الرئيسية / مقالات / حكاية صورة ..

حكاية صورة ..


*آسيا رحاحليه


خاص ( ثقافات )
أعترف . أصابني نوعٌ من الهوس .
بتّ لأيامٍ أنام و أنا أفكّر في الصورة . و أصحو و أنا أفكّر في الصورة – صورتي الشخصية على غلاف مجموعتي القصصية الثانية – لدرجة أنّ أفكاري تشعّبت و الخيال سرح بي بعيدا .
خطر لي أنّ الإنسان اخترع آلة التصوير لكي يقهر الزمن !نعم . الصورة تتحدى الزمن ، لكن ربما في كل صورة نأخذها يكون الزمن حاضرا معنا ، في الخلفية ، يبتسم في سخرية ، يلوّح بيده أو يتوعّدنا أو يخرج لنا لسانه … كأن ليقول أنه الأقوى و لاشيء يغلبه.
لم أكن أبدا مولعة بأخذ الصور . بالعكس ، كلما اضطررت لذلك من أجل وثيقةٍ أو ملفٍ شعرت بحرج كبير .
قد يعود عدم اهتمامي بالصور و كرهي للمصورين إلى طفولتي الأولى . أذكر أنه طُلب منا في المدرسة الإبتدائية إحضار صور فوتوغرافية ، فأخذني والدي إلى الـ ستوديو الوحيد في المدينة .
في تلك الفترة كانت الصور بالأبيض و الأسود و كانت تأخذ أياما لكي يتم تحميضها ، بقيت أتخيّل شكلي بفستاني الجميل و شعري الذي زيّنته لي أمي ، و كانت خيبتي حين رأيت الصورة … بدت خدودي منتفخة جدا كأنهما طبلتان صغيرتان ..تعبت أمي و هي تحاول إقناعي بأنني هكذا لأنّ صحتي جيّدة و وجهي سمين و لكني لم أقتنع .
كنت على يقين أن المصور تعمّد تشويهني بآلته تلك !
قلت أنني لم أولع أبدا بأخذ الصور لكن حصل معي أمر غريب و أنا أتجاوز منتصف العقد الرابع من العمر. أصبحت فجاة أهوى الصور و التصوير ! أضع الكاميرا الرقمية الصغيرة دائما في حقيبتي ، من باب الإحتراس ، ربما صادفت زمنا يستحق أن ألقي عليه القبض !
لمَ في هذا السن بالضبط ؟ ربما لأنّي أتوهم أنه يمكنني قهر الزمن .
مهما رأينا العكس ، تبقى الصورة مهمة و لها القدرة على التأثير خاصة في زمننا هذا .و صورة الكاتب على غلاف مؤلفه كأنها توقيع أو مصافحة للقاريء و الوضعية الذي نأخذها في الصورة مهمة أيضا و لها دلالات قد لا يتلقّاها الجميع بنفس المفهوم . فكّرت في بعض الرؤساء الذين يبدون في صورهم مبتسمين و أيديهم على قلوبهم كما كان يفعل الرئيس الهارب الذي ” غلّطوه ” ! الشعب وقتها ترجم الصورة إلى ” أنت يا شعبي في قلبي ” ، بينما بن علي كان يعني ” يا رب استر و يبقوا نايمين ” !
صورنا تحمل ملامحنا لكن هل هي حقا نحن ؟ لا أدري . ربما هي نحن و ليست نحن في نفس الوقت.
طبعا في كل الأحوال المضمون أهم بكثير من الصورة و مع ذلك ، صورتي على غلاف مجموعتي الأولى ” ليلة تكلّم فيها البحر ” لم تعجبني . كانت مشوّهة و غير واضحة تماما . لم أر أن الأمر يستحق افتعال مشكلة مع دار النشر، فالمادة دائما أهم من الغلاف ، و لكني قلت في نفسي لو كُتب لمجموعتي الثانية أن تصدر فسوف أحرص على جمال الصورة الشخصية .
و هكذا بدأت حكايتي مع الصورة .
إحدى الصديقات أخبرتني أنّ صورة عن صورة تختلف . قالت لي لا تنظري مباشرة في الكاميرا و فهمت قصدها . صورة الكاتب أو الشاعر أو الصحفي يجب أن تكون مميّزة .. يجب أن يبدو من صورته أنّه كاتب ..كيف ؟ مثلا ينظر إلى فوق كأنّه ينتظر أن تسقط عليه الأفكار من السماء أو إلى تحت كأنّه يبحث عن مفقود ! أو … يحمل قلما بين أنامله أو يضع يده تحت ذقنه أو على جبهته و يبدو كأنّه غارق في التفكير لكي ينقذ العالم ! و مع احترامي الكبير لكل الذين يحبّذون أن تكون صورهم هكذا إلا أنني شخصيا لا أفعل أكثر من أن أميل برأسي قليلا في الصورة و أبتسم . فقط…ابتسامة تحمل شكري و امتناني للقراء في زمن تكاد فيه المقروئية أن تندثر ، و أيضا من باب أن الإبتسامة صدقة .
و على ذكر القلم ، أخشى أن يأتي زمن تختفي فيه الأقلام من الوجود كما اختفت المحبرة والريشة و يصبح استعماله في اللغة مجازا و حسب . أولسنا الآن نكتب مباشرة على الحاسوب ؟ أنا مثلا أستعمل القلم و الدفتر لأخذ رؤوس أقلام فقط أما كتابة النصوص كاملة فكلها على الحاسوب ، فهل سآخذ صورة و أنا أحمل الفأرة أو لوحة المفاتيح ؟ !
المهم . لنعد إلى حكاية الصورة .
المصوّر الأول الذي قصدته طمأنني أن الصورة ستكون جميلة و واضحة و أن أيّة جزئية فيها لا تعجبني يمكنه بكبسة زر أن يجعلها تختفي ! إنها التكنولوجيا و نعمة الفوتوشوب . شعرت بالإرتياح .
المشكلة أنّ حاسوبه تلاعب بملامحي أكثر مما يجب حتى أنني حين رأيت الصورة قلت… يا إلهي هذه ليست أنا ! الجيوب تحت عيني اختفت . تماما . التجاعيد الدقيقة أيضا – وسام الزمن – اختفت جميعها . حتى الخالات التي في خدي الأيسر اختفت . كأنّه السحر ! بدت عيناي كعيون الصينيات أو الكوريات ، و وجهي كأنّه نُحت نحتا …
و قلت في نفسي كيف أضع على كتابي صورة لأخرى من كوريا الجنوبية ! ؟
قصدت مصوّرا آخرا .
قلت له أني أريد صورة مميّزة لكي تكون على غلاف كتاب .لاحظت دهشته كأني قلت أمرا غريبا …لاشك أن لا أحد قصده من أجل صورة لغلاف كتاب .
جمّلت مظهري و استعددت . جلست على الكرسي ، ملت برأسي قليلا و ابتسمت لكن المصور قبل أن يضغط زر الكاميرا هزّ رأسه و سألني : هل هو كتاب طبخ ؟ ومع احترامي الكامل و غير المنقوص لمن يكتبون كتب الطبخ الذ ي هو فن و إبداع إلا أني لحظتها شعرت برغبة في البكاء لكني تماسكت خوفا من أن يسيل الكحل من عيني ! و المصوّر معذور طبعا فرفوف المكتبات تعجّ بمؤلفات الطبخ من كل الأشكال و الألوان و الأحجام …حتى أني في زيارة لإحدى المكتبات الكبيرة بمدينة كبيرة دهشت من حجم المساحة في الواجهة الزجاجية المخصّصة لكتب الطبخ …المثل عندنا يقول ” كي تشبع الكرش تقول للراس غنيّ ” ربما ” كي تشبع الكرش ستقول للراس اقرأ ” المشكلة أنّ حتى أصحاب الكروش “الشبعانة ” لا يقرأون !
حسنا…خرجت من عند المصور الثاني أحمل الصور في فلاش ديسك و لم تعجبني أيضا، كلها ، و في الطريق تذكّرت والدتي حين أخبرتها أني أهديت المجموعة الثانية لها فسالتني بعفوية : و هل وضعت صورتي ؟ ..
قلت في نفسي و الله فكرة ! ربما أضع صورة أمي الحبيبة فأنا أولا و أخيرا منها وإليها و لولاها ما كنت شيئا .
فيفري 2012/
_______
*أديبة جزائرية.

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *