الرئيسية / مقالات / الأمية… ضارة نافعة!

الأمية… ضارة نافعة!


*خيري منصور


من الجَدليات التي يجري تدجينها، بحيث تتحول إلى ثنائيات مفهوم التقدم التخلف والغنى والفقر. فالتقدم هو الذي أنتج كل هذا التخلف الذي تعاني منه المليارات في مختلف القارات، وأكثر من ذلك فإن الأكثر تقدما يحرص على تكريس تخلف ضحاياه، لهذا فإن ما يقال عن ردم الهوة بين الشمال الموسر والجنوب المعسر هو محض كلام مطلي ببلاغة الأغنياء. 
ومن الأفكار التي تداولها الناس، ومنهم النخب لزمن طويل، كون التخلف مجرد ركام لا يقاس كما هي الفوضى، والحقيقة أن للتخلف قوانين نمو تمتاز بالتفاقم والتسارع لأنها بلا مصدات تعوقها. ولو أخذنا الأمية بتجلياتها الثلاثة، بدءا من الأمية الأبجدية حتى الأمية المعرفية مرورا بالأمية السياسية، فإن هناك من يحرصون على إدامتها رغم كل الشعارات المعلنة عن محاربتها. إنها بهذا المعنى الضارة النافعة، الضارة لمن بلغوا رشدهم الوجودي والتاريخي واستشعروا خطورة الجهل، سواء كان مدججا بالقوة العمياء، أو مقدسا لكنها النافعة، بل الرافعة لمن يطلق عليهم ويلز العور في بلاد العميان.
فالنصف أمي أخطر من الأمي بكثير، لأنه توقف في منتصف المسافة وقرر أن يقيس منسوب علمه ووعيه بما هو سائد. إنه بصيص النور الذي يبحث عن ظلام دامس كي يظهر فيه. وبعكس ذلك يصبح مثل ديوجين، الذي يحمل مصباحا في عز الظهيرة كي يبحث عن الحقيقة.
المفارقة اذن وبالتحديد في المثال العربي هي أن من يشكون من الأمية وانتشارها الوبائي هم المساهمون في تغذيتها لأنهم استمدوا المكانة والقيمة منها ومن المعيار النسبي الذي يدفع المريض إلى أن يزهو على الميت، ولو افترضنا جدلا أن العالم العربي ودع اخر أميّ قبل عقود، فإن المشهد الراهن برمته لن يكون على ما هو عليه، لأن الناس عندئذ وبفضل ما اكتسبوا من ثقافة ومعرفة قادرون على الفرز وضبط مدعي المعرفة متلبسين بجهالة تحولت كما يقول المتنبي إلى نعيم، مقابل جحيم المعرفة الذي يشقى فيه العارفون.
في غياب الأمية الوبائية يعاد النظر بأفلام سينمائية ومسرحيات وروايات وقصائد. لأن الأمية تحجب عن المصابين بها نعمة المقارنة، وإدراك الإضافة، وعندئذ لا تكون الأمية ورقة بيضاء يخط كل واحد منا عليها ما يشاء حتى لو كان يهذي!
كان التخلف ولا يزال بمختلف محاصيله السوداء النافعة للمستعمر بقدر ما كان الضارة بالنسبة لضحايا الاستعمار، الذين سحقوا بين مطرقة السطو والبحث عن المناجم والمواد الخام، وبين سندان الكومبرادور الوسيط الذي يتاجر بعرقهم وودموعهم وينتهك مصائرهم بالجملة. وما ينطبق على التخلف باعتباره صناعة إمبريالية ينطبق بدرجة أكبر على الإنتلجنسيا التي تتشكل من أنصاف المتعلمين، وعلى كتاب من أعْشار الموهوبين أو عديمي المواهب، فالفارق بين الموهوب والموهوم في مجتمعات تعج بالأميين مجرد خطأ مطبعي!
ومن المناسب كي لا أبقى في نطاق التجريد أن أقدم أمثلة من واقعنا الثقافي على امتداد خطوط الطول والعرض لهذه التضاريس التي تتعرض للتجريف الممنهج والتصحير. فالشاعر الذي صدق خرافة النجومية في هذا الفن، يقيس نجاح أمسياته بما يحصد من تصفيق، ليس على ما يقول، بل على ما يذكر سامعيه به وبما يعرفون. رغم أن أبسط بدهيات الإبداع في الشعر خاصة هو عنصر المباغتة وقطع ما يسمى المتواليات الرتيبة في ذاكرة المتلقي. وكنا نتمنى لو أن المشتغلين في حقل علم النفس درسوا هذه الظاهرة البافلوفية بامتياز، فالجرس هنا يقترن بالتصفيق وليس باللعاب!
وسأذكر للمثال فقط، أن أحد المتعلمين الذين يشكون من أمية معرفية قدم لمن يقلون عنه وعيا تحليلا لرواية «المسخ» لكافكا. مستخدما ثقافة شعبية شائعة عن مفهوم المسخ، أو تحول الآدمي إلى قرد، وقد شعرت على الفور بأن ما قالته سيمون دو بوفوار بشكل عابر في أحد مقالاتها يصلح للتعبير الدقيق عن هذه الحالة فقد قالت، إن للأحمق معجبين به أيضا وهم الأكثر حمقا منه.
هذا ما عنيته بالنسبية السوفسطائية التي يستثمر فيها شبه المثقف الأمية في بلاده، كي يبدو أشبه بجلفر في بلاد الأقزام كما في رواية جوناثان سويفت الشهيرة.
* * *
هل أتجاسر فأقول إننا مرضى يستعرضون ما تبقى من العافية على موتاهم؟ أم أن ذلك من القسوة بحيث يحترز من الاعتراف به صائدو الذباب؟ 
إن من لم يقرأ ولو خلاصة لتقارير التنمية البشرية في عالمنا العربي يستحق الحسد لا الغبطة، لأنه سيواصل السباحة في غدير أو بركة آسنة أو مستنقع ثم يتخيل أنه يعبر المانش أو الأطلسي . كفى تذرعا بالأميات ومشتقاتها من حالات العمى ما دام المتذرع مستفيدا وبلا حدود مما يشكو منه. وأجزم أن وداع الأمية في عالمنا العربي، رغم استبعادي لمثل هذه المناسبة سيشهد وداعا بالجملة لنصوص وكتابات سطعت ذات يوم في الظلام، رغم شحة بصيصها. لهذا على من حولوا الأمية من ضارة لأوطانهم إلى نافعة لهم أن يعترفوا لها بالفضل، وأن يتمنوا استمرارها وتمددها لأنها الماء الذي تسبح فيه أسماكهم الورقية!
_____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

الكتب يا أمّي

قاسم حدّاد غرقت عيناه، في غضب مكبوت. كل ثروتي وآخر الشواطئ. جمعتها ورقة ورقة منذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *