الرئيسية / مقالات / ذاكرة الفضاء الثقافي

ذاكرة الفضاء الثقافي


سعيد يقطين



حين تتجاوز الناقلة العمومية مكناس، ويبدأ يطل علينا جبل زلاغ، كنت أحس بأن قفصي الصدري ينفتح بكامله ليتسرب إليه هواء مدينة فاس، وهو محمل بعبق تاريخ أثيل، وتغمرني سعادة غامرة تنسيني طول الطريق، ورائحة الناقلة التي تمتزج فيها روائح متناقضة تتوزع بين التبغ الرخيص وقشور الليمون ومح البيض وعرق المسافرين. كان لفاس عبق خاص يشحن الذاكرة، ولا يترك لزائرها أو المقيم فيها الإحساس بأن مدينة أخرى تناظرها.

كان الحنين يشدني إلى فاس «المدينة» أي الفضاء الثقافي العريق. أما فاس «لافيل» أي المدينة الأوروبية، فإنها تختلف كليا عن المدينة، رغم أن روائحها تصل إليها، وتضفي عليها مسحة لا نجدها في مدن أخرى. ويكفي للتمييز بين المدينة العتيقة والحديثة، بالنسبة إلينا نحن التلاميذ والطلاب وعموم القراء، أن نجد الفرق بينهما ماثلا في الفضاء الثقافي الخاص بالكتب. تحتوي فاس القديمة على مكتبات لكل منها تاريخ، ولا تقدم سوى الكتاب العربي القديم والحديث. أما المكتبات العصرية في المدينة الحديثة فلم تكن سوى وراقات لبيع اللوازم المدرسية والمقررات الدراسية والكتب الفرنسية. 

تضم المدينة العصرية، إلى جانب وراقاتها، المركز الثقافي الفرنسي، والبريطاني والأمريكي، وقاعات السينما. وكانت هذه كلها فضاءات نؤمها بين الفينة والأخرى للتثقيف الذاتي والتعرف على الكتاب والفنانين. أما فاس العتيقة فلم تكن تحوي إلى جانب مكتباتها العامرة سوى خزانة البطحاء والقرويين التي نقصدها للتعرف على التراث العربي، وتصفح المخطوطات، إلى جانب باحات مساجدها التي كنا نستريح فيها، ونحن نورِّق الكتب أو المجلات التي نشتريها.
حين نصل إلى القصر الملكي، قادمين من المدينة الحديثة، ننحرف يسارا لندخل جوطية الملاح باحثين في الكتب المستعملة عن النادر والمفيد من المجلات والكتب، ومن الملاح ندخل إلى فاس الجديد، قاصدين باب أبي الجنود، ونختار الطالعة الصغرى، ففيها أغلب المكتبات التي تعج بها المدينة القديمة. ناهيك عن المكتبات المتنقلة يحملها باعة يتجولون بها. ونحن نبحث عن كتب معينة نجد كتبا أخرى نتعرف عليها أول مرة. ومن لا تجد عنده الكتاب المطلوب يدلك على من تلقاه عنده. فيكون النقاش حول الكتاب وما فيه من جديد. وقد يكون في المكتبة أحد متجلببي القرويين، فيتدخل ليسهب في الحديث عن هذا الكتاب أو ذاك، ويتدخل بائع الكتب بدوره، فإذا بنا أمام محاضرات ومناقشات وفوائد ولطائف، وتبادل لكؤوس الشاي. 
ننزل بين جنبات الطالعة متنقلين بين المكتبات حتى نصل جامع القرويين، فإذا الكتب مصفوفة في ساحات لا حصر لها، ننتقي منها، ونحن نسأل، أو نساوم الثمن، حتى نصل فضاء دلالة الكتب، وهو عبارة عن فندق تقليدي عتيق، حيث يتم عرض مخطوطات نادرة، ومطبوعات حجرية قديمة. وفي هذا الفضاء نلتقي، ونحن تلاميذ أو طلاب، فقهاء وأساتذة يتحدثون في الأدب والثقافة والفقه… ولا يعود كل منا إلا وهو محمل بالعديد من المطبوعات وبأرخص الأثمان… وبمسموعات من أفواه رجال كل همهم نقل تراث وتشييد ثقافة.
لم يبق هواء فاس وهو يستقبلنا يثيرني كما عهدته، صرت لا أزور فاس إلا لمناسبة عائلية، وكل همي الخروج منها في أقرب فرصة. لم تبق المدينة فضاء لذاكرة ثقافية عريقة، فقد تحولت المدينة العتيقة إلى المدينة الحديثة، وقد اندثرت المكتبات. لم يبق للمخطوطات ولا للمطبوعات الحجرية ألقها ووجودها. وصارت حتى الكتب المطبوعة مصورة عن الأصل تُفتقَد قرب جامعة ظهر المهراز في سوق الليدو للكتب.
في آخر زيارة، قررت الذهاب إلى سوق الليدو، ويسمونه كذلك الحفرة، لأنه عبارة عن براريك مسقفة بالزنك، وبدون مرافق صحية، ولا ماء ولا كهرباء، خلف جسر على واد. يحتوي هذا السوق على أزيد من أربعين ومئة حانوت لبيع الكتب المستعملة. لم يسبق لي أن زرته رغم سماعي عنه. فوجئت بوجوه كثيرة عرفتها، أيام زمان، في الطالعة الصغرى، يقف كل منها أمام كتب مبعثرة. تذكرني كل من لقيتهم وتذكرتهم. وأخجلني السيد حسن بكلامه الذي يحمل عبق التاريخ أمام أخي، وهو يتحدث، بمرارة، عن السبعينيات والنضال والكتاب، وعن كتبي… وعن الإهمال الذي تعرضت له فاس على يد رجالها ومجالسها. انتقل الفضاء الثقافي الفاسي من «الطالعة» في المدينة العتيقة إلى «الحفرة» في المدينة الجديدة، وأخبرني حسن أن المثقفين والباحثين من الجزائر والدول العربية يأتون إلى هنا بحثا عن ذاكرة ثقافية مهددة؟
ليست فاس مجلسا أو جهة. إنها مدينة ثقافية بامتياز، قبل أن يظهر مفهوم المدن المعرفية في التاريخ المعاصر. ألا يعتبرونها «العاصمة العلمية». في فاس العتيقة تحس بذلك أيما إحساس: تراه في مبانيها التي تقاوم الزمن، في أسواقها وأزقتها الضيقة، وفي مساجدها وحوانيتها… 
ماذا يمكن أن تقدمه الجهوية الموسعة لفاس الفضاء الثقافي التاريخي؟ عملت اليونيسكو على إنقاذ المدينة: وها هي ذي بناءاتها معلقة بأعمدة تقيها من الوقوع؟ لكن فاس الثقافة وقعت، ولم يفكر أحد في الحفاظ على أعمدتها ورموزها الثقافية وقد غلفت بالنسيان؟ تحويل «الحفرة» إلى «طالعة» إسهام في إنقاذ ذاكرة فضاء ثقافي أصيل.
—–
القدس العربي

شاهد أيضاً

رامبو في الحبشة: كيف يغدو الشاعر مجرماً؟

* سعيد الخطيبي نهاية 1880، هجر آرثور رامبو فرنسا، اعتزل الشعر وترك الألسن تلوك قصائده …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *