الرئيسية / إضاءات / رحيل البراء أشرف: وجه ضاحك للثورة والموت

رحيل البراء أشرف: وجه ضاحك للثورة والموت


شوقي بن حسن


لقِّب البراء أشرف في “زمن ميدان التحرير” بالوجه الضاحك للثورة. ربّما، لم يكن ليظهر بشكل موسّع لولا “25 يناير”، بعد أن كان واحداً من جماعة المدوّنين الذين لا نعرف لهم وجوهاً وهم يحفرون في صخرة حرية التعبير بأظافر إلكترونية.

كان هؤلاء يشاغبون، ويهزّون عرش النظام دون طموح معلن، حتى أتاهم في يناير/ كانون الثاني 2011 خبر الثورة في تونس. ببساطة الكلمة، التي تقع في المشترك بين العامية والفصحى، وفوق المساحات الموسّعة التي أتاحتها شبكات التواصل الاجتماعي، تحرّك البراء بداية من 2006، حين أطلق مدوّنته “وأنا مالي” وصدّرها بعبارة “وطني لو شغلت بالخلد عنه سيتسرق”. حين ظهر للعلن، بدا من القلّة التي تجمع في تركيبتها الأدوات الضرورية لحرية التعبير؛ بداية من الكلمة التي تتحرّك في مسالك المدوّنة أو الجريدة، وصولاً إلى الفيلم باعتبار الصورة السلاح الأبرز للمناورات في هذا الزمن، مؤسّساً في الأثناء عدداً من شركات الإنتاج. إذا كان البراء وجهاً ضاحكاً بالفطرة، فإن كلمته ساخرة بالسليقة.

ليس الأسلوب في حدّ ذاته ميزة ما كتبه، فهو يندرج ضمن تقاليد مصرية في كتابة مقال الرأي الخفيف، ولكن ما ميّزه بحق؛ هو تلك القفزات الرشيقة بين المواضيع والمقاربات، والتقاطه لزاوية أو فكرة وقلب سياقاتها. أما صنعته المفضّلة، فهي الإمساك السريع بقارئ متعجّل، ابتداءً من العنوان أو من جملة البداية على أقصى تقدير، مثل مقالات “الإسلام ليس كوكا كولا” أو “وهوّ ينفع ندعي على الرئيس؟” أو “داعش للإنتاج الفني، تقدّم..” أو “الإضحاك كمسألة سخيفة” وغيرها. 

في عالم الوثائقيات الذي عشقه أيضاً، وانكفأ عليه حين أخذت الثورة تسير في طرقٍ مسدودة، يبدو البراء في أفلامه مهتماً بالشخصيات التي تأثر بها، سواءً حقيقية وافتراضية. يتجلّى ذلك في باكورة أعماله “مصطفى محمود، العالم والإيمان” (2010) وفي عمله الثاني “مشمش أفندي” (2011). أنشأ البراء في حياته القصيرة، عدداً من شركات الإنتاج، مثل شركة “آي فيلمز” التي قدّم من خلالها أعمالاً مثل “عمر عبد الرحمن” و”متّى المسكين.. الراهب والبابا”، أو شركة “هاند ميد”، إضافة إلى تعاونه في هذا المجال مع “قناة الجزيرة” ومؤخراً مع “التلفزيون العربي”. 

يمكن لكل من يشتغل بشكل يومي على الكتابة في الصحافة أو في أي ميدان آخر، أن يستحضر مقالاً للبراء بعنوان “عن عملي الذي دمّر حياتي”. مقال يكشف فيه الثمن الباهظ الذي يدفعه من يمارس يومياً هذا العمل المحبوب والخطير، خصوصاً حين تكون ساقٌ لصاحبه في عالم الكتابة وأخرى في الميدان. ليست الثورة المضادّة وحدها من يُهدر الطاقات، بل الموت كذلك..
______
العربي الجديد

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *