الرئيسية / مقالات / غواية الكلمات

غواية الكلمات


*عبد الوهاب الملوح
الكتابةُ فَنٌ. إنَّها فنُّ ترويض الكلمات بحثاً عن الحقيقة فيها. الكلمة مستودع للحقيقة وخزينتها؛ إنَّها سرُّها وبهاؤها؛ قدرتها على التجلِّي والتخفي؛ الكلمة: استعارة الحقيقة؛ مجازها؛ وصورتها؛ كثافتها وبساطتها؛ بل إنّها عند بعضهم الحقيقة «في البدء كانت الكلمة» ولأنَّ الإنسان منذ قُذِفَ به إلى هذه الأرض يبحث عن الحقيقة، الكتابة محاولة فنية بالكلمة بحثاً عن الحقيقة، فالكتابة ضرورة.

إنها فن الضرورة؛ الضرورة للحقيقة وللوعي بالأشياء وفهم العالم.. الكتابة تجربة وعي؛ إنها لا تحتاج لأي مبرر طالما إنها حاجة حيوية؛ حاجة من حاجات الوجود الإنساني؛ إنَّها فعل جوَّاني يتكثف انفعالاً حاداً لا يهدأ كنار على تل ضارب في العلو، يزداد اتقاداً؛ يتغذى من جوع كافر يعتصر الأشياء يفتتها قطعاً من حجر باك يتوسل ظله من صدى «حشرجة» تشرح فتات معناه.

الكلمة حرف والحرف ظاهر يطعن بالشك؛ إنه موطن احتمال قاتل. موطئ شك أنه صورة تفتن فتعمى: مسافة خدعة تسلب الروح نضارتها وبعض يقينها بالامتلاء والاكتمال تغاويها وتطعنها بالذهول فتستنزف وعيها بالأشياء. الحرف بهو عامر بالارتجال. فسيح كصوت يتأرجح صداه في الخلاء يؤثث صداع الفراغ بالمهول والمرعب. إنه فسحة الملهوف يخدعه السراب يحسبه مقعد الارتياح وساعة ارتواء من صدى حاد ؛ فيتضح مهوى للريح. الحرف جواد أرعن شرس الطبع لا ينقاد طوعاً إلا بالترويض. الكتابة ترويض للكلمات. فن امتطاء الحرف، من لا يعرف كيف يسوس الحرف تهلكه الكتابة. الحرف مرقى من مراقي التألق؛ موطئ قدم للوجود. لا معنى إطلاقاً للكتابة طالما إن «الحرف فج إبليس»، كما قال الشيخ عبد الجبار النفري. النفري رائد في التشوف للذات الكاملة؛ أشرقت فيه الذات الإلهية فارتوى من سكره بها ؛ أدركه جرح الإيمان في صفائه المتألق فعرف حقيقة الحرف حين يؤخذ على ظاهره؛ فيُطلُّ على باطنه وأعماق أسراره. أسرار الحرف عديدة وجميلة؛ بهية وفاتنة؛ لكنَّها قاتلة. النفري تجلَّت له أسرار الحرف حتَّى جعل له من خلاله مواقف ومخاطبات لا يدركها غير من أدركته الذات الإلهية بسرِّها. تجلت له المراتب فاختلى في ذاته. الجسم حرف ومن لا يدرك دواخل الحرف ضَلّ عن سواء السبيل وتاه في ممالك الغيِّ. الكتابة سياسة للحرف والسياسة دهاء ومكر كما عاشها الأولون. الكتابة سهلة طالما إن الحرف ظاهر وصورة؛ شكل ورسم؛ وانسياق مطعون بالذهول خلف معنى شتته الغياب، تربكه غيبوبة الصوت في تهشم حلمه شظايا رغائب وأمنيات لم تكتمل؛ لن يكتمل الحرف بما أنه لا معنى للمعنى فكيف إذا أتم تدوينه جرحاً على بياض يفتق براءة وعفافاً؛ وليست كل كتابة تسلق للعفاف إن بعضها وهم ينجز الخراب ويؤذن للفناء بما إنها لا تتقشف وتقتصد في الحرف وتعرفه. إن الكلمات حمالة أوجه فيها من الرعب ما يقتل ويجرح ويؤبن كذلك.

كل كتابة جنون.

وفي الجنون حالة من حالات الوعي المصطفاة.

إنها غواية تبحث عن معنى تهشَّم غموضاً فتبدى غلالة أفكار، هي خواتم من رمل تعقد الريحُ سوالفها وتصهرها فصوصاً تومض فتغشى الأبصار فإذا الكل عمى.

قيل لبشار بن برد؛ ما مهنتك يا هذا؟ قال بعد أن تنحنح كعادته وضرب كفّاً بكفٍّ وقهقه بصوته الجهر: أعقد اللؤلؤ. كيف يعقد اللؤلؤ من كان أعمى. قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: إنه يقصد باللؤلؤ ؛ الحروف. غير أن عمى سائله كان أشد من عماء بشار. الحروف تفتح بصيرة الأعمى وتجعل غشاوة في عين من يرى. ليس مجنوناً ولكنه ليس عاقلاً من يمجد ما في الكتابة من عمى نافذ البصيرة مشرق المحيا.
_____
*الدوحة

شاهد أيضاً

دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية

(ثقافات)   دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية (مقال إستعادي للأديب الراحل عدي مدانات)* …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *