم من نيرانه فأطفئها بصدق الحب على دين المسيح يهتف في قلبي :”أحبّوا أعداءكم”. يغدو الاصدقاء أبناءً أشبه بسنبلة أرويها لتتكاثر. ما أكثر السنابل المدفونة في انتظار أمطارٍ لا تأتي. ما أكثرَها تعاند الأمطار إن جاءت فتصرّ أن تخبو، فيما لا أني أوهم نفسي بأنّ في مطري الحياة. 
في الحبّ أشبهني فيك إذ أصدّق كذبتك المدهشةَ بأنّي أمّ الكون فأرضعه حلمي أن يصير أصفى، قبل أن أنكفئ بغتةً على فشلي، كلما تنبّهت كم من العصافير الصغيرة أغرقتُها بانهماري فوقعَت ذابلةً لفرط ما أثقلتُها بالبلل.
6.
الحياة ليست غيرَ صوتك إذ يأتيني بتلك الهمسة. 
وئيدةً تسير إليّ النبرات كأنما تنزّ من فمك قطرةً قطرةً. أضمّ الهمزة أوّل الوافدين، وتتكاثر لهفتي لاحتضان بقية رفاقها. تتأخر الحاء فأزداد شوقًا. هذا الأثير اللئيم يجزّئ لي الحياة غيرَ آبه بما يترعرع حولي من الموت. يفتّت لي الحروف. ونغماتها. ألتقطها كرضيع أشقاه الجوع ثمّ شمّ رائحة أمّه قادمة. يصير جسدي حديقةَ شفاهٍ تتزاحم متفتّحة.
أتضرع للباء ألا تتباطأ أكثر. يجرجرها الهواء فأدسّها في قلبي. على حوافّه تنمو شجيرات انتظارٍ ظامئ. تتشقّق تربته حؤولاً للنبرة الأخيرة. يلتهم الرضيع ثديَ أمّه . 
ما أن تنسكب الكاف حتى تتجمّع في عمقي : أحبّك. يتجرّع الرضيع كلَّ الجسد نهمًا. آكل النبرات لأكبرَ بها. آكلها لأحيا. تتعالى بينها أصوات النداءات.. 
أزرعها في روحي تعويذةً مقدسة. لا حزن لا موت لا وجع ولا اختناق. 
أحبك. 
من قال إنّ الموت قد يأتي وفي العالم صوتك يردّدها؟ أحبك . أحتضنها فتفرّخ النداءات: حيّ عل الحب. حيّ على الكتابة. حيّ على الجمال. حيّ على الشوق ، حيّ على اللهفة، حيّ على الحياة. تنسكب جميعها إليّ تباعا ما أن تلتئم أجزاؤها: “أحبك”. يصير الكون باقةَ رغباتٍ يانعة. تغدو نبراتك ينبوعَ لهفة أرتشف منه حركاتي.. تغدو اللهفة نهرَ أفكار تتسابق لتصبّ فيّ. تستحيل روحي أجنحةً وجسدي سماواتٍ مفتوحة. تصير السماوات أرحبَ ثم تكتظّ بكلمات كثيرة اختبأت سرًّا في حقائب حروفك المسافرة.
حين تهمس : أحبك، تملأني رغبةٌ في الرقص. همسك موسيقاي. أرقص فتتبعثر الحروف مجدَّدًا.. تتجمّع السماوات والآفاق والأجنحة والكلمات جديلةَ شغفٍ في حضنك. فأرتمي بين ذراعيك قصيدةً. وحده الشعر يتّسع لكل هذا النبض. صوتك الشِّعر و”أحبّك” قصائد الدواوين كلّها، “أحبك”، أناشيدُه الباقيات.
7.
أحبّك فتنهزم عوالمهم ولا تنتصر إلا ابتسامتي الشامخة. يهيج غضب رجالٍ أرادوني دومًا بلا قلب، بلا روحٍ، بلا رغبات. تخيب مرآة امرأة حلمَت أن أكونَ مثلها: جسدًا منطفئًا لا يمتلكه إلا الأسياد. أحبّك فيشقّ نورك عتمةَ عالمهم الموحش. يغني البلبل في حضن الشجرة في عزّ الظهر بلا خوفٍ من تلصّص الغيورين. تتمسّح قطة جارنا بقدميّ وحدي تاركةً صاحبها ينادي عبثًا بلا من يجيب. 
تصمت نشرة الأخبار ويتبدّد كبرياء المذيعة الملوّنة بالإثارة . تتبعثر أسماء الضحايا والقتلة وتنفرط بصمتٍ لا يقطعه إلا صوت سقوط خرزاتٍ تطقطق على أرضيةٍ ملساء لا تتّسع لها فتسحّ تائهة. يهدأ صوت الحرب ويبدو طابور اللاجئين سربَ عصافير ترقص في بحثها عن الملاذ .
يتلعثم شيخنا على منبره رعبًا على صوت إلهه الذي تُسكته القلوب إذا امتلأَت بدهشة الجمال. يُخذل أمل الشرطي الذي لم يُجد القبض على لهفتي باسم السرعة الزائدة. تتهشّم ألسنة من أرادوا حدثًا يتلهّون به فضاعت منهم الملامح. 
أحبّك فتغمّ البغتة وجهَ صاحب البيت إذ لم أبكِ وأنا أبيع آخرَ كسرة خبزٍ كي أجمعَ له الأجرةَ المتراكمة.. تستحيل الكهرباء المقطوعة مسرحًا إيروتيكيًّا أعانق فيه ظلّك المنبعث من صورتي على الجدار. 
يغيب من الأصدقاء من لم يجدوا جرحي ليطبطبوا عليه فخابوا، ومن الأعداء من خانتهم دمعتي إذ امّحت. 
أحبك فتغدو عقارب الساعة القانطة من انتظار ما لا يأتي من حلولٍ، آلاتٍ تتناغم كي تعزف أغانيَ نشوةٍ لا تذوي، وأعود صوفيًّا تسكنه عروسُ باليه، لأحيلَ كلَّ صوتٍ موسيقى لدورانٍ لذيذٍ لايبدو فيه دوَخاني مثيرًا لأيّ سؤال. 
أحبّك فيصير كلُّ موتٍ حياةً . يصير كلّ موتٍ حياة.
________________
كاتبة فلسطينية من الجليل

شاهد أيضاً

الحافلة الحمراء – شعر هيوا قادر

(ثقافات) الحافلة الحمراء   *هيوا قادر ترجمة: خيرية شوانۆ السماءُ زرقاء والأرض خضراءٌ كانت. متكئةٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *