الرئيسية / فنون / «مهرجان طنجة للفيلم القصير».. أحلام متوسطية

«مهرجان طنجة للفيلم القصير».. أحلام متوسطية


محمد بنعزيز


فمٌ يغطي الشاشة الكبيرة. يلتهم حلوى معسّلة ويمضغ، وراوٍ يصوّر حلمه المزعج، ويشتكي بأن أحلامه صارت تشبه الواقع. حلم مشوّش، وفيلم مشوّش من مصر عنوانه «سكّر أبيض» لخالد أحمد. لا يتعلق الأمر بأحلام النوم، التي كثر تصويرها بالدخان والشمع حتى صارت «كليشيهات» نمطية مستهلكة، بل بأحلام يقظة. كما في فيلم «ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمّام بالكيلو 375» لعمر الزهيري، عن كوابيس موظّف شاب يعتذر لأنه عطس أثناء حفل تدشين رسمي. 

في الفيلم المصري كثير من السينما. هو ثمرة فهم عميق للبيروقراطية المصرية الضخمة، الجاثمة على البلد. حتى في روسيا توجد البيروقراطية نفسها، لذا نجح اقتباس قصّة أنطون تشيخوف. العبث جزء من السلوك البيروقراطي، لذلك يعاقَب الموظّف على العطس من دون إذن، على الرغم من اعتذاره بإصرار مَرضي وهو يحلم بالعفو.
هكذا تتكرّر تيمة الحلم في أفلام الدورة الـ 13 (5 ـ 10 تشرين الأول 2015) لـ «مهرجان الفيلم المتوسطي القصير بطنجة»، بمشاركة 51 فيلماً من 19 بلداً متوسطياً، حضر الحلم في كثير منها. على مستوى بنية الأفلام، نجد توجهّين: الأول مهيمن، يتمثّل بأفلام تحاول تقديم قصة كبيرة بشكل موجز، لذا للفيلم القصير بنية فيلم طويل. الثاني أصعب، وهو تصوير لحظة مقتطعة من قصّة. بينهما، أفلام كثيرة جرى تصوير حدث عابر من دون تطويره. لذلك، نجد وضعية أو حدثاً يتيماً كطرد أسرة من منزلها، أو شخص يسكن في سيارة، أو شاب معوّق. ماذا بعد؟ لا شيء. تتمّ تغطية الخواء والوضع المضجر بالأسلبة، كالإكثار من لقطات الكاميرا الذاتية، التي تمثّل عين بطل الفيلم، أو تسريع التقطيع وإضافة بعض المؤثرات البصرية أثناء المونتاج على أمل اختلاق فرجة في الحاسوب، لم تتحقّق أثناء التصوير.

عودة إلى تيمة الحلم، فهي تستحق التتبع نظراً إلى وزنها في سيناريوهات أفلام البداية لدى المخرجين الشباب، خاصة أن «الحلم هو الخلق الفني الأول للإنسان» كما قال خورخي لويس بورخيس. في «متزوجون إن شاء الله» لسارة الزينة، تحلم شابة تونسية بالزواج من تونسي ولد في فرنسا اسمه محمد عبد الله. لكن، عليه إثبات أنه مسلم، ليجوز له الزواج بمسلمة. يشرح للبيروقراطي الغبي الجالس أمامه بأنه مسلم، وبأن اسمه محمد، فيردّ الموظّف عليه بأنه يصدّقه، لكن لن يحرّر له عقد زواج بمسلمة، ولا بدّ من وثيقة تثبت إسلامه. يعرض عليه الشاب ترديد الشهادتين من دون جدوى، لكنه لم يعرض عليه الختان.

في الفيلم الإيطالي «الأبدية»، حقّق الشاب التونسي عليّ حلمَه بالوصول إلى الضفة الشمالية، لكن عليه دفع 400 يورو للسكن في الفردوس، أو النوم في أحضان عجوز تعشقه وتنفق عليه. يفترض أن هذا سيكون مؤقتاً، لكن الإقامه بين فخذي العجوز تصير أبدية. بين خيار المؤقت والأبدي، يصغي علي للإمام يخطب في المصلين في محيط المصنع محذّراً إياهم من الحرام الذي سيقودهم إلى الجحيم. لا يدرك شيخ الإسلام في الغرب أن الجحيم هو ما يعيشه الشـبان الآن، وليس ما سيحصل لهم بعد الموت.
في فيلمين لبناني وجزائري، يحلم الشبان بصدق رجال الدين وبتحرير الفراشات من العسكر. في «مع روحي» للّبناني كريم رحباني لقطات من حياة يومية رتيبة لرجال دين مسيحيين في دير. ينصح الأب مستمعيه بالصلاح والاعتراف بالأخطاء لتغفر لهم. لكن الأب لا يدفع ثمن الوجبات التي يتناولها سكان الدير، فيرتكب خطيئة ثقيلة، ويتردّد في الاعتراف. توجد شُبهة نفاق في هذا التناقض بين القول والفعل. لكن الناس لا يتعمّدون ذلك، بل يتردّدون لأن الحكي سهل والفعل صعب. في «الفراشة» للجزائري يعيش كمال، يقدّم شاب مشروعاً أدبياً إلى ناشرٍ يقابله بحفاوة، مدقّقاً في سيرته ونصه. ترتفع معنويات الشاب، ثم تنهار حين يُصرفه الناشر إلى حين الاتصال به. عائداً بالقطار، يتأمل الشاب فراشة على الزجاج. يغرق في «مونولوغ» طويل يكشف من خلاله عن يأسه. يتأمل الفراشة. ترتفع معنوياته، لكن مصيرها سيئ، فيتخيل آلاف الفراشات تحلّق حوله. في الفيلم فرجة ثلاثية الأبعاد تحرّر الفراشات افتراضياً. سهّل التصوير في مكان متنقل مكافحة الضجر، وسمح بتقديم شخصيات متباينة في لقاء اضطراري وجهاً لوجهٍ في عربة القطار. إذ ليس الناس جميعهم قلقين، وعلى وشك الانفجار. المحظوظون تنقذهم البلادة.

 في الفيلم جانب من سيرة ذاتية، بحسب تصريح المخرج الواثق بأن الفراشات تجلب الحظ. حين يغيب الحظ، تتولى الأحلام تنفيس القلق. غالباً ما تفسّر الأحلام بنقيضها. فمن حَلم بعرس، يجد نفسه في جنازة؛ ومن حلم بفراشة، يجد نفسه في وجه دبّابة. حين يطغى الحلم على الواقع، يصير تعبيراً عن الوهم والتيه. هذا هو البديل الشائع حين يفشل البطل في تحقيق هدفه. من هو عدو البطل؟ لا اسم له، لأن عدوه هو وضعه الاجتماعي. لا توجد جهات للهروب نحوها. لذا، من فرط اليأس، صار الحلم بديلاً من الواقع.
———-
السفير

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *