الرئيسية / إضاءات / سليم العبدلي: إبداعاتي مزيج الشعر والفيزياء

سليم العبدلي: إبداعاتي مزيج الشعر والفيزياء


محمد الحمامصي


تجربة حياتية وإبداعية، مغايرة، اختطها وجسّدها الشاعر العراقي سليم العبدلي، طوال مسيرة ارتحال في عوالم الشعر والفكر، عاش معها، ومنذ هجر بغداد، مخاضات التجدد والانفتاح على معايشات جديدة، يحاول معها، كما يقول في حواره مع «بيان الكتب»، أن يفهم تجارب الحياة فيعايشها ويعيشها بشكل أفضل، مزاوجاً بين معارفه كفيزيائي وكشاعر. كما يشير في الحوار إلى أن تجربته الإبداعية تتميز بكونه ناغم وزاوج فيها بين عمله كعالم ومذهبه وتوجهاته كأديب.

كيف ترى تأثير كونك عالماً في الفيزياء على منتجك ورؤيتك الأدبية.. خاصة أن التأثير يتجلى في الفصلين الرابع «كلما تداعت المعرفة انتصبت رماح الفهم» والخامس «الآن رداء المستقبل وعطر الماضي» ضمن جديدك «من رائحة الفراق»؟
هناك مصطلح متعارف عليه في الدنمارك يسمى «عاهة الحرفة أو المهنة»، ويعني أن المحترفين والذين يحبون مهنتهم ويمضون فيها وقتاً طويلاً من حياتهم، تجد دلائل المهنة أو الحرفة معكوسة في طريقة تفكيرهم وحتى في سلوكياتهم. فتجد الصحافي لا يكف عن الاستفسار ووضع الأسئلة حتى في علاقاته الشخصية..
والمهندس لا يكف عن إيجاد الحلول لأي مشكلة حتى في مساءلاته البعيدة عن العمل، والمحامي يدافع بشدة عن قناعاته وكأنها أحد موكليه.. وإلى آخره من الحرف التي نمارسها طويلاً في حياتنا حتى تصبح جزءاً من شخصيتنا.
وفي حالتي، وكعالم طبيعي، وأمارس هذا العمل منذ أكثر من عشرين عاماً، أجد العلاقة بين الزمان والمكان مثيرة جداً، وهي التي تحدد وجودنا وكينونتنا في الحياة. فعلاقتي مع المكان والزمان نسبية، وما يحتويه المكان والوقت بينهما هو الأحاسيس، التي تتغير معهما أيضاً.
وماذا عن أهمية ثنائية الفهم والقبول لدى الباحث في هذا الخصوص وفي ظل تلك المقولة؟
موضوعة الفهم والقبول هي موضوعة الباحث دوماً، حين يدخل في بحثه أو في مختبره أو عندما يتعامل مع إحدى الظواهر التي تشغله، فالمعرفة تكون هدفه بغض النظر إن كان هناك من قبله من وجد فهماً لها أو تقبلاً للظاهرة ذاتها. ولكني، وكشاعر، لم أفلح في القبوع في مختبري، ولذا تشدني الظواهر الاجتماعية أيضاً، وأحاول أن أجد فهماً لها لكي أستطيع أن أتعايش معها في يومياتي.
مشترك
ما مدى أهمية التأمل والتفكر لدى كل من الشاعر والعالم.. وهل يتشابهان؟
دأبت على القول بأن ما يشترك به العالم الطبيعي والشاعر هو التأمل والرؤية، وأذكر من دراستي، أن العالم «رونجن»، الذي اكتشف الأشعة السينية عام 1895 والذي حاز على أول جائزة نوبل منحت في التاريخ عام 1901، كان يُذَكِرُ طلابَه بضرورة التأمل بالظواهر الطبيعية. فالتأمل يخلق التعجب..
والتعجب يؤدي الى التفكير في عملية التكوين الطبيعي لهذه الظواهر، وهذا يجر المتأمل إلى الفكرة ثم البحث. ولذا فالاثنان – العالم والشاعر يتنبآن، وهذا نابع من التأمل والرؤية التي يتمتعان بهما.
دور
الطريق والموت يشكلان مفردتين مهمتين في تجربتك سواء في هذا الديوان أو في السابق.. هل للغربة دور في ذلك؟ وكذا.. هل للخوف من المجهول؟
نعم ولا! نعم أن للاغتراب أولاً ثم للغربة ثانياً دوراً كبيراً في جعل الطريق والموت مفردتين مهمتين في تجربتي الأدبية. فالاغتراب الذي تملكني طيلة حياتي في بلدي الأول، بغداد، لا يزال يلعب دورا في حياتي. إنني في مواجهة يومية معه. أما الخوف من المجهول، فلا، فالمجهول لا يمتلك ذلك الحيز في يومياتي ولا في تجربتي.. ولكن الغربة، كما تطرقت لها، تلعب دوراً أكبر في حياتي.
غربة المكان والزمان معاً. فأنا في وطني الجديد، كوبنهاغن، أحس بانتماء إلى يومياتي، فأنا انتمي إلى شوارعها وأزقتها وأعرافها، وعلى الرغم من أن كل من أحب يعيش فيها، ومع ذلك يبقى الانتماء لها وإلى زمانها تنتابه الغربة. ولذا فإنني ومنذ أن اتخذت قرار الرحيل من بغداد – قبل 35 عاماً لم أشعر بالانتماء إلا في حالات الحب، عندها أحسست بتحول الوطن إلى الصحبة، إلى الحبيب.
صحيح أن الرحيل من وطن يمكن له أن يخلق لك أوطاناً أخرى، كما قال شاعر عراقي مهم، ولكني لا أحس بانتماء إلى هذه الأوطان، ولا للوطن الأم كما يسمى، فالوطن فقدته وللأبد يوم الرحيل. المهم لدي أن الوطن وبعد هذه الرحلة الطويلة يتمثل اليوم في الناس.
نصوع لغوي وحدة حسية عالية
اللغة ناصعة وشفافة وبسيطة داخل التشكيلات المجازية والتخيلية للنصوص في ديوانك هذا، ولكنها حادة الألم والحزن والفراق. كيف ترى تجليات اللغة في تجربتك؟
الحزن والفراق والألم جزء لا يتجزأ من التجربة الحياتية، هبة الحياة، وإلا لما كنا نتمنى السعادة لمن نحب. فالسعادة هي ما يسعى الانسان في الحياة من أجل الوصول اليها، وبما اننا وصفنا الحياة كالطريق، فإنها تحتم علينا مواجهة الفراق الذي يصحبه الألم والحزن في معظم الأحيان. وهذه الحالات تتجلى في اللغة، في حسيتها العالية، لأنها نابعة من أحاسيس يصعب على الشاعر أن يغلفها بمعانٍ أخرى..
أنها تظهر هنا وهناك رغما عنه، تعريه وتكشف عن دواخله الحسية دون تزويق، وهنا تكمن طاقة قصيدة النثر في التعبير، لأنها لا تلزم الشاعر بأي اعراف لغوية او موسيقية. وفي التكثيف الذي تمارسه قصيدة النثر، نجد هذه الأحاسيس أشد وقعاً وتأثيراً من ما لو ظهرت منمقة تحت طيات النحو والمجاز. وإن وجدتني منحازاً الى قصيدة النثر فإنني لا أنكر على الكتّاب الآخرين جمالية كتاباتهم بأشكال اخرى.
توازن
* الفراق قاسم مشترك في كافة نصوص تجربتك خاصة في الديوان الأخير، لكنه يتجلى في المكان والحب، المرأة. ماذا عن طبيعة علاقتك بالمرأة ووجودها شعرياً وإنسانياً؟
لا شك ان المرأة لها مكان كبير في تجربتي، وذلك ينبع من قيمتها الكبيرة كإنسانة أولا وكمعشوقة في حياتي. وفي تجربتي، تجدها تظهر واضحة في قصائد الحب المباشرة، ولكنها تظهر أيضا بثياب أخرى، فمرة تكون المدينة، وأخرى الطريق، الأمل أو الحلم. ولي أن أعترف انها ملهم أساسي في تجربتي. ففي كل علاقة حب عشتها، كانت هي منبعاً صافياً ورؤية جديدة لذاتي، لحالة عشقي ولها في الوقت نفسه.
ففي الصبا، وفي ظل الحب الأول، تجد الحالة متمركزة حول الذات فقط، متمثلة بالمُلكية، ولكنها سرعان ما تنضج مع العمر لتشمل مساحة اكبر من الذات وتتعداه إلى الطبيعة. الشاعر الدنماركي مالونوفسكي يقول في إحدى قصائده متعجبا: «كيف للأزهار ان لا تتفتح في الشتاء عندما تمر الحبيبة بها؟».
وكأنه يريد أن تحتفي الطبيعة بمعشوقته كما يحتفي هو بها. وكل علاقة حب نبدأها نظن أو نتمنى أن تكون الأخيرة، هذا هو شرط الحب، ولكن ليس لكل علاقات الحب أن تدوم، وعند نهاية أية علاقة لا بد وأن يصاحبها الحزن..
وكل منها يترك أثره الذي يبقى يتردد متى ما يشاء في يومياتنا، يذكرنا بحلاوة الأيام مرة ومرات بمرارة الفراق. إنني لا أرى أن هناك ما هو أكثر تأثيرا من الحب في حياتنا، فهو الطاقة التي نستمد منها كينونتنا، سلميتنا، تسامحنا وأملنا في الحياة، حتى في غياب الحبيب، فإن الأمل في الحب، في العثور على الحبيب يبقى أمل الحياة.
وكرجل، فإنني مع المرأة فقط أستطيع أن أشعر برجولتي، ولولاها لما كان معنى للرجولة، طبعا لا أعني الذكورية، وانما تلك المجردة من الأعراف والتبعات الاجتماعية التي تشترط الثقافات المختلفة تعريفاً لها. وإن تسنى لنا، نحن الرجال، أن نعكس هذه الصورة الإنسانية في علاقتنا مع المرأة في حياتنا اليومية لاستطعنا أن نخلق مجتمعات أكثر توازناً مع الطبيعة، هذا ما أؤمن به.
القصيدة حين ترثي الجمال والعقل والعدل
يواصل الشاعر الدنماركي من أصل عراقي سليم العبدلي نسج رؤيته للعالم انطلاقاً من الذات وعلاقاتها الشائكة والمتشابكة به، فيُقدّم في ديوانه الجديد «من رائحة الفراق» الصادر أخيراً عن دار الأدهم بالقاهرة في 96 صفحة من القطع المتوسط، تجليات هذه الرؤية روحاً وجسداً عبر أمكنة وأزمنة متعددة الآفاق، وذلك في نص نثري مفعم بالفقد والغياب والشوق والحب والبحث.
يرتحل الشاعر في الديوان ليطارد ما فقدته روحه وما فقده العالم من حوله، يرتحل في الزمان وفي المكان، ليرثي قيم الحب والجمال، قيم العقل والوجدان، قيم الحضارة والثقافة والفكر، قيم الحرية والعدل، ويقدم رؤية تتجلى في مفرداتها الشفافية والعمق والتلقائية.
7 قصائد
يضم الديوان سبعة فصول لسبع قصائد تحمل كل منها عنواناً دالاً وكاشفاً للنصوص التي تندرج تحته متراوحة بين الطول والقصر، ومنها: «المدائن لمن إن لم يتسن لك البقاء» و«لولا الخطوة لما كان الطريق» و«الموت الضيف الأخير لبيت حياتي».
مشوار
بعد أن استعرض رؤيته إلى بغداد (مسقط رأسه) وكوبنهاغن وأمستردام ومانهاتن واسطنبول والقاهرة في مجموعته الشعرية السابقة، يكمل العبدلي، مشواره مع الأمكنة، مع المدائن ليصف ما وصلت اليه بعد أن يستعرض تاريخ هذه المدائن شعرياً. يبدأ ببغداد، وكيف يمكن لها أن تنعت بـ«دار السلام» وهي ومنذ تأسيسها باتت «كولوسيوم» لصراع الاخوة (الأميـن والمأمون) ثم الحكام وحتى يصفها اليوم بـ: «بغداد أجهضَ السلام فيكِ».
ثم ينتقل الى دمشق التي «تغار منها بابل وأوروك»، والشاعر لا يخفي مدى عشقه لهذه المدينة ولروائح أسواقها وجبالها، ولكنه يلعن فيها «حراسها». ونجد هنا حسرة البعد وعدم التمكن من زيارة مدائنه لأن فقط لمن يتسلط عليها الحق في السماح لمن يدخل ومن يبقى ومن يخرج. الشاعر برثائه للمدن يصرخ بوجه المتسلطين عليها ويذكرهم باحترام تاريخها. كذلك أصفهان، عاصمة إيران السابقة..والتي سحرت زوارها وكل من مر بها.. كيف هي اليوم؟ 
هنا يأخذنا الشاعر في شوارع المدينة، لنعبر جسرها الشهير الـ «سي ڤَ سَي» ليدخل بنا الى قصورها، وهنا يجسد لنا ما آلت له هذه المدينة، حيث يرى شهرزاد «قابعة في ثوب الحداد» والخيام في حضرتها يقص آخر حكاياتها. أما الإسكندرية، فهنا نرى عجبه واستغرابه مما شهدته المدينة خلال الظروف الأخيرة التي مرت بها مصر.
خطوات والذات
بعد فصل الأمكنة يظهر لنا الشاعر علاقته بالطريق من خلال جعل الخطوة تمثل الذات والطريق يمثل مسار الحياة. وفي الفصل الخامس، يعرض علاقة الزمن بنا، من ماضيه وحاضره.
البيان

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *