الرئيسية / نصوص / مَوْتٌ مَجْنونٌ

مَوْتٌ مَجْنونٌ


*عبد الرحيم التوراني


خاص ( ثقافات )
اكتشفت غروري بالصدفة فقط، كنت أعتقد أني الوحيد في المدينة من يصادق الموت. كان يطربني أن أطل من نافذتي، أو الخروج إلى الشوارع المكتظة بالعابرين من المارة، من الراجلين أو المارقين فوق مركباتهم المستوردة. وهم غير آبهين بما ينتظرهم.
كنت أضحك كالمجنون، أضحك من غفلة هؤلاء الحمقى الذين لا يفكرون في موتهم مثلي، التفكير في الموت على الأقل خمس مرات في اليوم مفيد للبدن ومحفز على الاستمتاع بالحياة. التفكير في الموت مهادنة له. لما يطرق الباب يكون لطيفا وحنونا كضيف عزيز ننتظر قدومه لصلة الرحم.
لكن الموت يفزع الناس ويرهبهم حد الموت.
لعل الصلوات الخمس عند المسلمين هي مجرد تذكير بالموت وباليوم الآخر، كما أن لباس الحج هو اقتباس من لباس الموت، أي الكفن. 
لما سقت هذا التفسير لصاحبتي الفرنسية “أنج” الملحدة، وكنت على وشك إقناعها باعتناق ديننا الحنيف، تركتني. قالت لي إنها إنسانة محبة للحياة ولا ترغب في الانشغال مطلقا بالتفكير في الموت. 
ضحكت منها ومن رسالتها الإلكترونية التي كتبت فيها:
– عَبْدِيلْ.. حبيبي سابقا، أنا لن أكون مثلك أبدا، لن أدين بدين الموت والموتى. وداعا.
كنت أدعو لها كلما افتقدتها واشتهيت لجسدها البض. لكن فما دامت روحها ميتة لا تفكر في الموت فجسدها كذلك. لهذا كنت أستدرك مستغفرا، معزيا نفسي، كيف تضاجع جيفة؟ فأرتاح وأنسى حبها وحرقتها التي ما تزال ملتهبة في القلب..
كل من لا يفكر في الموت هو ميت ولا ريب.
يموت الميت ملايين المرات وهو حي يتنفس. 
ما الحياة إلا سلسلة متراصة من حلقات الموت تشد بعضها، لما تنفك إحدى الحلقات ينتهي الكائن ويوارى التراب. ينسى كأنه لم يكن. 
لطالما كنت أعجب لهؤلاء، كيف لا يرون مثل ما أرى، هالات الموت ترفرف فوق الرؤوس، بل كل الرؤوس. الموت لا يستثني حتى الأجنة في البطون.
لكني كنت أحترم موتي ولا أجرؤ على الحديث مع أي موت آخر، ولو حدق في أو أشار إلي وكلمني، كنت أتظاهر بالصمم وبالخرس، أدع موتي يكلمه مكاني، وأنا أتلذذ بسماع محاورتهما الهامسة حول صراع الجن والملائكة.
للموت همس دافئ، شجي، سمفوني النبرات، كأنه أنغام سماوية أو قل أنشودة ملاك. بل إن الموت ملاك، لكنهم ينسون، والموت وفيٌّ لن ينساهم أبدا. عندما تحين ساعتهم سيكافئهم الموت بالنسيان، لن يذكر مرورهم أحد بهذه الدنيا الفانية.
نعم، اكتشفت غروري، فالموت الذي اعتقدت أنه صديق لي، لم يكن يوما يعاملني كصديق، لم يكن يعرف حتى اسمي، كان يطلق علي لقب “الميت” حتى وأنا لا زلت على قيد الحياة. لذلك قررت التمرد عليه. من يكون هذا المغرور، لأفعل مثل باقي الناس، أعيش حياتي من دون استحضار ذكره وسطوته.
الموت حشرة قاتلة، مهمتها استقطاب الأحياء إلى يوم الحشر، ربما، من هنا سميته ب”الحشرة”، ولا شك إنها حشرة لها صلة بباقي الحشرات المبغضة، وفي مقدمتها النمل الأحمر والذباب الأزرق. ولا أفهم لماذا كلما تذكرت هذين اللونين وأضفت إليها لون الموت الأبيض، رفرفت أمامي أعلام الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ولفت جسدي بالكامل.
ارتميت وسط زحام المارة، وضعت نظارات سوداء فوق عيني لأتجنب رؤية الهالات المشعة فوق الرؤوس. انشغلت بالتفكير في الإعداد لسهرة السبت، أين ومع من سأمضيها. فكرت في الذهاب إلى السينما نكاية في الموت. حين انتبهت إلى هالة عظيمة ترفرف فوق رأس حسناء فارعة. كانت الهالة المشعة تشير إلي من بعيد وتغمز، غضضت الطرف ومضيت صوب هدفي، لكن الهالة العظيمة ملكتني بنورها القوي، اقتربت مني واحتكت بي، رفعت رأسي مستغربا، أردت التأكد من أن الهالة لامرأة وليست للوطي أو متحول جنسيا. كانت لإمرأة حقيقية وفاتنة. نسيت نفسي فكلمتها وكلمتني. وإذ كنا يوم جمعة، فقد بادرت وباركت لها: 
– جمعة مباركة 
فلم ترد علي. دعوتها لقضاء سهرة السبت معا، رفضت بغنج وتدلل، واقترحت هي علي قضاء سهرة الجمعة معها. لم أتعود أن أسهر الجمعة لاحترامي لهذا اليوم المبارك الذي يسمونه لدينا “عيد المؤمنين”. لكن اشتداد وقع ذبذبات أشعة هالتها على جوانحي جعلني أنصاع لدعوتها. 
أخذتني إلى بار “الجن والملائكة”، تهيبت من الاسم، لكنها دفعتني برفق وأدخلتني. كانت طاولات البار ممتلئة فوقفنا بالكونطوار. اكتشفت أن الزبناء من الجن، والنادلون والبارميطات من الملائكة، التفت إلى صاحبتي فرأيتها ملاكا بأربعة أجنحة. تلمست مؤخرتي ورأسي، وااه.. نبت لي ذيل وقرنان، صرت مخلوقا من نار بعدما كنت قبل قليل من طين، لكني أجهل أصل الملائكة، ابتسم ملاكي ابتسامة ساخرة، اقتربت مني وهمست: 
– لا تحرجنا يا عَبْديلْ، كأنك لم تدخل من قبل إلى هذا المكان، تصرف كأنك زبون مألوف. ابتسم لتَبَسُّمِ الملائكة من حولك فأصل الملائكة من نور.
تذكرت صديقتي “أنج” ولثغتها المحببة إلي وهي تختصر اسمي عبد الرحيم إلى عبديل.
حاولت تقليد همسها وسألت عن الذيل والقرون، أخبرتني بأني سأتخلص منها بمجرد مغادرتنا المكان. طلبت لي كأسا من شراب “دجين” وكأس “مارتيني” لها، أبيض في أحمر، وأشارت لي أن أشرب. قرعنا كأسينا حتى تطايرت حبيبات الشراب وقفزت باردة على وجهينا. ابتسمتْ هي وابتسمتُ أنا مرغما، كأس واحدة كانت كافية لأدوخ. شيئا فشيئا بدأت ملامح الحسناء تتبدل في ناظري، إلى أن أصبحت ذكورية، صحوت من سكرتي مندهشا. أردت الهروب، تظاهرت برغبتي في التبول، لما وصلت إلى باب المرحاض القريب من مخرج البار، فوجئت بمن يدفعني بعنف داخل المرحاض، كان(ت) (هو) من جاء(ت) بي إلى هذا المكان. وبصوت هامس دافئ شجي النبرات سمفوني النغمات، تماما كصوت ملاك صاح في وقال:
– هنا سأقبض روحك، أنا الموت. كيف تتمرد علي وتنساني. أنت وحدك لن أسمح لك بنسياني لأنك كذبت علي وتخليت عن صداقتي، فأصبحت من زمرة العصاة المردة الشياطين…
لم يترك لي الموت فرصة أن أشرح له، وما هي إلا نصف رمشة عين حتى صرت في عداد الموتى. استحضرت الآية: ” أينما كنتم يدرككم الموت”.وأسلمت روحي إلى الأبد. 
ها أنا الآن أتفرج على الدنيا من شرفة العالم الآخر. أضحك في سري من غفلة الناس ومن حماقتهم بعدم التفكير في صحة البدن والاستمتاع بالحياة عبر بوابة الموت. 
فقط، ما يحز في نفسي الآن، وأنا في قبري هو أني مت في مرحاض وفي بار وسط نيران الجن، على يد النور الملاك، ولا إنسي واحد شيعني. 
موت بهذه الطريقة وفي هذا المكان أغضبني وأغاظ وأخجل أهلي وأحبائي أكثر. لكنه أسَرَّ أعدائي وهم كُثْرُ. صارت ميتتي مثلا، بل دعاء يدعون به على من يكرهون.

شاهد أيضاً

ثلاث قصص قصيرة لخلود المومني

بيت العائلة   فتحت الباب، استقبلتني رائحة الحنين. لبيوت الأمهات حميمية لا يعرفها إلا من تجرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *