الرئيسية / إضاءات / توني موريسون:أحرص أن يكون لي فضاء يحوي مناضد واسعة للكتابة(2)

توني موريسون:أحرص أن يكون لي فضاء يحوي مناضد واسعة للكتابة(2)




*ترجمة وتقديم لطفية الدليمي


• هل كنتِ تعلمين – و أنتِ طفلة بعد – بأنك ترغبين أن تكوني كاتبة ؟
•لم أكن أعلم برغبتي في أن أكون كاتبة لأنني كنت أريد أن أكون قارئة ممتازة وحسب فقد ظننت حينها أن كلّ ما كان ينبغي له ان يكتب قد كتب بالفعل وانتهى الأمر . أذكر أنني كتبت كتابي الأول لأنني وثقت بعدم وجود ما يماثله وقد تمتّعت بقراءته بعد إتمام كتابته ولطالما شعرت أنّ المتعة التي نجنيها من وراء قراءة أيّ كتاب هي التحية المناسبة والمكافئة للجهد الذي بذله الكاتب في عمله ، وقد سمعت أن الناس غالباً ما يقولون عنّي أنني أكتب أعمالي لنفسي وتلك فكرة تبدو لي مخيفة ونرجسية للغاية و أستطيع أن أضع الامر في الإطار التالي : ” إذا استطعت أن تقرأ أعمالك بمتعة – مع الحفاظ على المسافة النقدية المطلوبة بينك و بينها – فانّ هذا سيجعل منك كاتباً و محرّراً أفضل مع الوقت ” .

•قرأت مرة أنكِ بدأت الكتابة بعد طلاقكِ كشكل من أشكال مقارعة الوحدة . هل ترين أن هذا يمتّ بصلة لواقع الحال أم ان ثمّة أسبابا أخرى وراء اندفاعك في الكتابة ؟
• نعم إلى قدر ما يبدو هذا صحيحاً مع أنني أراه تبسيطاً مخلّاً لو عدّ لوحده السبب الأوحد بعيداً عن أسباب أخرى وربما كنت أنتظر حصول طلاقي لأنطلق في عالم الكتابة ، ولعلّ السبب الحقيقيّ يكمن في حقيقة لا زلت لا أعرفها . إنّ ما أعلمه وأثق فيه هو أنني لم أكن لأرغب في مواصلة حياتي لو لم يكن لدي ما يدفعني للكتابة .

• هل يمكنكِ الأفصاح أكثر عمّا تعنين ؟
• أعني أن ليس بإمكاني أن أمضي في حياتي غير مبالية بحجم العنف والإهمال ونكران آلام الناس إلى جانب الكثير من المظاهر المؤذية التي تسود عالمنا ، وأنا واعية بهذه المظاهر المؤلمة حتى لو كنت أبدو مسترخية وسط دعوة عشاء بصحبة ثلّة من أصدقائي الطيّبين . إنّ ما يجعلني أفكّر في كلّ هذه الموضوعات الإشكالية لا يكمن في كوني أعمل في حقل ما أو في التعليم أو بسبب كوني أمّاً أو شخصاً محبّاً بل يعود لأمر واحد ولا شيء سواه : ذاك هو ما يدور في رأسي وأنا مستغرقة في فعل الكتابة حيث أشعر آنذاك أنني أنتمي إلى هذه الأرض وإلى الكائنات التي تعيش عليها كما يغمرني الشعور أنّ كل ما يبدو ميؤوساً منه يمكن له أن يكون مفيداً بشكل ما . أبتغي من وراء عملي في الكتابة أيضاً – مثلما يفعل غيري من الكتّاب – أن أستخلص شكلاً من الترتيب والإنتظام من كومة الفوضى التي نعيش وسطها وأرى أن جهد أيّ كاتب أثناء الكتابة أكثر أهمّية وإثارة من الجهد المطلوب في نشر أعماله .
• لو لم يحصل أن تكوني كاتبة ، فكيف كنت ستتعاملين مع الفوضى التي تلفّ العالم ؟
• كنت حينها سأكون أنا بذاتي حالة فوضوية تضاف إلى فوضى العالم الشاملة.
• ربّما كنتِ حينها ستحاضِرين في موضوعة الفوضى أو كنتِ ستنخرطين في دهاليز السياسة ؟
• ربّما كان شيء من هذا الذي تقول سيحصل لو كانت لديّ الموهبة و الإمكانيات اللازمة لإنجازه . إنّ كلّ ما يمكنني أداؤه ينحصر في عالم الكتب : قراءتها وكتابتها وتحريرها ونقدها ولا أظنّ أن هذا يصلح لصناعة سياسيّ ذي أهمية !!! . لا أحمل في نفسي أيّة رغبة في السياسة ولا أراني أمتلك أيّاً من المواهب التنظيمية التي ينبغي أن يحوزها كلّ سياسيّ متمكّن من صنعته .

•متى علمتِ بصورة حاسمة وبكلّ وضوح أن موهبتكِ تقودكِ إلى أن تكوني كاتبة ؟
• حصل هذا في وقت متقدّم من حياتي وأنا مدينة للناس في هذا الفهم لانّهم هم من كانوا يصرّحون لي بثقتهم في إمكانياتي الكتابية رغم أن معاييرهم في هذا تختلف كثيراً عن معاييري الخاصة ، وقد حصل أنني عندما كنت أكتب روايتي الثالثة ( أنشودة سليمان) أن أدركت أنّ الكتابة تمثّل الانشغال الأكثر أساسية وأهمية في حياتي .


• هل انتابكِ الشعور يوماً ما بانّكِ تريدين جعل الكتابة أمراً في غاية الخصوصية بالنسبة لكِ ؟
• نعم أردت جعل الكتابة أمراً يخصّني أنا وحدي لأنّنا نعلم جميعاً أنّك متى ما صرّحت بحقيقة عملك كاتباً فلا يعود من مناص حينئذ من أن تجعل الناس الآخرين معنيّين بالأمر وأذكر أنّني عندما كنت أعمل في دار نشر ( راندوم هاوس ) لم أصرّح لأحد من العاملين بأنّني كاتبة .


• ولِماذا لم تصرّحي بأنّكِ كاتبة حينها ؟
• كان تصريحي بحقيقة عملي ككاتبة أمراً مخيفاً وله تبعاته المؤذية : ففي المقام الأوّل لم يوظّفني القائمون على دار النشر تلك لكي أكون واحدة من الكتّاب المعتمدين بل لأؤدّي خدمات لهم وحسب ، والأمر الآخر هو أنّهم ما كانوا ليتردّدوا في طردي لو صرّحت لهم بطبيعة عملي الحقيقي !!! .

• لنتحدّث قليلاً بشأن الكتّاب السود : كيف ترينهم ينجزون أعمالهم وسط بيئة تطغى عليها ثقافة البيض المهيمنة ؟
• تتحدّد مهمّة الكتّاب السود – كما أرى – في ملاعبة اللغة وتحريرها ببساطة بدل قمعها أو حصرها أو إرغامها على الإنكفاء وعدم التحليق في فضاء مفتوح بعيداّ عن أيّة محدّدات عنصرية ضيّقة . كتبت مرّة قصّة قصيرة عن طفلتين صغيرتين في دار أيتام : واحدة بيضاء والأخرى سوداء ولم يعرف القارئ حتّى بعد انتهاء القراءة أيّ الطفلتين كانت بيضاء وأيّهما كانت سوداء ، ومع أنّني استخدمت رموزاً طبقيّة إلّا أنّني تحاشيت ذكر أية رموز عنصرية .

• ولكنّ هذه الآليّة في العمل قد تسبّب إرباكاً للقارئ ؟
• نعم يمكن أن يحصل هذا ولكنّ المقصود في النهاية هو أن نثير القارئ ذهنياً ونقدح قدرته على الاستنارة ، وقد حرصت دوماً ككاتبة أن لا أركن إلى الكسل والإعتماد على الرمزيّات البسيطة المتداولة : فعندما أقول “امرأة سوداء” فإنّ قولي هذا سيثير حتماً استجابات متوقّعة ويمكن التنبّؤ بها مسبّقاً لذا كان عليّ أن أكسر هذه القاعدة وأوجّه انتباه القارئ إلى المرأة السوداء بذاتها لا كمحض فكرة مفروغ من مواصفاتها المحدّدة مسبّقاً وقد كان عليّ دوماً أن أكافح عبر وسائل معقّدة لإيصال ما أريده للقارئ عن المراة السوداء كإنسانة وحسب .

• هل أنّ شخصياتك الروائية هي نتاج خالص لخيالك الشخصي ؟
• لم أستعن في أعمالي بأيّ شخص ممّن أعرف وثمّة استثناء صغير وحيد : فقد استعنت برسم بعض ملامح شخصيات وحوارات روايتي الأولى ( العين الأكثر زرقة ) بحوارات كنت لا زلت أحفظها وقتذاك عن والدتي ولم أفعل هذا أبداً في أيّ من رواياتي اللاحقة وانا شديدة الصرامة في هذه الموضوعة ولا أقبل أيّة مساومات فيها .
________
*المصدر: المدى

شاهد أيضاً

الشاعر أحمد الشهاوى: كيف نطلب التنوير وطلاب الجامعات والمدارس لا يلتقون المفكرين والأدباء والكُتّاب؟

حاورته: بشرى عبدالمؤمن يعدو كالخيل، يومض كالفراش، يطن كالنحل، لم ينصره الليل ولم ترحمه سوى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *