الرئيسية / مقالات / هل من يذكر جمال هيلين؟

هل من يذكر جمال هيلين؟


*ياسين طه حافظ



بانتقال الانسان من مخلوق بدائي إلى مرحلتي الانتباه والوعي، تعددت احتياجاته ، وما عادت الرغبة محدودة بالطعام والحصول عليه أسوة بحيوان الغاب. صارت له احتياجات اخرى مادية ومتخيلة.
في مرحلة نشاط المخيلة امتد عالمه من الممكن المتاح إلى غير الممكن، الى ما لا يتيسر له في الطبيعة أو الواقع الاجتماعي. صار بسبب ذلك إلى توظيف الخيال لانجاز بعض المهام أو تقريب ما ينأى أو يستحيل. صار عمل الخيال عملا رئيسا من اعمال العقل البشري صار التوسل بالسحر للخلاص من السوء أو من الشر أو لتحقيق طموح أو رغبة. نشاط المخيلة اصطنع البساط السحري والخاتم والتميمة واضفى قوة انجاز على العشب والحصى والشجر.
لكن الملاحظ على الاداب الشرقية انها ظلت اكثر عقلانية بنسبة كبيرة من الاداب اليونانية، فليست هناك إلهات انتقام وإلهات حب وإلهات تنقل وإلهات تطارد… وهي كلها اساليب ووسائط تعبير عن المرجأ أو غير المتحقق. 
كان لزاما ان يحقق الانسان حيواته ومطامحه، ورغابه بقوة اخرى خارج امكانات جسده ومدى يديه. هو يريد تصوراته متحققةً ملموسة.
عموما، تاريخ الوثنية حافل بهذه القوى المنتقمة أو المستجيبة. تقدُّمُ الدين اوقفَ هذه أو حدد حضورها في حياة الناس إلى درجة كبيرة بوحدانية الله وقواه الكلية المطلقة على كل ما في الكون. فلا وثن بعد يعبد ولا آلهة تمسخ وتحرق أو تسقط أو تحقق امنيات لهذا وتنتصر لذاك. صار الله هو (المعين) وتحقيق الأمنية سبيله العمل الصالح ورضا الله.
عموما، نحن ضمن دائرة متاعب الوصول إلى المراد والحاجة إلى قوى مناصرة تحقق التصورات.
والحقيقة، ان كل ما نقرأه في الادب اليوناني، من صناعة اقدار وقوى، وراءه رغبات بشرية غير مهتدية إلى حل، أو غير قادرة على وصول. الاديان حددت مساحة الضلال بالايمان بالقدرة الالهية وبتاكيد الثقة بالانسان وقواه العاقلة. والحكمة أوجبت الاهتمام بالممكن بدلا من ايقاف العقل والضياع وراء المتخيل، اسطوريا أو خرافيا أو ايمانات بدائية بقوى الطبيعة مما هو معروف.
الحضارة الحقيقية، العاقلة، بدات بانتهاء السطوات الماسخة والمتحكمة باقدار البشر والتي شلت المقدرات العقلية. معنى هذا بالانتهاء من الاعتماد على غير العقلاني. مع ذلك فكل ما نقرأه في المسرح اليوناني وراءه مطالب تعويضية تحققها آلهة متعددة، هي اصلا قوة طبيعية: ريح، برق، بحر، نار، فضلا عن إلهات للحب والاخصاب والفتك بالعدو أو المنافس كما إلهات الرحمة والانقاذ. انها الرغبات البشرية تتحقق بقوى غير بشرية، قوى متخيلةٌ أشكالُها. في “اجاممنون” يقول “اورستس” عن إلهات الانتقام: “انتم لا ترونها، انا اراها!” هو اذن نوع من الايمان بالمتخيل.
ان احدا لا يستطيع الشك بان رغبات “زيوس” مثلا، وهو يحقق امانيه أو رغباته الممنوعة أو غير المستجيبة، بما يقوم به من مخاطرات غرامية وحيل جهنمية ليصل إلى من يريدها، هي بشرية الاصل. فهو مرة يتخفى في زي زوجها، كما يفعل مع ام هرقل، ومرة يصور نفسه بشكل ثور أو ذكر بجع أو ينزل بهيئة غمامة تمطر ذهبا.. هذه كلها رغبات بشرية وامنيات بشرية، ما تزال حية في اوساطنا الشعبية..
لذلك، فـ زيوس، مثالنا، ليس منتقما ومحتالا فقط، لكنه أيضاً مخلِّص، كما يصفه اسخيلوس. ومعلوم ان فكرة المخلص هي الاساس المشترك لمدرستي ابيقور وزينون. فلا تعجب اذا انتقلت هذه الصفة إلى الملوك والطغاة فـ بطليموس الذي استقل بمصر بعد وفاة الاسكندر، حمل لقب “سويتر”، أي المخلِّص.
ظلت البشرية عبر تاريخها، تبحث عما يعينها على تحقيق امانيها الصعبة وعما ينتقم من اعدائها مثلما ظلت وحتى اليوم بحاجة إلى منقذ أو مخلص. 
الانجاز العظيم الذي اوقف تشتت الطاقة العملية للانجاز والطاقة العقلية للتفكير بحلول، هو الدين حيث اكد على الانسان عاقلا منتجا وان اعماله الصالحة والنافعة سينال عليها اجرا وان سعيه سوف يرى. 
الظاهرة التي تدعونا للتساؤل هل نعود للايمان بالقوى الاسطورية بصورة مؤسسات عملاقة تتآمر وتخطط والى رساميل تعمل في القارات وتتحكم بمصائر البشر وان قدر الانسان عاد ثانية بأيد خرافية وانه ضحية المنافسات وان الواحدة تنتقم من الاخرى أو تخطط للايقاع بها؟ وان الانسان عاد ثانية إلى منطقة الهيمنة ورهن مشيئات غامضة لا يتضح منها الا ما يصيب البشر من احداث ومآس؟ هل عاد الانسان ليعيش ببعض من وعيه في عالم اسطوري جديد واننا بازاء تعدد الالهة وما عاد قدر الانسان بيده، بل هو ملك قوى خرافية جديدة؟ التسميات ليست مهمة لكن نتائج الاعمال وما يصيب البشر يكشفان عما هو مشابه لذلك و ان كان بتعقيد اكثر وبسطوات ماحقه اوسع. وهي هذه التي تثير حروبا واوبئة وتحرق بشرا ومدنا. الفارق الوحيد الذي ظل هو: لا احد بيننا اليوم يذكر جمال هيلين الذي اختفى!
____
*المدى

شاهد أيضاً

الكتابة… حدود الوصاية

د. رامي أبوشهاب  لطالما شكلت الكتابة عنصراً مُقلقاً للآخر، ولاسيما القوى المحافظة بمظهريها المؤسساتي أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *