الرئيسية / قراءات / بيسوا: “لست ذا شأن”.. لكنني “متعدد مثل هذا الكون”

بيسوا: “لست ذا شأن”.. لكنني “متعدد مثل هذا الكون”


*وائل شعبو



«أنا الشوارع الخلفية لمدينة غير موجودة، أنا التعليق المهذار لكتاب لم يكتبه أحد مطلقاً»/ بيسوا 
في مطلع مقدمته يسأل مترجم كتاب (لست ذا شأن) الشاعر اسكندر حبش: هل يمكن أن نتخطى فرناندو بيسوا؟ لربما هذا السؤال مشروع لحبش الذي قدم عدة ترجمات جميلة لهذا الشاعر البرتغالي الفذ (1888- 1935)، الذي باعتقادي لن يتخطاه حبش، ولن يترك أي فرصة لتقديم ترجمات أخرى له، وهذا الهوى بـ «بيسوا» جاء من حسن حظّنا، لنستمتع بمعرفة المزيد عن تجربة إنسانية جمالية إشكالية في تاريخ الشعر والفكر الإنساني.
إن ألبرتو كايرو وريكاردو رييش وألفارو دو كامبوش وغيرهم ممن كتب بيسوا باسمهم هم بيسوا نفسه، وهو كل شاعر من هؤلاء، وعلى ما يبدو لم تستطع نفس بيسوا إلا أن تطف عن نفسه، فيضطر سعيداً إلى اختراع كيانات تحمل معه عبء أن يكون الشاعر واحداً فقط، فيعلمنا بيسوا أن كل شاعر هو جمعٌ بصيغة المفرد، حتى أن لكل شاعر من هؤلاء سيرة ذاتية إبداعية مختلفة لا تتقاطع مع بيسوا إلا في الحقيقة التي يقولها مجازاً، فكل شيء حول الشعراء واقع يصعب فهمه إلا مجازاً.
في هذا الكتاب (إصدار دار الجمل 2015) يقدم المترجم مختارات من أفكار مختصرة مرمية بشكل شذرات، ومقاطع تأملية، وخواطر ذاتية ذات بعد فلسفي نقدي جمالي، فيها الكثير من سيرة حياة الفكر البيسواوي، هذه المختارات وصفها حبش بـ (الانعزال الموسوم بالقسوة أو بعزة النفس المتطلبة)، وقد لا يجد فيها من هو شاعر الكثير مما يتشهى من عبقرية بيسوا، ولكن لا يمكن أن نصف ما يجده إلا بالجميل الفاتن.
يقول بيسوا: «شأنه شأن بقية الفنون، ليس الأدب سوى اعتراف بأن الحياة لم تعد تكفي».
في هذه الشذرة النقدية /الفلسفية يرى بيسوا أن دور الأدب والأديب هو التعويض عما لا يكفينا من الحياة التي يمكن أن يكون فيها الكثير من واقع سرعان ما ينفذ كما تنفذ، بالسرعة نفسها، الحياة، لذا كان لابد من اختراع الأدب والفن عموماً لنكشف المزيد عن هباء الحياة المتنوع والجميل أحياناً.
وفي تلميح نقدي فني يطلق بيسوا رأيه السلبي في الشعر المقفى، وهو حين يرى أن القوافي غير مهمة فإنه يستند إلى الطبيعة كمرجع في الشعر والفن، ما يذكرنا بنظرية المحاكاة التي ترى أن الإبداع الفني لا يستوي عظيماً إلا عندما يجاري جمال الطبيعة، فتقييد النفس الشاعرة في إطار فني معين يُخسرها براءتها وفطرتها، ولعل الفرق الجمالي بين حديقة منظمة وروضة غنّاء هو ذاك الفرق بين قصيدة منظومة وقصيدة منثورة، «لا أهتم أبداً بالقوافي فمن النادر جداً أن تجد شجرتين متقاربتين متشابهتين».
يقول المفكر السيميائي سعيد بنكراد: إن الإنسان خُلق ليتحرر، فكل شيء جاهز؛ الاسم، العقيدة، اللون، الجنس، الثقافة، الوطن، المورثات، وماذا يبقى من مكونات الإنسان ليكون هو نفسه، له عاطفته وعقله اللذان يخصانه؟ أي ليست نسخة أصلية أو مشوهة مما لا رأي له فيه، وكيف يمكنه إن كان منسوخاً أو ممسوخاً أن يعرف من هو وأين ومتى، وأن يعلم أو يحس ما لا يعرفه الآخرون؟ أي أن يشعر بلذة الحرية! «كم هو قاس ألا نكون أنفسنا وألا نرى إلا ما يُرى».

لذا ينصح بيسوا بالتعدد المختلف للوصول بالوعي إلى ما يشبه الطيفية اللامنتهية التي يخلقها الكون من نفسه، هذا الوعي القادر على الخلق من الخلق، بصيرورة لن تنتهي لأنها أصل الوجود وهي منتهاه.
«لتكن متعدداً مثل الكون»
في هذا الكتاب يعبّر بيسوا عن الخلطة العشوائية التي عُجنت منها أنفس الشعراء بكل تناقضاتها، ببساطة وتعقيد، بألم وفرح، بخوف وسكينة، وبكل ثنائية ممكنة، مع ما بين طرفيها من تصالحات وخصامات وتشابكات في الأفكار أو المشاعر، هكذا يبقى الشاعر عالقاً في تلك الهوة بين من يكونه وبين ما سيصيره، حيث مهما يسقط فيها، فإنه لن يصل حتى إلى الموت، فكل شاعر حقيقي لا يمكننا أن نتخطاه أبداً؛ «أنا هذه المسافة بيني وبين نفسي».
_______
*المصدر: صحيفة تشرين

شاهد أيضاً

قراءة في “الرحلة الناقصة” لفاطمة محسن

أين الحياة التي أضعناها في العيش؟ قراءة في «الرحلة الناقصة» لفاطمة المحسن   شوقي عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *