الرئيسية / إضاءات / المثقف اليمني والحرب.. ضد المعسكرين مع إدانة الجميع

المثقف اليمني والحرب.. ضد المعسكرين مع إدانة الجميع


ميسون الإرياني

في المرحلة العصيبة الراهنة التي يعيشها اليمن، بين سندان الحرب الآتية من الخارج ومطرقة الاحتراب الداخلي، وفيما تزداد شعلة الخلافات الداخليّة يوما بعد يوم، ما زال دور المثقف مجهولا، بلّ إنّه يبدو «مغيباً» في الشارع اليمني، مثلما يبدو عاجزاً عن إثبات وجوده أو تحركه في عملية السلم، أو حتى اقتراح أي حلول تؤدي إليه، خصوصا في وقت يزداد فيه الشرخ الاجتماعي اتساعاً والدمار الإنساني كارثية.

يُجمع عدد من المثقّفين اليمنيين على ضرورّة أن يكون دورهم الحالي دورا تنويرياً وجامعاً، إلّا أن عددا من الصعاب يحول دون ذلك، ما يصيب بعضهم باليأس، وآخرين بالشعور بالعجز. كما يتبيّن أن بعض المثقّفين أنفسهم لهم انحيازاتهم السياسيّة التّي تحول دون قيامهم بأيّ دور فاعل مجد.
وعلى الرغم من إجماع المثقفين المستفتاة آراؤهم في الموضوع، على أهميّة دور المثقّف في زمن الحرب، إلّا أن أيّا منهم لم يدعُ إلى مبادرة عمليّة، أو تحرّك جامع يمكن أن يلقى تجاوباً في الشارع، أو يكون انطلاقة لحركة أوسع لنبذ التحارب.
من هنا يبدو أن المثقفين اليمنيين ليسوا فقط في حالة انقسام وسلبية تجاه ما يحدث فحسب، ولكنهم أيضا يحمِّلون المؤسسات الثقافية مسؤولية الركود الذي يعانونه، وذلك في حالة من الإحباط واليأس اللذين يعصفان بالمثقف اليمني حائراً ما بين أمراء الحرب وقادة المعارك وبين دوره كجزء من عملية التنوير في قيادة الوطن إلى برّ الأمان.
انطلاقاً من هذا، يعتبر الشاعر مجيب الرحمن هرّاش أنّه يتعيّن على المثقّف حالياً أن «يسعى إلى تقريب وجهات النظر المختلفة بين الأطراف المتصارعة داخلياً في المقام الأول، وأن يدعو إلى البناء والتطوير وإقناع الخارج بأن لا فائدة من تدخله»، إلّا أنه يؤكدّ في الوقت ذاته أن «المثقف اليمني لا يقوم بدوره الحقيقي كما يجب. فالمثقف الذي قاد حركات التنوير وكان الأول في معارك التحرير والكرامة أصبح عاجزاً الآن».
أمّا الروائية والناشطة السياسية بُشرى المقطري فتؤكّد أنه «لا بدّ من أن يكون للمثقف اليمني دورٌ فاعلٌ في هذه المرحلة الصعبة التي تعيشها البلاد، وأن يكون صوتاً رافضاً للحربين الداخلية والخارجية، باعتباره كائناً مسالماً بطبيعته، ينتصر للحياة والجمال والحب والسلام». كذلك تعتبر أن دور المثقّف هو «أن يؤسّس، من خلال نتاجه الأدبي والفكري، لرأي عام يمني يحثّ على السلام والتعايش بين اليمنيين، لكن المثقفين اليمنيين يعيشون حالة اغتراب كلٌ عن ذاته وعن محيطه». إذ ترى أن بعضهم يائس «يمارس دوراً سلبياً إزاء واقعه الذي يعتقد أنه لم يعد صالحاً للتغيير، ومنهم من يتحوّل إلى طرف في الحرب نتيجة الاستقطابات السياسية أو الطائفية أو الأوضاع الماليّة المزريّة».
وتشير المقطري إلى انّه «تم شراء ذمم كثير من المثقفين وتحول كثير منهم إلى بيادق في الحرب، بعدما نجحت أطراف الصراع في استقطابهم كلٌ إلى جبهاتها، لذا أعتقد أن المثقف اليمني أصبح هو الآخر ضحية الحرب ووقوداً لها». وتستدرك بالقول «بالطبع هناك مثقفون يمنيون استطاعوا ان يحققوا تغييراً ملموساً من خلال مواقفهم الثابتة التي تمثّلت بإدانتهم كل أطراف الصراع في الساحة، لكنهم قلة وللأسف تأثيرهم ليس كبيراً بعد».
الشرخ الكبير
من جهتها، ترى الشاعرة سماح الشغدري بأن «الثقافة هي الأداة القادرة على معالجة الأمور التي طرأت على اليمن، من مناطقية ومذهبية مقيتة مستجدة على المجتمع اليمني»، معتبرّة أن المسبب هو «الحركة الحوثية وما أتت به من فكر إثني عشري تحت غطاء الزيدية المتعايشة مع كلّ اليمنيين منذ مئات السنين». على أنها تؤكد بأن الثقافة «هي وحدها الكفيلة بجعل المواطن يعي خطورة الشرخ الكبير في الوطن، بالإضافة إلى توعيته بأخطار التطرف الفكري المنحاز لرأي واحد أو طرف معين، لكن ما أنتجته الحرب من مآس إنسانية واقتصادية، وتعليمية وصحيّة، تجعل الاستجابة الطارئة للحاجات الإنسانية الأساسية أولوية وحيدة، وبالتالي يتم تجاهل دور الثقافة والمثقف التنويري لإخراج البلاد ممّا هي فيه مما يسبب إحباطاً وعجزاً شديديْن لدى الأدباء».
وعلى طرف مقابل لهذا الرأي، ترى الفنانة التشكيلية سبأ القوسي أن المثقفين اليمنيين «معنيون أكثر من غيرهم بتقريب الصورة لما يحدث بالفعل في اليمن، ليتمكنوا من الدفع باتجاه معاكس لإنهاء الاحداث». وتضيف أنه «وللأسف، وبسبب تدخل دول التحالف عبر العدوان الذي تقوده السعودية ومن معها، تراجع دور المثقف اليمني الذي كان بالفعل قد قام بخطوات حقيقية عززت ثقافة رفض الصراع المسلح وغلبت مشهد الحوار المدني الديموقراطي».
وتضيف القوسي أن العدوان، «وللأسف عصف بكلّ فعل وأثر مدني»، لهذا تجد أن المطلوب من المثقف اليمني في الوضع الراهن، «هو الضغط والدعوة لإيقاف الاحتراب الداخلي. ويجب أن تتبنى كل الأطراف المخوّلة، دعوة المثقفين إلى المتحاربين على الأرض للمّ الشمل والمساهمة في تفكيك الأزمات الخانقة للمجتمع ونبذ اللغة العدائية التي تفرزها العصبيات بأنواعها، بالإضافة إلى تقديم رؤية قوية ناضجة ومدركة للواقع للمساهمة في إخراج البلاد ممّا هي عليه».
فسطاطان
ترى القاصة أسماء ضيف الله، أنه من واجب المثقف اليمني ترجيح كفة العقل «عوضاً عن الانسياق الغرائزي وراء مصالح وهمية»، إذ عليه «تحري اختيار الكلمات والأفكار التي تساعد في إخماد النار بدلا من تذكيتها. في الحرب الجميع خاسرون. إذ من غير المنطقي أن تبارك وتتعصب لخسارة إنسانية وكارثة وطنية لذا يتوجب على المثقفين توحيد كلمتهم على التصالح وإذابة الفوارق والطائفية، فالأحرى بالمثقف أن يكون ممحاة تمحو تلك الفواصل المتجذرة بيننا، فالمثقف داعية سلام لا حرب ومن الخطأ أن يسمح للحرب والكراهية أن تسقطانه من علياء القيم، فالإنسان قيمة عظمى تفوق كل قيمة طبقية ومذهبية».
وتصف القاصة والصحافية انتصار السري أن المثقف اليمني انجرف كثيراً خلف التذبذب السياسي «فأصبح كاتبا لأطراف الصراع ووهب كلّ أحرفه لتبرير القتل وتجميل العنف، وانقسم المشهد الثقافي اليمني إلى «مؤيِّد ومؤيَّد» باختلاف القتلة، وبدلا من أنسنة الحرب غلبت عليه المصلحة الشخصية فعمد لاصطياد الفرص في بحر من دماء». بينما تشير القاصة والروائية الشابة سمية طه إلى سلبية بعض المثقفين، إذ تجد أن الحروب نزعت أدوارهم وأبقتهم «متفرجين متعصبين أو على الحياد». لهذا تطالبه «أن يتوقف عن التعصب»، وأن يقرأ «ما وراء السطور أحيانًا. والانشغال بالاستعداد للإعمار بعد الحرب، وإصلاح ما أفسدته الحرب في نفوس الناس».
من جهته تمنى الناقد والأكاديمي عبد الرحمن الصعفاني بأن يعمل الجميع باتجاه الدولة المدنية الحديثة قريباً وبالحوار، إذ بالنسبة إليه «انشطر المثقفون فسطاطين تقريباً، وفق طبيعة انشطار الوطن في هيجان الصراع، وظهروا جزءا من التبعية المنسحقة أمام السياسيين في طرفي المواجهة.. واستمرار فقدان الوزن الفاعل للمثقف إلى اليوم أظهر تصدعاً حاداً في بنية الدولة اليمنية وربما الهوية والنسيج الاجتماعي الوطني إلى حدّ بعيد، اتخذا شكل هذا الاحتراب الداخلي والعدوان الخارجي وتداعياتهما! ويظهر ترديه بشكل أكثر سفوراً وخطراً اليوم حيث غاب أو يكاد حس الانتماء الوطني الجامع وتشتت الدعم القوي نحو بناء الدولة الحديثة وتلاشي العمل باتجاهها وتم الانخراط في مشاريع فئوية أو حزبية رديئة على حساب المشروع الوطني الكبير الغائب والمغيَّب».. لهذا يرجو «أن يعود المثقف لاستلهام دوره التنويري صوتاً للعقل والمحبة والسلام وأن يتجاوز سلبيته أو استلابه وأن يمسك بزمام المبادرة نحو الدفع بالتصالح الوطني ونبذ كل عوامل الطائفية أو المذهبية التي تطل برأسها بشراسة، وأن يبادر الجميع للدفع بالالتفاف حول مشروع الدولة اليمنية الحديثة وإعادة الاعتبار للهوية اليمنية التي يراد لها أن تتصدع وتذهب أدراج الرياح».
السفير

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *