الرئيسية / إضاءات / عنصرية الجميع

عنصرية الجميع


*لؤي ماجد سلمان



تاريخنا عنصري يُستدل على ذلك بقصة عنتر واسترقاق النساء بعد الغزو وإباحة العبودية. الغرب أيضاً ليس بريئاً من العنصرية. أما العرب فبلدان الخليج ملأى بمن منزلتهم منزلة الجواري والعبيد من الآسيويين. هناك أدب معاد للعنصرية، لكنّ هناك في المقابل أدباً عنصرياً معاصراً وحديثاً. مثلنا على ذلك هجاء نزار قباني للبدو، أليس في هذا عنصرية.
حين تذكر العنصرية يلوح في مخيلتنا صورة الرجل الأسود، معتقدين أننا بعيدون عن أشكالها التقليدية، كأنها اختصاص المجتمعات الغربية، وما انتهجته الولايات المتحدة في جنوب أفريقيا، أو مع السكان الأصليين الهنود الحمر، أو ما فعله الأوروبيون من استرقاق «الأبارتيد». بالطبع عفّى الزمن عن مناقشة فلسفة تمجيد القوة باعتبارها العلاقة الأساسية بين الشعوب، أو بتر علاقة اليونان القديمة بالبيئة الشرقية وضمها تعسفاً إلى الغرب الأوروبي (ثنائية الدم النقي الصافي والدم الملوث) حتى الربط بين فلسفة نيتشه والايديولوجيا النازية، أو بين فلسفة مكيافيللي وموسوليني، نظرية النخبة المسيطرة، كل ذلك لا يمنحنا صك براءة وإنسانية ونحن نمارس العنصرية بأشكالها الجديدة.
نعم إسرائيل تمارس العنصرية على الشعب الفلسطيني والعرب، مدارسها لا تعلم النشء إلا لغة العنف والكراهية، استبدلت كلمة عرب «بتهديد ديموغرافي». التربية الدينية «من يقتل مسلماً أو مسيحياً أو وثنياً يكافأ بالخلود في الفردوس وبالجلوس هناك في الفردوس الرابع». وحسب التلمود: «اليهودي لا يخطئ إذا اعتدى على عرض أجنبية، إن عقود الزواج عند الأجانب فاسدة لأن المرأة غير اليهودية (بهيمة) ولا نعاقد مع البهائم» ومع هذا تدّعي أنها ضحية النازية. حملات تطهير عرقية مارستها تركيا والعثماني على الأرمن وما زالت تمارسها اليوم في مناطق سورية، إذاً العنصرية ظاهرة قديمة حديثة، لم تنحصر في مكان ولم تنته كما ادعى البعض، ربما تغير شكلها وطريقة ممارستها، لكن لا يمكن تبرئة جماعة أو ثقافة طالما «نقاء العرق» فكرة تسيطر على الجميع.
عنصرية تاريخية
العرب مارست العنصرية أيضاً وتاجرت بالبشر من قبل الإسلام وبعده؛ وكلنا يعرف قصة عنترة فارس عبس الذي لم يمنح حريته إلا بعد صد الغزو عن قبيلته، حتى بعد الإسلام ظهر مفهوم «تحرير رقبة» للتكفير عن السيئات أو مكافأة العبد بمنحه الحرية، إذ لم يلغ الإسلام العبودية بل رسخ المفهوم حتى يستثمره الحر في التكفير عن سيئاته، ولو أراد تحريره من الأساس لما وصلنا لمفاهيم العتق وتحرير الرقبة، وكما ورد «الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ» التاريخ العربي لم يخبرنا عن حكام سود أو أصحاب مكانة، إلا القليل منهم، كافور الإخشيدي الذي هجاه المتنبي في قصيدته «المذهبة» لأنه لم يجزل له عطاياه فأبرز عنصرية واضحة: «صار الخصي إمام الآبقين بها – فالحر مستعبد والعبد معبود، لا تشتر العبد إلا والعصا معه ـ إن العبيد لأنجاس مناكيد».
في كتاب (ألف ليلة وليلة) كان للزنوج نصيب في كل القصص، لكن أدوارهم لم تتجاوز تسخيرهم للجنس ولليالي الملاح ورغبات الملوك والأميرات، ودورهم في الحياة الاجتماعية انحصر بالخدمة فظهروا كحمالين وخدم، وعبيد وطباخين، ولا يمكن السهو عن الليلة 468 الجزء الأول ـ دار صادر – قصة العبد الزنجي الذي عاش حياة الفضيلة والتقوى فكان جزاؤه أن تحول إلى شخص أبيض البشرة وكأن سواد البشرة «صفة مذمومة» أو على الأقل أدنى من البشرة البيضاء. جاء في العقد الفريد أن ابن كثير قال في نصيب بن رباح وكان أسود: ولون أبا الحجناء لون البهائم، ما يشير إلى أن هناك عنصرية ولا يتعلق الموضوع بالهجاء وحده. في الوقت ذاته لم يكن الاسترقاق والعنصرية ضد اللون الأسود فقط أو من العرب، فقد استرق العرب في فتوحاتهم الروم والفرس والبربر وغيرهم واتخذوا من الروميات والفارسيات إماء وجواري.
الجارية
تمارس العنصرية على المرأة في عمق أنوثتها؛ أكثر مما تمارس على الرجل فنجدها مضطهدة من مجتمع الذكورة، بل من المرأة ذاتها، وللأسف مفهوم الجارية مستمر حتى هذه الساعة ولو كان بشكل مبطن أو سري، تحت أسماء مختلفة تفرضها طبيعة المجتمع والعمل والمهن، فصاحب رأس المال أو الأمير «هارون رشيد» العصر الحديث غالباً ما استبدل الجارية وخبأها تحت وظائف عديدة، منها (السكرتيرة أو مديرة المكتب أو طاقم السكرتاريا)؛ أسماء تفرضها طبيعة العمل وطبيعة الحاجة، ويعمل الكثير من العرب في هذا النوع من الرق مع أثرياء الخليج، دعوات إلى العشاء تضم عشرات النساء ينتقي منها الثري واحدة أو اثنتين ويصرف الباقي برفقة مغلفات تحوي المال «تحية الشيخ»، هذا بالطبع غير الجواري اللواتي يعملن ويقمن في القصور تحت اسم مستخدمات القصر، غير أن (الربيع العربي) أعاد استعباد المرأة عنصرياً، فشاهدنا كيف تستعبد الأنثى وتنتهك تحت اسم سبية وتباع في بسطات نخاسة، ولا أعتقد أن عقود الزواج التي تنظم في مخيمات اللجوء كمخيم الزعتري بين فتيات لم يتجاوزن الخامسة عشرة ورجال يتجاوزون الخمسين عاماً؛ إلا عقود بيع واسترقاق جنسي تحت اسم زواج السترة، زواج لا يستمر أكثر من أيام!! هذا بالطبع غير عنصرية العصابات التي تمتهن المرأة وتجبرها على العمل في الدعارة، وغير استقدام الخادمات من الجنسيات الآسيوية للعمل في منازل محدثي النعمة.
المضحك في الأمر أن بعض الأشخاص الذين يدّعون العدل والإنسانية وما إلى ذلك من مرادفات، نجدهم يبحثون كيف يجب أن تستر الجارية جسدها في أوقات الصلاة، وكيف يجب أن تستره في غير أوقات، وما حدود عورة الأمة حسب المذاهب الأربعة؟ ويختلفون إن كانت تلك الحدود بين السرة والركبة أو إن كان يجوز تغطية رأسها أثناء الصلاة أولا؟ لكنهم يتعامون عن العنصرية والاسترقاق والتحكم في إنسان وكأنه مجرد «باربي» من غير شعور أو إحساس.
التاريخ الحديث
لا يمكن أن نسلم بأن العنصرية تنحصر بالعرق واللون، أو أنها موضوع قديم لا يحدث في الوقت الحالي، فما يعاني منه المهاجر السوري في هذه الحرب دليل على أن العنصرية تغيّر شكلها فقط، عنصرية معاصرة لم يستطع الغرب التخلص منها رغم ادعاءاته، ربما يستغرب البعض هذه العنصرية، لكن ما حدث في لبنان العام الماضي وما تناقلته وسائل الميديا بحادثة الطفل الذي يعتدي على طفل بتوجيه عنصري من والده، أو جرائم القتل ضد العمالة السورية في الخارج هي أيضاً عنصرية.
لكن هل يمكن تبرئة سوق العمل في السعودية ودول الخليج من العنصرية تجاه العمالة الآسيوية والعربية؟ وكيف يتم تقسيم العمالة حسب الجنسية لا حسب الكفاءة، وفق تحيز طبقي واجتماعي؟ شاهدنا ونشاهد صور العمال الهنود والبنغال وسواهم ممن يعملون في إنجاز ملاعب في الدوحة استعداداً لمونديال كأس العالم، وكيف يأكل هؤلاء أسوأ طعام وأقذر ماء ويأخذون أجوراً لا توفر لهم قوتهم اليومي؟ لطالما شاهدنا هؤلاء العمال يقفون صامتين أمام سياط أسيادهم؛ شاهدناهم كيف يعاملون في أروقة المطارات، وكيف يتركون أسابيع نائمين على أرضية قاعات الانتظار في مطارات الشارقة والرياض وسواها من دول تشغيل العمالة، وكيفية تكريس العنصرية ضدهم؛ وجعلهم يشتغلون في أسوأ المهن وأقساها من دون مقابل إنساني؛ رأيناهم كيف يزرعون الأرصفة في دبي ليلاً؛ وكيف يسقون حشيش الملاعب الاصطناعية؛ وكيف يجرّون أحمالهم الثقيلة تحت وطأة شمس لاهبة.
في الأدب
ظهرت عدة روايات سعودية تحاول علاج المواقف العنصرية والأزمات الأخلاقية منها «جاهلية» لليلى الجهني، «رواية القارورة» يوسف المحيميد حيث تطلب الضحية من مغتصبها أن يتزوجها لأسبوع واحد فقط لكنه يرفض، وفي روايات أخرى نجد العنصرية في المناطقية والمذهبية والنظرة الدونية، ففي رواية غازي القصيبي «أبو شلاخ» القبلي يقابله الخضيري، والسني مقابل الشيعي والنجدي مقابل الحجازي، ولو استعرضنا الأدب الأفريقي لوجدنا الملمح الأساسي فيه التنديد بالعنصرية، وفي المغرب والجزائر، الغرب المستعمر الذي فرض لغته يعاملهم بعنصرية، يقول الطاهر بن جلون «شعرت بالغثيان عند وصولي إلى فرنسا، وشعرت أن فرنسا ليست بلدنا، هنا لكسب لقمة العيش، هنا تعلمت معنى كلمة العنصرية». في المقابل يحضر كتاب «الانتحار الفرنسي» للصحافي اريك زمور ومواقفه الداعية إلى الصفاء العرقي الأوروبي وترحيل جميع المسلمين من فرنسا.
المثقف العربي شارك في العنصرية، في قصيدة نزار قباني «الحب والبترول» شتم نزار التاريخ البدوي القدري «أيا جملا من الصحراء لم يُلجمْ – ويا من يأكل الجدري منك الوجه والمعصمْ» فهو شتم صريح لبيئة وتاريخ إنساني لا يخرج عن العنصرية الثقافية. كما لا يمكن أن نغفل الشاعر سعيد عقل الذي أعرب عن تعاسته لأن جيش الاحتلال لم ينظف لبنان من كل فلسطيني، معرباً عن عنصريته حين نعتهم «الوسخة العنصرية الدموية الفلسطينية» لم ينظر للفلسطيني كضحية بل اعتبره كائناً إرهابياً قائلاً «لبنان يتسع لـ940 ألف قبر فلسطيني»، غير عنصريته الصريحة تجاه اللغة العربية التي طالب بزوالها في أكثر من مناسبة.
للأسف كلنا عنصريون ولكن بطرق مختلفة، نرسم قانوناً يناسبنا ونؤطر إنسانيتنا به، نتهم ونحاسب الآخر على ما يفعله من غير أن ندرك حقيقتنا وأننا نشبهه أو ربما أسوأ منه، لكننا الوحيد الذي يحمل الحقيقة والدم النقي، وهذا يخوّلنا أن نسيطر ونضطهد ونحاكم أنفسنا ونسامحها.
_________
*السفير الثقافي

شاهد أيضاً

محمد شكري في ذكرى رحيله.. عالم من الإحباط في مُواجهة الموت البطيء

* محمّد الخطّابي   مرّت منذ أيّام الذكرى الثامنة عشرة لرحيل الأديب المغربي المُعنّى محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *