الرئيسية / إضاءات / جوخة الحارثية: الرواية ليست مرآة للواقع.. ومصطلح «الأدب العربي» ليس مضللاً

جوخة الحارثية: الرواية ليست مرآة للواقع.. ومصطلح «الأدب العربي» ليس مضللاً


نقاشات حول الثقافة العربية في «شباك» لندن –

شاركت الكاتبة والروائية جوخة الحارثية خلال الأيام الماضية في ندوة نقاشية حول «ظهور أصوات جديدة شابة في الأدب العربي» والتي أقيمت ضمن كرنفال الثقافة العربية بنسخته الثالثة (شباك) وهو كما يصفه المنظمون نافذة مشرعة تطل على الثقافة العربية المعاصرة. تناولت الندوة التي شاركت فيها إلى جوار الحارثية الكاتبة السورية شهلا العجيلي محاول عدة بينها
تطور التعبير اللغوي بما يتلاءم مع سمات العصر، وتغير في تناول التابوهات.
وكان بين أبرز المحاور التي تمت مناقشتها في الندوة محور خرج من سؤال طرحته مديرة الجلسة «هل يمكن الحديث عن كتابة عربية أو عن أدب عربي في حين أن لكل دولة عربية خصوصية في التاريخ والثقافة؟ وهل مفهوم الأدب العربي مفهوم مضلل في هذه الحالة؟».
وكانت مداخلة الدكتورة جوخة الحارثية في الندوة: نعم يمكن وبكل ثقة أن نتحدث عن كتابة عربية وعن أدب عربي.
وكانت الحارثية تطرح منطلقاتها في الندوة التي شهدت حضورًا كبيرًا من المثقفين والكتاب الغرب الذين اكتظت بهم القاعة رغم أن الدخول كان بالتذاكر وتقول: منطلقاتي رغم الخصوصية التاريخية والثقافية إلا أن هناك عوامل مشتركة كبيرة جدًا، أهمها اللغة التي يكتب بها الكتاب العرب من المحيط إلى الخليج، والقارئ الذي يقرأ بنفس اللغة، أيضًا معظم الدول العربية تعرضت لتاريخ مشترك من الاستعمار ومرت بظروف الاجتماعية مشتركة خلال مرحلة الحروب ضد الاستعمار، وهذا وغيره الكثير يجعلنا نتحدث بثقة أن هناك فعلاً أدبًا عربيًا دون أن نكون مضللين خلال إطلاقه.. وهذا لا يجعلنا نغفل الخصوصية الثقافية والتاريخية أيضًا لكل بلد.
وتحدثت الندوة النقاشية عن موضوع التابوهات.. وكان سؤال النقاش يفترض أن الكتابة الجديدة في العالم العربي باتت تكسر التابوهات وتتجاوزها بشكل واضح، إلا أن الدكتورة جوخة الحارثية كان لها مداخلة تحدثت فيها عن أن فكرة كسر التابوهات كانت موجودة منذ امرئ القيس وأبي نواس وموجودة عن نجيب محفوظ، فالتابوهات كانت تكسر في كل العصور ويتم التوغل في المناطق الحساسة وليس هذا حكر على الجيل الجديد.. لكن الحارثية ترى أن كتابات المرأة اليوم هي العلامة البارزة في مسألة كسر التابوهات. على أن الدكتورة جوخة الحارثية لم تر أن فكرة التابوهات تنحصر في السياسة والدين والجنس ولكنها تتعدى ذلك إلى الممارسات الاجتماعية، والتمييز الطبقي. لكن جوخة ترى أيضًا أن الكاتب إذا كان يكتب من أجل أن يكسر التابوهات ولفت الأنظار فإن كتابته لا قيمة لها.
وفي محور آخر تناول سؤال هل الكاتب يمثل مجتمعه أو بلده أو عرقه وثقافته قالت الدكتورة جوخة الحارثية: الكاتب شاء أم أبي هو يحمل شيئا من التمثيل والدليل نحن نعرف الكثير عن كولومبيا من خلال ماركيز والحارة المصرية من خلال نجيب محفوظ.. وهكذا الكاتب لا يستطيع أن يتخلص من جزء من ذلك التمثيل فهو جزء من مجتمعه وثقافته. لكن الدكتورة الحارثية عادت لتقول أن ضد النظرة التي تعتقد أن الكتاب ممثل رسمي أو ناطق باسم بلده أو ثقافته أو جنسه، الكتاب ليس ناطقًا رسميًا. وأضافت جوخة: بالنسبة لي تهمني قضايا المرأة ولكن لا أعتبر نفسي مدافعة عن حقوق المرأة من خلال كتاباتي، أنا أكتب الذي يهمني، وأنا لا أمثل المرأة بل أمثل نفسي في المقام الأول. وتصل الدكتورة جوخة الحارثية إلى القول: ليس وظيفة الكاتب أن يقدم صورة مشرقة ومثالية عن بلده. وحول محور الرواية وعلاقتها بالواقع تقول الدكتورة جوخة الحارثية الرواية ليست مرآة للواقع، هي موازية له وتخلق واقعًا بديلاً له.
من جهتها قالت الروائية السورية شهلا العجيلي أستاذة الأدب العربي المعاصر في الجامعة الأمريكية في مأدبة، إن كل الحركات العربية الأخيرة غيرت في شكل الأدب والرواية تحديدا، في وقت كانت فيه تغيرات الشعر مرحلية، مضيفة أن «التغيير في حركة الشعر بطيء» وذهبت إلى أن الحراك الذي شهدته الرواية العربية جعلها أكثر تحررا. وأضافت «في تقديري أن الكتابة أصبحت مقياسا للواقع، ومن المؤكد أن هناك كثيرًا من الأشياء الإيجابية التي تحققت بفعل هذا الحراك، ولكن أيضًا صحبت تلك الإيجابيات مشكلة جديدة وهي استسهال مسألة الكتابة».
وعما يخص الأدب الروائي وطبيعة الواقع قالت العجيلي: إن الرواية تمثل الحياة بالنسبة للروائيين وإنها -أي الرواية- تعنى بدراسة وتتبع ما يجري في المجتمع شخوصًا وأفعالاً ورصد الواقع، ومن ثم إضافة بعض الجماليات المطلوبة لعرض وسرد تلك القصص، وهذا ما أفعله دائمًا، ودائما ما أقول لنفسي: إن الكتابة من الصعب أن تكون عن شيء بعينه، الكتابة هي عن كل الأشياء في هذا العالم، وتقول عاكسة تجربتها الشخصية عن صعوبة التخصيص، «مثلاً عندما أريد أن أكتب عملا أدبيا أقول لنفسي أريد الكتابة عن الحب وعن علاقتي بأمي وأبي، ولكن في نهاية الأمر اكتشف أنني كتبت عن كل شيء عدا أمي وأبي وعلاقتي تلك».
وترى الكاتبة شهلا العجيلي أن واجب الفنان بجانب التعبير عن المجتمع ألا يكون محرضا على العنف والقتل، وأضافت «الحرب ليست لعبة والفنان يجب أن يكون مسؤولا عن الآخرين وعن أحلامهم، الفنان معبر عن كل المجتمع ولكنه ليس قائدًا سياسيًا».
وفي جلسة نقاشية أخرى بعنوان «هل الأدب العربي المترجم إلى الانجليزية في تصاعد؟»، أدار الحوار الكاتب البريطاني السوري روبن ياسين قصاب وشارك في النقاش الكاتب والمترجم العراقي سنان إنطون والروائية الفلسطينية سلمى الدباغ والمترجم والأكاديمي البريطاني دانيال نيومان من جامعة درهام البريطانية والصحافية والمترجمة مارشا لينكس كوري المشرفة على موقع الأدب العربي بالانجليزية. خلص النقاش الذي دار بحميمية مع الجمهور إلى ازدياد الطلب على الأدب العربي المترجم للانجليزية بشكل عام وكذلك هناك أدباء عرب نالوا جوائز أدبية عالمية مرموقة لكن هذا الطلب يقابل بقلة عدد الكتب التي تترجم سنوياً وعدم وجود جهات رسمية تمول جهد الترجمة. ندوة أخرى عن أدب الخيال العلمي في العالم العربي ناقشت موضوع «هل إن أدب الخيال العلمي قد يحثنا على تصور مستقبل مغاير في البلاد العربية؟» شارك في هذه الندوة وعبر السكايب الروائي المصري أحمد خالد توفيق مؤلف رواية «يوتوبيا» التي ترجمت إلى الانجليزية ونُشرت عن دار نشر بلومزبري وكتب عنها عدة نقاد بريطانيين في صحف مرموقة مثل «الانديبندنت». كذلك شارك في هذه الندوة الكاتب المسرحي العراقي حسن عبدالرزاق عن مجموعته القصصية التي صدرت بالانجليزية والتي يتخيل فيها كائنات فضائية تغزو بغداد. وشارك المترجم البريطاني جوناثان رايت الذي يعكف على ترجمة راوية «فرانكشتاين في بغداد» في النقاش عن الرواية باعتبارها رواية رعب علمي من نوع ما، فيما عرض فيلم عن الرعب في شوارع بغداد أبان فترة الاقتتال الطائفي التي ألهمت أحمد سعداوي ثيمة روايته، التي فازت بجائزة البوكر في نسختها العربية. ممثلون من عدة دور نشر بريطانية ومجلات متخصصة بهذا الأدب، شاركوا في النقاش المفتوح مع الروائيين فيما طــرح أحد الحاضرين سؤالا عن مــدى تعارض تعـاليم الإسلام كدين رسمي للبلدان العربية مع حرية التخيل العلمي.
ندوة أخرى ناقشت «هل الكتابة تغير؟ وما هو دور الأدب والشعر في أوقات الاضطرابات والحروب» شارك فيها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي الذي ترجمت أهداف سويف كتابه «رأيت رام الله» الفائز بجائزة نجيب محفوظ الأدبية، والذي كان متاحا للجمهور عبر معرض مصغر للكتاب أقامته مكتبة الساقي خارج قاعة الندوات، والشاعرة الكردية جومان هاردي والكاتبة والصحفية السورية رشا عباس التي شاركت في النقاش عبر السكايب من منفاها في ألمانيا. من أهم الآراء التي وردت في النقاش هو ما قاله الشاعر مريد البرغوثي عن كون الشعر والأدب والفن بشكل عام هو جوهر الإنسان المبدع وخلاصة تجاربه الروحية والاجتماعية، وعليه أن يبتعد عن استعباد السلطة بمختلف أشكالها. وقال أيضا: إن القصيدة تكف عن شعريتها إذا عبرت بشكل مباشر عن الواقع، وتصبح مجرد أداة دعائية تشبه إلى حد ما الشعارات السياسية.
______
*جريدة “عُمان”

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *