
عاصم الشيدي
إلى الشاعر أشرف فياض
كيف يمكن لمدية واحدة مهما كانت مشحوذة أن تقتل شاعرا يجيد الحلم ويجيد الحياة ويجيد الطيران في كل السماوات إلى أن يصل إلى سدرة المنتهى بأحلامه وأمنياته ويرسم للبشرية صورة موازية لجمالها ولمأساتها مهما كان بخفة عصفور صغير. كيف يمكن لتلك اليد أن ترتفع عاليا ثم تهوي على حلمه، وعلى حرفه وعلى قلبه، وعلى عنقه وعلى العالم من بعده وتقتله وكأنها قتلت فيروسا دقيا يهدد البشرية بالفناء وبالدمار.
تلك اليد العمياء المرتعشة لا ترى في المشهد من يستحق العقاب إلا الشاعر، هذا العالم شديد النقاء، شديد الصفاء شديد المثالية، وحده الشاعر قذر ومنافق ولئيم، وحده الشاعر الذي يهدد البشرية بالفناء، وحده الشاعر يصنع المِدى التي نقتل بها بعضنا البعض.. وحده الشاعر سبب بلاء الأمة وهو سبب نكساتها ونكباتها، هو الذي يصنع الإرهاب ويدعمه بالمال والسلاح ويدعمه بالأيديولوجيات والنصوص التي تبيح له إحلال الظلام محل النور، أو منع إي محاولة للصحو من هذا السبات المفجع. هذا الشاعر العربي هو الذي صنع المنظمات الإرهابية، هو الذي بنى القاعدة فكرة فكرة، ثم بنى داعش والنصرة وبوكو حرام وكل المنظمات الظلامية في العالم العربي والغربي وسلطها على الرقاب وعلى العباد، هو الذي يصدّر الجهل والقمع والتخلف في العالم، هو الذي يكبت الحريات ويئد الحقوق، هو الذي يدخلنا من أزمة إلى أزمة، هو سبب مشاكلنا مع أنفسنا، ومع ربنا ومع الناس من حولنا هو سبب نكسات هذا العالم أجمع من يوم آدم وإلى يوم يبعثون.
سنوات طويلة وهؤلاء الشعراء ينثرون فوق سمواتنا الظلام، إنهم لا يجيدون إلا الحلم.. وهذا الحلم هو الذي أوصلنا إلى هذه النهاية.
تشحذ مِدى الصحراء إذن لتغتال الشاعر، لتقتله ذات فجر كاذب على كل هذه الأساطير التي صنعها في عالمنا وجعل كل هذه الفلول من الظلام تهطل علينا وتنشر الجهل والتخلف ولا تكتفي في هجومها الأخير بالسلاسل والسجون وكل صنوف التعذيب الذهني والبدني، المدية باتت هي الحل الوحيد لقطع كل هذا التخلف. إن لحظة الصحو قريبة لا محالة، قريبة وبموتك أيها الشاعر سيحل النور هذه الصحراء، وتمطرنا السماء بكل خير.. لم يبق الكثير من الزمن وستتحول كل هذه المساحات إلى واحة وجنان.
أشرف فياض الشاعر الفلسطيني والفنان التشكيلي الذي رسم سريالية المشهد بكل ألم سيكون خاتمة آلام الأمة والبشرية حينما سترتفع يد صحراوية لم تر من قبل أبعد من قدمها اليسرى وتهوي على عنقه.
سيكون بإمكاننا جميعا أن نضحك، نضحك كثيرا وربما نتقلب في هذه الرمال التي ترتفع كثبانها على عقولنا ونغمض أعيننا دقائق في انتظار كمية النور التي يمكن أن تشرق علينا وتتسلل إلى حيث هذه الرمال.
لكن حلما متوقدا آخر حد الصدق يمكن أن يقول إن تلك الضحكة يمكن أن تستمر، وتستمر لأن مشهدا مثل هذا يمكن أن يأخذ أبعادا أخرى.. حينها يمكن أن نعرف حقيقة الخيط الأبيض من الخيط الأسود ونعرف في أي سواد نعيش وفي أي جهل نتمرغ وفي أي تخلف نضع أقدامنا.
وسيكون مناسبا جدا أن نستعيد شيئا من الشعر، مرة أخرى للأسف، رغم ما جره علينا ونقول بكل ألم «يا أمة ضحكت من جهلها الأمم».. ولا بأس أن نكرر البيت الشعري كثيرا فتلك اللحظات ستدعونا إلى ذلك فيما إذا استطعنا أن نستفيق من غفلتنا ومن جهلنا ومن تطرفنا ومن بؤسنا ومن الوعي الغبي الذي صنعناه والذي لا فرار منه في القريب العاجل.
أما أشرف فياض فسيكون في عالم آخر، يمر به من جوار سدرة المنتهى إلى أفق لا نهاية له أبدا، وهناك لا تعليمات ستأتي من الداخل أبدا.
• ديوان شعر للشاعر أشرف فياض حوكم عليه وصدر أخيرا عليه وبسببه حكم بالإعدام.
——–
*جريدة عُمان