الرئيسية / مقالات / المشي جُلوساً..

المشي جُلوساً..


*د. شهلا العُجيلي


صرت جاهزة لجولة المشي المسائيّة اليوميّة، وريثما أربط أنشوطتي حذائي الرياضيّ، وضعتُ زجاجة الماء على الطاولة الصغيرة عند الباب. مالت الزجاجة محكمة الإغلاق، وكادت تقع، فثبّتها فوق كتاب كان موضوعاً على الطاولة منذ زمن، وكأنّ أحداًلم يلتفت إليه، كان رواية صغيرة لليابانيّة يوكو أوغاوا، صادرة عن دار الآداب، بترجمة بسّام حجّار، تحت عنوان “غرفة مثاليّة لرجل مريض”! الغلاف الهادئ لكتاب من القطع الصغير يضمّ ستاً وتسعين صفحة فقط، جعلني أجلس على الكرسيّ الذي بمحاذاتي، وأبدأ القراءة، كنت قد قرأت لـ أوغاوا رواية صغيرة أخرى بعنوان “حوض السباحة”، لها أسلوب هادئ ودامغ التأثير، وتكتب عمّا نعرفه ولا ننتبه إليه.
تحكي في هذه الرواية عن أخت تعيد اكتشاف علاقتها بأخيها، لحظة تعلم إصابته بمرض عضال، فتترك كلّ ما اعتادته لتعتني به إلى أن يموت، ومعها نتوصّل إلى عمق العلاقات الإنسانيّة التي تجرفها العادة، والثّقة بالوقت، وبالموروث، ومن خلال هذه العلاقة الرئيسة الجديدة، نتعرّف إلى علاقات أخرى كعلاقتها بأمّها الراحلة، والتي كانت مصابة بخلل نفسيّ، يجعلها تحتفظ بالبرتقالة المتعفّنة في الثلاّجة، أو في الحمّام، ثمّ تُقتل في حادثة سطو على متجر، ونتعرّف أيضاً إلى علاقتها الباردة بزوجها، الباحث الأكاديميّ، الذي يقضي وقته في المختبرات، ويعود ليلاً ليتناول الطعام الذي أعدّته، في محيط من غربة شديدة، وأفكار مقزّزة. لقد باتت تفضّل على الفوضى التاريخيّة في حياتها، غرفة المستشفى النظيفة الهادئة، التي تشبه سكينة الموت. ما وراء ذلك المخطوط طبعاً، حالة عميقة من النقد لمجتمعات ما بعد الحداثة، نقد بالسرد، بلا افتعال وتذمّر، وطرح عميق لمشكلات السيكولوجيّا الاجتماعيّة لبلاد ناطحات السحاب، التي أدارت ظهرها لتقاليد الخصوصيّة الراسخة، واتجهت نحو الكونيّة.
يموت الأخ، وتبحث الأخت عن عزائها في الدفء الإنسانيّ الذي يمنحه الطبيب المعالج، لم تكن تحتاج إلى أكثر من عناق وهدهدة بشريّة، لإزاحة وحشة الوحدة والاغتراب…
تكرّر أوغاوا ثيماتها بلا حرج، فهي تأتي على ما ذكرته في روايتها السابقة، تذكر حياة الميتم، والعلاقات بين النزلاء فيه، وطرق انسحابهم القاسية، بلا وداع أو إخطار، وتذكر الحبيب الدائم، بطل السباحة التي تغرم بعضلة ساقه، وتزرع في المتلقّي فضولاً للبحث عن عضلة مشابهة في أجساد السبّاحين. لم تتحدّث عن رئيس الوزراء، ولعلّها لا تعرف اسمه، ولا عن علاقتها بالسلطة أو بالتيّارات السياسيّة، وتنهي روايتها برجع الذكرى عند كلّ هطول للثلج…
كان في ذيل الصفحة الأخيرة عبارة قد كتبت بخطّ اليد: “سنصير شعباً حين ينظر كاتبٌ نحو النجوم، ولا يقول: بلادنا أعلى، وأجمل… محمود درويش”! إذن، ثمّة أحد غيري قرأ الكتاب، ولم يتوقّف عند ذلك الحدّ، بل التقط المعنى أيضاً.
خلال ساعة ونصف كنت قد أنهيت جلسة القراءة المباغتة، وشعرت أنّني مشيت طويلاً طويلاً، فأعدت زجاجة الماء إلى الثلاّجة، وأعلنت إنهاء رياضتي لهذا المساء!
_____
* عن “عمّان.نت”

شاهد أيضاً

الكتب يا أمّي

قاسم حدّاد غرقت عيناه، في غضب مكبوت. كل ثروتي وآخر الشواطئ. جمعتها ورقة ورقة منذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *