الرئيسية / إضاءات / مكاوي سعيد:الكتابة حالة شعورية مقرونة بالمعايشة

مكاوي سعيد:الكتابة حالة شعورية مقرونة بالمعايشة


آية إيهاب


منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، شق الروائي مكاوي سعيد طريقه نحو الكتابة، تعرف عليها بشكل أكبر أثناء دراسته الجامعية، فكتب الشعر ثم انحاز للقصة والرواية، حتى بلغ مكانة مهمة وباتت أعماله تتصدر قوائم الترشيحات للجوائز الادبية. ويؤكد في حواره مع ( بيان الكتب) أن الكتابة عنده مرتبطة بالحالة الشعورية. إذ لا يكتب إلا حين تحركه الأحاسيس إزاء موضوع ما.. وهو يحرص، كما يقول، على أن يختبر ويعايش ما يكتب عنه، لتكون إبداعاته صادقة شفافة.

بدأت مسيرتك بالشعر، فهل ترى أنه كان البداية الحقيقية والامثل التي أغنت تجربتك في عوالم الأدب؟
الشعر كان خطوة أولية في التعرف على الموهبة، من خلال كتابة بعض الخواطر الأشبه بالشعر، مثل الشكل المنتشر على الإنترنت هذه الأيام من التدوينات التي نجدها على مواقع التواصل الاجتماعي. وكان هذا في مسيرتي، قبل الانتقال للكتابة المسرحية والروائية أو القصص.
كتبت شعراً في مرحلتي الجامعية وحصلت على جائزة من الجامعة نفسها، ولكنني شعرت أنني لن أضيف جديداً إلى هذا الفن، لذا قررت التوقف عنه ومن ثم كتابة القصة.

اعتراف
دراستك كانت في التجارة، وعملك في المجال ذاته. فإلى أي مدى أثرت تلك التجربة فيك: سلباً أو إيجاباً؟
لم يكن الأدب في المرحلة الثانوية إلا موهبة، فلم أتخيل أني سأمتهنه طوال حياتي، لذا كتبت وخضت غماره إلى جانب دراستي، والتي لم تؤثر فيّ بشكل من الأشكال، إذ عملت محاسباً في شركة مقاولات. وبالتأكيد، لم تضف إلي الدراسة إلا عند استخدام شخصية محاسب، مثلا، داخل الرواية، لذا تركت عملي واتجهت بشكل مركز إلى الكتابة من أجل الإخلاص لها.
كتابات مجربة
رغم اهتمامك بفن القصة، إلا أن اسمك اقترن بـ«تغريدة البجعة». فهل يرجع هذا لرغبة القراء؟ أم أن العمل كان جزءاً من روحك فخرج بتلك الصورة المميزة؟
الكتابة الجيدة هي ما تشعرك بأن ما كتب كان حقيقياً وصاحبها كتب هذا عن نفسه، فعندما نجيد رسم الشخصيات يشعر المتلقي أننا أخذناها من الواقع، لدرجة أن بعض المبدعين يسألونني في هذه الرواية إن كنت قد أخذت بعض التفاصيل من حياتي الشخصية ولم أكتبها من مخيلتي.

موقف
هل هذا يعني أنك من الممكن أن تكتب عن تجارب لم تعشها؟
لا طبعاً. ففيما يخص التجارب، أظن أن الكتابات غير المجربة تجعل القارئ يشعر أنها كتابات «سياحية» عن أماكن وأشخاص بشكل غير حقيقي وغير متعمق..
فالكثيرُ كَتَبَ عن منطقة وسط القاهرة، لتأتي روايتي «تغريدة البجعة» وتحصد إعجاب الكثير رغم أنها تكلمت عن المنطقة نفسها، وهذا لأني عشت في تلك المنطقة واحتككت بها، لذا فرغم أنني سافرت الى الريف لم أكتب عنه لأنني لم أحتك به جيداً ولم أعرفه المعرفة الكافية للكتابة عنه.
في «تغريدة البجعة»، اتخذتَ موقفاً ينتصر للمهمشين ويعادي الإسلاميين. أترى أن الرواية يجب أن تكون وجهة نظر صاحبها؟
بالطبع، فهو في نهاية الأمر عملي الخاص الصادر مني، وليس موضوعاً صحافياً يجب أن أتخذ فيه موقفاً محايداً ما، فكل تيار له كُتَّابُه الذين يعبرون بالضرورة عنه، كما إن للإسلاميين كُتَّابهم، فالأدب حالة اكتشاف في عوالم مختلفة، لذا فأنا أكتب عن مشاكل حياتية، وعن أناس مطحونين…
وماذا عن روايتك الجديدة «أن تحبك جيهان»؟
تدور الرواية حول أماكن متعددة، فلم أكتب تبعا لمكان بعينه، إذ إنني كنت أركز على الشخصيات بشكل خاص، لذا ابتعدت عن فكرة البطل الأوحد وركزت على أن تصف الرواية أبطالاً وحيوات مختلفة ومتنوعة.
الكتابة والاكتئاب
قلتَ سابقاً إنك تكتب في لحظات الاكتئاب. لماذا لا يستطيع عديدٌ من الكتاب الكتابة في أوقات سعادتهم؟
لم أقل هذا بالضبط، بل قلت إنني لن أضيّع حالة البهجة أو الانشراح في الكتابة، لذا تعتبر الكتابة هي الحل في لحظات الاكتئاب، ولكن هذا لا يعني بالطبع أن تؤثر حالة الاكتئاب على جو القصة، فالكاتب لا بد أن يفصل نفسه عن حالته النفسية، حيث إن الكاتب الذي لا يستطيع إقامة هذا الفصل لا يستحسن أن يكتب.
ما هي طقوس الكتابة لديك؟
أحدد خطة صغيرة للرواية، وأترك للأبطال تحديد مسارات الرواية بأنفسهم من خلال سير العمل، وأكتب عندما أشعر بحاجة للكتابة، لذا فأنا كاتب مقل جداً في أعمالي، لأنني لا أملك خطة بعدد ساعات معينة كما يفعل البعض، هذا إلى جانب أنني أحب أن أعايش الحالة التي أكتبها.
فعندما أود الكتابة عن الشتاء أنا أنتظر حلول هذا الفصل من أجل إتمام الكتابة بشكل غير منقوص، كما إنني أبتعد عن ما قرأته لفترة.. وأعيد قراءته مرة أخرى بعين ناقدة من أجل تحسين النص وتلافي الأخطاء.

الكيف والكم
ما مدى كون كثرة النشر مضرة بالنسبة للكاتب ولصناعة الكتب؟
هي مضرة للكاتب بالطبع، حيث إن عديداً من الكتاب يتسرعون من أجل إصدار أعمالهم، والتي هي دون المستوى، ما يجعل عديداً من الكتاب يكفون عن أعمالهم بعد قراءة عملهم واكتشاف أنه أقل مما توقعوا، لذا فأنا مع التأني في النشر..وأخيراً فإن الموضوع بالكيف وليس الكم.
كنت قد شكرت عدداً من النقاد الذين لفتوا الجمهور إلى رواياتك. ما تقييمك لمستوى وتوجهات وتأثير النقد في عالمنا العربي؟
أرى أن الجرائد الأدبية فيها عديد من نصوص النقد الجيدة، وهناك نقاد مهمون لهم مقالاتهم المهمة، ولكن كثيراً من النقد ليس متخصصاً بل هو انطباعي، وهو الأمر الذي ساهم فيه بعض الجرائد.
وكيف تجد وتصنف موقعا مثل(غود ريدر): «Good reads» الذي يتيح للشباب إبداء آرائهم؟
أرى أن الآراء في تلك المواقع، انطباعية بامتياز.. وتخضع دائماً للمجاملات، حيث إن كل كاتب شاب يملك عدداً من الصداقات داخل إطار وسائل التواصل الاجتماعي يعلق أصدقاؤه بالإيجاب على العمل، وهو ما يوهم الجميع بأنه عمل جيد، الأمر الذي أنتج عديداً من الأعمال السيئة التي يفتخر أصدقاؤها بها رغم ضحالتها.

القارئ ذكي
هل ترى أن الأدب الإيروتيكي يجب أن توجد به محاذير أم يجدر أن يكون بلا خطوط حمراء؟
القارئ ذكي، يعرف أن الجنس هو مجرد وظيفة داخل الرواية، وإذا كان العمل لا يهدف إلا الى الجنس فإن القارئ سينفر منه، لذا أقربُ مثال أنه لا رواية جنسية خالصة حازت على أفضل المبيعات، لأن القارئ هو الفيصل الحقيقي دون تدخل الرقابة في التفريق بين السمين والغث.
ماذا عن روايات الشباب الأكثر مبيعاً..كيف تجدها ؟
في السبعينيات من القرن ال20، ظهر العديد من الروايات الفلسفية التي شعر معها القارئ بصعوبة القراءة والفهم، ما أبعد العديد عن القراءة. أرى أن الأعمال البسيطة تجذب الشباب من جديد للقراءة مرة أخرى، ومن يحب القراءة سيبحث عن عديد من الأعمال المقروءة، سواء الروايات الهامة أو البسيطة، وفي النهاية أرى أن القراءة ذائقة، ومؤكد أن الإجماع على عمل أدبي لن يتحقق.
——————
ترصد رواية مكاوي سعيد«أن تحبك جيهان»، الحقبة الحالية بأزماتها الممتدة، من خلال ثلاث شخصيات هي: جيهان العرابي وأحمد الضوي وريم، لتمثل ريم وجيهان وجهين لاختلاف الإنسانية كاشفتين في الوقت نفسه، عن أزمات مجتمعية وتناقضات عدة بداخلها.
وتظهر ريم في الرواية فتاة مترفة حصلت على تعليم راقٍ، ثم انضمت إلى معهد المسرح ولم تكمل دراستها فيه، ذلك لزواجها من أستاذها بالمعهد، ثم تسافر معه إلى دولة خليجية، إلا أن طلاقها أعاد إليها حلمها القديم الذي تعود للبحث عنه فإنشاء معهد للتمثيل، مقررة في الوقت نفسه، الحصول على حريتها السابقة التي لم تحصل عليها بعلاقتها مع أحمد الضوي.
بيئتان
الضوي هو مهندس المقاولات ولد في بيئة فقيرة. نجده يبتعد عن السياسة من أجل حياته، ولكنه في الوقت عينه، لم يبتعد عن الثقافة. أما جيهان فهي مصورة الفوتوغرافيا، خريجة معهد السينما التي تتزوج عن حب، إلا أن موت زوجها كان سبباً في أن تركز على حياتها، وتتعامل مع الرجال باندفاع وعفوية، ثم تعيش مع صديقتها في فراغ لعدم استطاعتها تحديد أهدافها في حياتها.
يروي مكاوي سعيد داخل سطور الرواية، معاناة النخبة الثقافية داخل المجتمع..
مبيناً إحباطات أفرادها من خلال شخصياته الأساسية، إلى جانب الشخصيات الفرعية ضمن الرواية، مثل «شريف» الشيوعي الذي سيطرت عليه وساوسه ومرض بالاكتئاب، و«تميم» النحات الذي تنقل بين الفن والتجارة، إذ ظل مشدوداً بين أحلامه وواقعه إلى أن فقد حياته..وكذا الضوي، الحائر بين حب ريم وجيهان، ثم جيهان المحتارة بين ماضيها ومستقبلها، وغيرها.
مشهد وحلم
ومن ما يكتبه سعيد في أجواء الرواية وحالاتها ومحطاتها: «النسمات الباردة تداعب وجهي والنجوم اللامعة في السماء تخطف بصري. والشوارع تحتي وقد خلت من الناس إلا فيما ندر، تثير في قلبي الشجن، وهناك على مبعدةٍ تحت ظل تلك الشجرة الوارفة يحكم شخصٌ ملابسه وهو يشير إلى سياراتٍ متعجلة.. ثم يعتدل ويسند ظهره إلى ساق الشجرة حتى ترضى عنه سيارة وتسمح له بدخولها. ياه، أحلم كثيراً بهذا المشهد…».
———-
البيان

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *