الرئيسية / إضاءات / إبراهيم نصرالله: لولا الكلمات لم يعرف العالم الحضارة

إبراهيم نصرالله: لولا الكلمات لم يعرف العالم الحضارة


*حوار – عبدالرحمن الخضيري


كما هو في رواياته ونصوصه بارع بفضح مكمن الوجع وأنين الحرمان في داخل الإنسان، استدرجنا الكاتب والروائي إبراهيم نصرالله بدون أن نشعر إلى عوالم الكثيرين ممن عاش تجربة التهجير القسري ومخيمات اللجوء على أطراف المدن، ما أشبه الليلة بالبارحة، فها هي قنوات العالم وفي بث يومي تنقل لنا حركات أفواج المهاجرين الباحثين عن موطن يتسع لإنسانيتهم وأحلامهم ويقول نصرالله عندما كنت في مخيم اللاجئين الفلسطينيين قرب العاصمة الأردنية “عمان” كان الصف المدرسي خيمة والمقعد ترابا مبتلا ، ولكل ثلاثة أو أربعة أطفال كتاب مدرسي واحد يشتركون فيه، من حينها وأنا أتمنى أن يكون لي كتاب، كتاب لا يملك الطلاب مثله، ويضيف أن اللافت هنا أن مدارس وكالة غوث لم تريدنا أن نقرأ أكثر من الكتاب المدرسي، حتى الأهالي لم يكونوا يحبون أن نقرأ أي كتاب غير الكتاب المدرسي، ويبدو أنهم يدركون أن الكتاب “وعي” وأن الوعي شقاء في واقع لا يريد للاجئ أن يكون واعيا.
* ما الكتاب الذي أحدث تأثيرا فيك بعد قراءته؟
– في البداية أحب أن أقول: لم يقل لي أحد أن الكتب جيدة ولم أكن أعرف عنها أي شيء لأنني لم أكن قد رأيتها من قبل! في مخيم اللاجئين الفلسطينيين قريبا من العاصمة الأردنية عمان، كان الصف المدرسي خيمة، والمقعد ترابا مبتلا، ولكل ثلاثة أو أربعة أطفال كتاب مدرسي واحد يشتركون فيه. من هذه النقطة بالذات تمنيت أن يكون لي كتاب؟ كتاب لي وحدي. وحين تم ذلك، تمنيت أن يكون لي كتاب لا يملك الطلاب مثله، فذهبت أبحث عنه في قاع المدينة لدى باعة الكتب على الأرصفة. الشيء الغريب أن مدارس وكالة الغوث لم تكن تريدنا أن نقرأ أكثر من الكتاب المدرسي، فلم تكن هناك مكتبات في مدارسنا، ولم يكن الأهل يحبون أن نقرأ أي كتاب غير كتابنا المدرسي؛ لأنهم يدركون أن الكتاب وعي وأن الوعي يسبب الشقاء في واقع لا يريد للاجئ أن يكون واعيا. لكني بحثت عن الكتب، اشتريت تلك التي تحوّل بعضها إلى أفلام أولاً، لأني أحب تلك الأفلام، واشتريت فيما بعد كتبا لم تتحوّل إلى أفلام وحوّلتها إلى أفلام عبر مخيلتي. ولأن تلك الكتب كانت ممنوعة فقد كنت أخبئها، لأن العثور عليها كان يعني دائما عقابا من نوع ما. لكني كنت مستعدّا لأي عقاب، ففي الوقت الذي لم أكن أعرف فيه أي مدينة سوى العاصمة عمّان التي تبعد أربعة كيلو مترات عن المخيم تقريبا، كان الكتاب يتيح لي أن أزور باريس وأعيش عذابات أحدب نوتردام، وأذهب إلى ألمانيا وأعيش عذابات فارتر في آلامه، وأمضي إلى إيرلندا وأعيش حكاية دوريان غري وأذهب إلى إسبانيا وأعيش مع دون كيخوته وأصعد إلى السويد وأعيش ذلك الجوع الذي يشبه جوعي في رواية (الجوع) لكونت هامسون.
اليوم، وبعد مرور زمن طويل على علاقتي بالقراءة، أصبح من الصعب الحديث عن كتاب بعينه، لأن الأمر سيبدو كالتالي: ما هي قبضة الهواء التي تكثفت في شهيق ما وساهمت في أن تكون حيا حتى اليوم! فالقراءة نفسها هي الذي أحدثت هذا التغير، والتغيير. ولعل الكتب الأولى التي قرأتها، وحببتني بالقراءة لها ولكتابها الفضل في أنني واصلت القراءة، فكاتب جيد يفتح لك عالما، وبخاصة في البدايات وكتاب رديء يقفل عالما. في البدايات، من حسن حظي، قرأت في المرحلة الإعدادية كتبا مثل: قصة مدينتين، البؤساء، كوخ العم توم، ذهب مع الريح، وبعض روايات إميل زولا، وبعض روايات ديستويفسكي المختصرة. وهزتني رواية كنوت هامسون (الجوع) التي ترجمها محمود حسني العرابي وراجعها الشاعر جورج جرداق صاحب أغينة أم كلثوم (هذه ليلتي) وقد صدرت هذه الرواية في منتصف الستينيات، ورواية (صورة دوريان غري)، ثم الرائعة الكبيرة (أرض البشر) لأنطون ده سانت اكزوبري، وحين عثرت مصادفة في المكتبة العامة لأمانة العاصمة في عمان انفتحت أبواب جديدة في حياتي، وصدمني سارتر في مجموعته القصصية (الجدار) وبالذات القصة التي تحمل اسم المجموعة، كانت كتابته ارتطام قوي بالعالم، مفاجئة، صادمة، وقادرة على إحداث ذلك الزلزال الذي يحدثه أي عمل كبير. بعد ذلك تبين لي أن عالم الأدب بلا حدود، وبمذاقات وأساليب مختلفة، ولذا من الصعب الحديث عن كل هذا باختصار.
* ما نوع التأثير وهل أنت مقتنع به؟ ما مدى استمراره ؟
– التأثير قوي دائما، لأن كل كتاب جيد هو رحلة عظيمة لك في أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة وبشر مختلفين، وليست صدفة أننا نتعلق فيما بعد بهذه الأماكن وهؤلاء الأشخاص، ونشعر أحيانا أنهم أكثر قربا منا، ولنا، من أناس كثيرين نعرفهم لا أظن أن حضارة العالم كان يمكن أن تكون لولا الكلمات. وكل إنسان في النهاية هو محصلة ما قرأ وسمع ورأى وعاش وعرف. لذا لا شك لدي أبدا في قدرة الأدب على التغيير عبر التأثير المتراكم، وأعتبر نفسي دليلا على هذا. كما أنني لا أظن أن التأثير يتلاشى، إنه يستمر سواء في وعي الإنسان أو في لا وعيه، حتى لو قام بانقلاب على ما قرأه، أو بانقلاب على وعيه الذي شكلته الكتب، لأنه يدرك أن فعل الانقلاب كان على أشياء آمن بها وأحبها ودافع عنها، وستبقى هذه بؤرة عار خفية في داخلة، يمكن للإنسان أن يغمض عينيه فلا يرى ما أمامه، لكنه لا يستطيع أن يغمض عينيه لكي لا يرى ما في داخله.
* هل ترى أن القراءة محرك أو دافع للتغيير في وقتنا الحاضر؟
– ليس في وقتنا الحاضر فقط، بل في كل وقت، فالذين يغيرون العالم ليسوا هم الجهلة، الذين يغيرونه هم من يدركون المأزق الإنساني الذي هم فيه، سواء أكان هذا المأزق يتعلق بشروط المعيشة إنسانيا، أو كان يتعلق بمأزقهم الوجودي. تخيل لو أن هذا العالم بلا مكتبات وبلا كتب. وأن حكمة البشرية التي كوّنتها وقطّرتها خلال آلاف السنين لا مكان لها إلا رؤوس أصحابها التي غدت ترابا في المقابر. تخيل أي كارثة كان يمكن أن تعصف بالأرض، وأي صحراء سيكون القلب البشري بعيدا عن هذا الجمال وهذه الحكمة وهذه الخبرات التي تراكمت وكونت القيم الكبرى للبشرية. خارج الحرف، سواء نقش على صخرة أو سطِّر على ورقة نحن لا وجود لنا، ولا وجود لأثرنا، والإنسان في النهاية أثر؛ عملُ يده أثر، وفكرته أثر.
_______
*المصدر: جريدة الرياض

شاهد أيضاً

أكملت عامها الخامس عشر.. صدور العدد العشرين من مجلة «عود الند»

( ثقافات )  صدر العــدد الفصلي العشرون من مجلة «عــود الـنـد» الثقافية (oudnad.net)، التي يرأس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *