رحيل مامالييف الروسي رائد الواقعية الميتافيزيقية


فؤاد خشيش


غيب الموت في موسكو، الكاتب والفيلسوف الروسي يوري مامالييف، عن عمر أربعة وثمانين عاماً، نتيجة المعاناة مع المرض الذي أصيب به العام 2013. ويعتبر مامالييف من مؤسسي تيّار «الميتافيزيقية الواقعية»، ومن أبرز كتابته في هذا المجال «العقيدة الفلسفية» و «روسيا الأبدية».

نشأ الكاتب في كنف عائلة سوفياتية، وكان والداه من الذين تلقوا «العمّاد المسيحي»، بيد أنه لم يعر اهتماماً كبيراً للحالة الدينية، على قوله، إذ «كنت أخاف أن أردد كلمة الله، لسبب داخلي»، أو بسبب الوضع الذي ساد في تلك الفترة السياسية، لكن عند بلوغه الثلاثين من العمر، عاد إلى الإيمان واقترب من الكنيسة بالمفهوم الإيماني «واعترفتُ أن هناك إلهاً»، ويشير إلى أن العودة إلى الكنيسة والابتعاد عن اعتناق الشيوعية عنت بالنسبة إليه شيئاً واحدا: الإلحاد.
ولد يوري فيتاليفيش مامالييف في 11 كانون الأول عام 1931 في موسكو، وكان والده يمارس مهنة الطب النفسي. أنهى دراسته في العام 1956 في معهد «تقنية الغابات» في موسكو، وتابع دراسته في مادة الرياضيات في المدارس المسائية، ثم انصرف الى ممارسة الكتابة الأدبية، ليبحث لاحقاً في الفلسفات الهندية والباطنية والغيبيّة.
ما بين عامي 1953 و1973 كتب ونشر مئات القصص القصيرة، وروايتين والكثير من الأبحاث الفلسفية والأشعار. لكنه لم يتكمن من طبعها أو توزيعها بسبب آرائه السياسية وصلاته بعدد من الكتّاب الذين كانوا ضد النظام السياسي السوفياتي. غادر الاتحاد السوفياتي في عام 1974 الى الولايات المتحدة الاميركية وبقي هناك من العام 1975 حتى العام 1983 حيث كان دَّرس الأدب الروسي في جامعة كورنيليا في مدينة «أتاكا».
تردد اسم مامالييف لأول مرة في عام 1975 في مجلتي «الموجة الثالثة» و «المجلة الجديدة». انتقل في العام 1983 إلى باريس ودرَّس الأدب واللغة الروسية في معهد باريس للغات والحضارت الشرقية وفي مركز ميدون لدراسة اللغة الروسية والأدب. نال في الفترة التي قضاها في المهجر شهرة عالمية. حيث صَدَرت نتاجاته باللغات الروسية والإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها.
بدأ منذ العام 1989 ينشر نتاجاته في بلاده. في العام 1991 عاد الى روسيا وبدأ بنشر كتاباته التي بلغت أكثر من خمسة وعشرين كتاباً. أبرزها روايات «المتسكعون»، «العالم والضحك»، «القضبان»، «الزمن الضال»، «المنارة الموسكوبية» وغيرها. نال في العام 2000 جائزة بوشكين لللآداب. لم يختلف مامالييف عن أبطاله في الرويات التي كتبها وأبرزها «المتسكعون». فالخوف من الموت والإدمان على المشروبات الكحولية، وشكل الحياة البوهيمي وتأرجح الإبداع قد أضعفت أعصابه، وقد صور أبطاله من واقع حياته الرهيب، إذ كان يصفهم دائما بأنهم يعيشون في ضواحي وأزقة موسكو وحتى في المراحيض. إلا أنه كان يردد «إن الفوضى تجلب النظام».
كتب الكثير عن الواقعية الميتافيزيقية التي أصبحت فيما بعد مذهباً خاصاً به والتي تعني برأيه أنها تبحث دائماً عن شخصية الإنسان ووعيه، ولفهم هذا المبدأ كما يقول «يجب أن يملك الإنسان ثقافة ماورائية ووعياً غير ملموس لفهم مباحث الكون». ويقرر أن الحالة الميتافيزيقية والدينية والروحية، كانت منتشرة في روسيا وملأت الشعر والنثر الروسيين وحتى الشعر والأدب ما قبل السوفياتي، كما الكتابات الكلاسيكية للشاعر الروسي بوشكين ودوستويوفسكي والكسندر بلوك، وصولاً الى ميخائيل بولغاكوف وأندريه بلاطونوف، «فكل هولاء كانوا من أبناء الامبراطورية الروسية، وبرغم أن كتّاباً من أمثال مايكوفسكي وبلاطونوف كانوا من الثوريين إلا أنهم في داخلهم ينتمون إلى هذه الامبراطوية.
من آرائه
 أنا لا أسمِّي أو أعتقد أن الشخص الروسي الذي يحب روسيا هو روسي بالمفهوم الانتمائي، بل الذي يعيش في لغته وآدابها.
 فلسفتي التي كتبتها في «روسيا الأبدية» لا تعني، أولاً: القومية وهي برأيي جزء من العداء للآخر وللشعوب الأخرى، لأن مفهوم القومية المعاصر ولد مع الثورة الفرنسية كما هو معروف، وثانياً: لا تعني الوطنية، لأن «الوطنية» هي مفهوم ضيق، مريض، وكلمة مبتذلة. وثالثاً ليست دينية، هي فكرة روسية كنظرة عالمية ومن أبرز معلميها الكاتب بيرداييف.
 انا متعطش الى وحدة الأدب الروسي العظيم. على اعتبار أن روسيا هي حضارة وتمدن، ولذلك نحن بحاجة بعضنا إلى بعض، والأهم ان يهتم بنا الجميع ويعيروننا الكثير من الاهتمام. التناقضات موجودة في المجتمعات كافة وبين مختلف الحضارات، ولكن لا بدّ من القول إن هناك فرقاً كبيراً بين الروح الغربية والروح الروسية، والمقصود على الصعيد الروحي الداخلي وربما الإيماني، ولكن ثمة سر ما يجمعنا.
———-
السفير

شاهد أيضاً

الكتابة الابداعية كما أراها: 23 خلاصة تصلح للكاتب الجديد والمحترف

الكتابة الابداعية كما أراها:  23 خلاصة تصلح للكاتب الجديد والمحترف*  يحيى القيسي   بدأتُ الكتابة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *