الرئيسية / مقالات / نبوءة صديقتي “باميلا “

نبوءة صديقتي “باميلا “


*غصون رحال


خاص ( ثقافات )
نبّهتني صديقتي الإيطالية ” باميلا ” إلى حقيقة ما، كانت غائبة عني يوما!.
في يوم ماطر لا يخلو من برودة ، كنا نتسلى بالحديث وتدفئة الأجواء خلف الطاولة الخاصة بمنتجات مؤسسة ” زيتون ” التي تسوّقها “حملة التضامن مع فلسطين” في بريطانيا ، وتشتمل على المأكولات الفلسطينية الشعبية من زيت الزيتون والزعتر البلدي ، التمر الريحاوي، واللوز، والفريكة، والمفتول الأشهى في العالم.
أكياس وزجاجات معدة بعناية ومغلّفة بشكل أنيق وجذاب علّها تحظى بذائقة المستهلك البريطاني الحريص على متابعة أدق التفاصيل وقراءة كل ما هو بين السطور، بالإضافة إلى منتجات الحرف اليدوية من مطرّزات بألوان خرافية شغلتها أيدي أمهر النساء الفلسطينيات، وأشغال حرفية حشبية عالية الجودة مصنوعة من أجود أخشاب الزيتون الفلسطيني، والحلي الصدفية ممها تشتهر به مؤسسة ” هديل ” المعنية بتسويق المشغولات الحرفية الفلسطينية في بريطانيا.
وكبائعة عديمة الخبرة، وتفتقر إلى مهارات التسويق ، اتكلت على الله ، ثم على تقنية النوايا الحسنة في استقطاب الجمهور؛ أصرّ على شرح طريقة صنع شوربة الفريكة، وأعدد مزايا الزعتر المغموس بزيت الزيتون في تنشيط الذاكرة والقضاء على أمراض الروماتيزم ، وأساعد المتسوقين في تثبيت الكوفية على الرأس ، أو حول العنق بطريقة ” ستايلش ” تزيد من فرص بيعها، وأحاول سرقة ثوان قليلة من وقتهم لأحدثهم عن آخر أخبار ما يدور فوق الأراضي الفلسطينية. 
صديقتي الإيطالية التي ترافقني في جولة العرض الصباحية ، سألتني بأسى : أصحيح أن إسرائيل تقوم بسرقة أعضاء المقاومين الفلسطيينيين قبل أن تعيد جثثهم إلى عائلاتهم؟.
“باميلا ” القادمة من مدينة الخيال والرومانسية الهائمة ، تركت فينيسيا بسحرها وقنواتها المائية ، بجندولها، ومأكولاتها اللذيذة وجاءت إلى بريطانيا لتدرّس نساء ورجال الإنجليز اللغة الايطالية. اكتشفت في وقت مبكر كذب الإعلام الإيطالي حول ما يدور في فلسطين، لم تصدّق الرواية الرسمية عن هوان اليهود في فلسطين وتعرضهم للقتل والترويع من قبل الشعب الفلسطيني ، التحقت بالجامعة لدراسة التاريخ ، وهناك تعرّفت على القصة الحقيقية لما وقع على الشعب الفلسطيني من قبل من يدّعون أنهم ” the victims of all victims ” ، أو الضحية الكبرى والتجسيد الأمثل للمعاناة ، لتكتشف أن ما تحمّله ويتحمّله الشعب الفلسطيني من ظلم واضطهاد فاق كل التصورات القابلة وغير القابلة للتصديق. التحقت بمجموعة المتضامنين مع القضية الفلسطينية في حملة التضامن مع فلسطين وحرصت على عدم تفويت أية مناسبه تحمل رائحة ونكهة فلسطين.
نعم يا صديقتي ، يخرج الفتى الفلسطيني من بيته بكامل أناقته كأنه يتأهب لاستلام وظيفة طالما حلم بها ، في طريقه إلى الباب يطبع قبلة على جبين أمه ويوصيها أن تطبخ له ورق عنب ، ويركل الكرة التي ألقاها أخاه الأصغر ناحيته باسما. في منتصف المسافة ما بين عتبه الباب ومفرق الطريق الترابي الذي لا يؤدي إلى رجوع ، يلقي التحية على بائع الكعك العجوز الذي يناوله كعكة بالسمسم ويلحقها بورقة نايلون صغيرة تحتوي على كمشة من مسحوق الزعتر. 
يغيب بعيدا ولا يعود، تخترق رصاصات الجنود الإسرائليين هامته بحجة محاولة طعنه أحد المستوطنين ، تحتجز قوات الأمن جثمانه ما طاب لها من الوقت لتنتقي ما يحلو لها من أعضاء ! تسرق اسرائيل أعضاءه، عيناه ، كليتاه ، قلبه ، وما شاء لها من قطع الغيار البشرية لتمنحها إلى مرضاها وجنودها. يسلّم الجيش الإسرائيلي جثته إلى ذويه بشرط الاكتفاء بتشييع سريع وصامت لجثمانه حتى مثواه الأخير لأجل ألا تكتشف عائلته النقصان الذي لحق بجثمان شهيدهم.
قالت باميلا بيقين من يطّلع على الغيب: ليسرقوها أعضاءكم يا صديقتي ، فعيونكم لن تبصر في رؤوسهم، كلاكم ستجمّد الدم في عروقهم ، وقلوبكم ستنفجر في صدورهم .
______
*روائية وكاتبة أردنية 

شاهد أيضاً

الكتب يا أمّي

قاسم حدّاد غرقت عيناه، في غضب مكبوت. كل ثروتي وآخر الشواطئ. جمعتها ورقة ورقة منذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *