الرئيسية / إضاءات / جلال برجس:الجريمة الوحيدة المباحة للروائي قتل الرقيب الداخلي

جلال برجس:الجريمة الوحيدة المباحة للروائي قتل الرقيب الداخلي


منى شكري


رأى الشاعر والروائي الأردني جلال برجس أن الجوائز العربية “ألقت حجراً في المياه الراكدة”، مبيناً أن لها الدور الأكبر في “تنشيط” حالة التلقي والبحث عن الكتب الفائزة، وهذا ما كان يسعى إليه الكتّاب.
وأكد الروائي الحاصل مؤخراً على جائزة “كتارا” عن رواية (أفاعي النار/حكاية العاشق علي بن محمود القصاد)، أنه لا يؤمن بأي ضوابط أثناء كتابة العمل الروائي، بل يشجع على قتل الرقيب الداخلي بقسوة حتى لا يبتر المكتوب.
وتابع برجس في حوار خاص مع “ذوات” أن الجريمة الوحيدة المباحة للروائي هي قتل هذا الرقيب الداخلي؛ فالكتابة الروائية، وفقه، هي بقعة ضوء مجنونة أمام عيني القارئ، تسطع على ما يراه الروائي من أفكار تصوغ في نهاية الأمر المقولة الرئيسة للرواية.
ونوه الشاعر إلى أنه لا يمكن للأدب العربي أن يعبر عن الواقع، دون حرية حقيقة تؤدي إلى إقصاء كل أشكال الرقابة التي تشوه النص، مشيراً إلى أن الخوف يؤدي إلى نتاج ركيك، مشدداً على ضرورة أن ينظر الأدباء العرب بعين إلى الواقع وبأخرى إلى الحلم،للخروج على السائد، ولاجتراح رؤى جديدة تصوغ حياة جديدة، رهانها الوحيد هي الإنسانية فقط. ومن ثم على الجهات ذات العلاقة أن تنشط حركة الترجمة الناقل المهم لمكونات الفكر العربي، للآخر الذي ما زلنا نقرأه.
وأوضح برجس أن ما جرى “ليس ربيعاً عربياً”، بل هو “محرقة سياسية”، وعلى المثقف أن يمارس دوره التنويري الذي يقصي كل أشكال الظلاميات والفكر المنغلق وكل وكلاء الأفكار الرجعية والطروحات المتزمتة التي لا تفضي إلى شكل الحياة التي نحلم بها على أساس يحترم الإنسانية.
يذكر أن جلال برجس شاعر وكاتب أردني، ولد في العام 1970 في قرية حنينا في محافظة مادبا الأردنية، درس وعمل في هندسة الطيران لعشرين عاماً، ثم انتقل للعمل في الصحافة الأردنية. بدأ في أواخر التسعينيات بنشر نتاجه الأدبي في الدوريات والملاحق الثقافية العربية، وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، واتحاد الكتاب العرب ويشغل موقع أمين سر رابطة الكتاب الأردنيين فرع مادبا.
كتب الشعر والرواية والقصة والمقالة النقدية والأدبية ومن مؤلفاته: مقصلة الحالم (رواية)، 2013، الزلزال (قصة)، 2012، رذاذ على زجاج الذاكرة (أدب المكان) 2011، شبابيك تحرس القدس (أدب المكان) 2012، كأي غصن على شجر (ديوان شعري)، 2008، ديوان قمر بلا مَنازل (ديوان شعري)، 2011.
حصل برجس على عدة جوائز منها: جائزة الأديبة الراحلة رفقة دودين للإبداع السردي 2014، عن رواية “مقصلة الحالم”، وجائزة روكس بن زائد العزيزي للإبداع 2012، عن المجموعة القصصية ” الزلزال”.
كما فاز مؤخراً بجائزة كتارا للرواية العربية للعام 2015، عن فئة الرواية غير المنشورة عن رواية (أفاعي النار/حكاية العاشق علي بن محمود القصاد).
وفيما يلي الحوار كاملاً:
– حصلتَ على جوائز عديدة، آخرها فوز “أفاعي النار/ حكاية العاشق علي بن محمود القصاد” بجائزة كتارا للرواية العربية 2015، في فئة الروايات غير المنشورة، ماذا تعني لك الجوائز؟
الجائزة، أي جائزة، هي اعتراف إضافي بما ينجز المبدع، وأقول إضافي؛ لأن الاعتراف الأهم هو اعتراف القارئ، لكن اعتراف الجوائز بقيمة العمل، وبالتالي إلقاء مزيد من الضوء عليه، يؤدي إلى لفت النظر إلى العمل المُفَوَّز، وهذا يؤدي إلى تزايد عدد القراء له، فيحيلنا من جديد إلى حكم القارئ واعترافه. المبدع العربي ما يزال بحاجة إلى مزيد من الجوائز حتى يصل عمله إلى يد قرائه، ليس فقط المحليين، أو العرب، إنما القارئ العالمي، وهذا لا يتأتى إلا عبر التزام الجوائز بترجمة الأعمال الفائزة إلى اللغات الحية، وبالطبع فإن (كتارا) حصدت السبق في هذا المجال، فأخذت على عاتقها ترجمة الأعمال الفائزة إلى خمس لغات عالمية، وتكفلت بتحويل عملين فائزين إلى نتاج درامي،إضافة إلى تسويق باقي الأعمال الفائزة درامياً. دعونا نعترف أن الجوائز مثل جائزة كتارا للرواية العربية، والبوكر العربية، وجائزة نجيب محفوظ، وجائزة الشيخ زايد، قد ألقت حجراً في المياه الراكدة، فكان لها الدور الأكبر في تنشيط حالة التلقي والبحث عن الكتب الفائزة، والتي أدرجت في القوائم الطويلة والقصيرة، وهذا ما كنا نسعى إليه ككتّاب في أن يذهب القارئ للبحث عن كتاب معين.
– ساهمت الجوائز الأدبية في إقبال كثير من الكتاب على كتابة الرواية بشكل سنوي، وتوجه البعض لهذا الفن رغم اشتغاله على صنوف أخرى، وهو ما ضاعف الكمّ على حساب النوع لدى كثيرين. من هو الروائي الحقيقي؟
الروائي الحقيقي هو الذي يكتب ما يخرج على الواقع، دون الالتزام بكتابة موازية له، فليس من مهمات الروائي كتابة التاريخ، أو تصوير الواقع كما هو، إنما مهمته التي تميزه كروائي حقيقي، هي كتابة ما لم يتحقق على أرض الواقع. فالسائد لم ينقذنا من الكم المرعب من الدماء والبارود وجز الرقاب والفساد والتراجع الثقافي والحضاري والاجتماعي. هنالك كم كبير من الروايات تصدر لأجل ركوب الموجة كون الرواية الآن تتصدر المشهد، لكن كثيراً من هذه الروايات هي نصوص مطولة تفتقد لشروط الرواية الحقيقية سواء كانت بوعي كلاسيكي أو بوعي حداثوي، وحتى بعض الصالح منها لكتاب لهم تجاربهم، مازالت تدور في دائرة السرد، دون الذهاب لمهمة البناء في الرواية. ففي هذا المضمار أعتقد أن على الروائي العربي أن ينتبه لمهمة البناء في الرواية بدلاً من الإفراط في السرد. تماماً كما فعل الروائي المصري الكبير صنع الله ابراهيم في روايته المهمة “نجمة أغسطس”.
– أصبح من المعتاد أن تضج الساحة الأدبية العربية وتتعالى الأصوات هنا وهناك عقب إعلان نتائج الجوائز الأدبية استحقاق عمل ما بالفوز بجائزة، كيف تقيم المعايير المتبعة في منح الجوائز عموماً؟ وهل ترى أنها منصفة أم أن الشللية والمرجعية الأيديولوجية تحكمها؟
حدث لي أنني كنت عضو لجنة تحكيم في عدد من الجوائز، لكن لم يحدث لي أن تدخل أحد في صياغة حكم معين نحو ما قمت بتقييمه من أعمال. هنالك بعض الجوائز تلقت بعض الانتقادات حول الإعمال الفائزة، وهذه مسألة مهمة يجب تدارسها برأيي، فهنالك من يشارك في هذه الجوائز، إن فاز امتَدح، وإن خسر ذمّ وهاجم. وهنالك من يمتلك رأياً مخالفاً حول قيمة ما منحه الفوز من أعمال، دون أن يعي أن حتى أعضاء اللجنة في نهاية الأمر هم بشر ربما تشوب حكمهم بعض الشوائب، لكنها بالطبع لا تؤدي إلى إفراز نتيجة تتعلق بعمل ضعيف. أما بالنسبة إلى مصداقية الجوائز واستقلاليتها، وبعدها عن المرجع الأيديولوجي، فالمسألة على ما يبدو نسبيه تتعلق بجائزة دون أخرى، هنالك جوائز أعتقد أنها مستقلة تماما ودليلي على ذلك نوعية ما اختارت لجان تحكيمها من أعمال لتكون فائزة.
– كيف تخطط لكتابة العمل الروائي؟ وما الذي يلهمك للبدء به؟
تأتي فكرة العمل الروائي فجأة، اتكاء على هاجس تشكله ثقافة الروائي، ومشاهداته اليومية ورؤيته للعالم. فحين تداهمني الفكرة بكل سطوتها، لا أعهد لكتابتها مباشرة، بل أتركها تختمر في فضاء البال، حيث تأخذ شخوص العمل الروائي المفترض بمرافقتي دون انقطاع، فأراها بكل ملامحها ووعيها وانتماءاتها، وأمزجتها، وأرى أمكنة الرواية وزمانها وطقسها، وأنصت لبعض أحاديثها.
ما يحدث لي يشبه ما يحدث لمهندس معماري يقف في قطعة أرض بور، ويأخذ بالدوران حول نفسه، مطلاً عبر عين المخيلة على بناء سيكون في هذه الأرض الخالية، إن استطاع رؤيته، فقد نجح في بنائه، وإن لم يستطع فقد أقلع عن الفكرة. أما عن لحظة الكتابة، فهي تأتي أيضاً مباغتة، كأن المخيلة تخبرني أن رغيف الحكاية قد آن أوانه ليعبر إلى الفرن،حينها أجيب على عدد من الأسئلة (هل هنالك من شيء جديد فيما ستكتبه؟ بأية لغة ستكتب روايتك؟ ما الجديد في أسلوبك وبنائك للرواية؟ هل تقوى على ألا تكون الفكرة أكبر من بيت الرواية فيحدث الخلل؟ هل تقوى على إحداث التوازن بين لغة الرواية كونك قادماً من الشعر، وبين لغة الحكاية؟ هل تستطيع أن تقصي شخصيات أعمالك السابقة ولا تجعلها تتسلل إلى عملك الجديد؟)إن استطعت أن أجيب على هذه الأسئلة، فحينها أغلق الباب وأعلن عزلتي للكتابة. 
– استخدمت العامية (اللهجة البدوية) كثيراً في روايتك “مقصلة الحالم”، ألا ترى أنها تشكل عائقاً للانتشار عربياً؟
عبر روايات الأصدقاء العرب، تعرفنا على لهجات تلك البلدان، وبالتالي محور الثقافات الشعبية المهمة، وذلك عبر اللهجات العامية، على سبيل المثال لا الحصر، مثل روايات واسيني الأعرج، وخيري شلبي. وإن ذهبنا إلى جيل الرواد سنجد الراحل نجيب محفوظ قد اهتم بالمحكية في رواياته، وكذلك حنا مينة اهتم بهذا الجانب، وعلى الصعيد المحلي سنجد الراحل غالب هلسا أيضاً قد ضمن روايته كثيراً من الحوارات باللهجة الشعبية، سواء الأردنية أو المصرية حينما كتب روايات لها الفضاء المصري. أما عني، فعدد الصفحات التي حظيت باللهجة البدوية، قليلة لا تشكل عائقاً أمام الانتشار العربي، بل على العكس من ذلك، فأنا أعرف القارئ العربي بشرفتي الاجتماعية التي أنتمي إليها، فالبداوة ابنة الحرية والإعتاق، وهي حرية بأن يعرفها من لم يعرفها.
– يميل كثير من الروائيين للإفراط في توظيف “الجنس وإيحاءاته” في أعمالهم، هل تؤمن بضوابط تحد ذلك لدى المبدع، اجتماعية أو “رقابة ذاتية” مثلاً؟
على الرغم من أن السؤال موجه لتكون الإجابة عن روائيين غيري، إلا أنني سأفترض أن السؤال موجه إلي وأقول، إنني لا أؤمن بأي ضوابط أثناء كتابة العمل الروائي، بل حتى أنني أشجع على قتل الرقيب الداخلي بقسوة حتى لا يبتر المكتوب. فالجريمة الوحيدة المباحة للروائي هي قتل هذا الرقيب الداخلي. لذلك حينما أكتب مشهداً للقاء رجل بامرأة لا يمكنني أن أضع سطراً فارغاً أطلب من القارئ أن يعبئه بما تمليه عليه مخيلته. الكتابة الروائية بقعة ضوء مجنونة أمام عيني القارئ، تسطع على ما يراه الروائي من أفكار تصوغ في نهاية الأمر المقولة الرئيسة للرواية. حينما كتبت “مقصلة الحالم” التي رأى بعض القراء أن الجنس فيها جاء جريئاً، وضعت نصب عيني مهمة أن تكتمل عناصر صورة الشخصيات في الرواية، فكيف لي أن أصوغ مشهداً دون الدخول إلى ما يراه بعض القراء محرماً، دون جرأة، خاصة أنني أتطرق إلى شخصية امرأة يستلبها آدمها الذكوري المتسلط، ويسرق منها حقها في رغبتها الجنسية، بل حتى أنه يسعى لبترها تماماً عبر ذكوريته المقيتة.
لكن المعيار الأهم في هذا كله، أن يُكتب الجنس بلغة راقية تحترم هذه الرغبة الإنسانية التي مازلنا في العالم العربي نراها عيباً حتى في إطار الزواج، كأننا نرتد إلى مقولات أبنائنا وأمهاتنا التربوية الاجتماعية في الصغر. وفي هذا السياق أقول أيضاً، إن بعض الروائيين كتبوا في الجنس ليقتنصوا الشهرة، فبدت المشاهد محشوة حشواً، غير متآلفة بالعمل الروائي كوحدة واحدة، وكتب بلغة الإثارة، لا بمزاج إبداعي يعلي من شأن أهم أساسيات عيشنا، وأكبر مشاكلنا وأزماتنا في العالم العربي.

– ثمة أنباء تشير إلى أن روايتك (مقصلة الحالم)، ستتحول إلى عمل درامي، أيهما يخدم الآخر؟
ثمة مشروع عرض عليّ لتحويل (مقصلة الحالم) لمسلسل درامي، لكنني أجلته لأسباب كثيرة أهمها أنني أريد للرواية أن تأخذ حقها من القراءة أولاً، ومن ثم يصار إلى تحويلها درامياً. أما بالنسبة لـ (أفاعي النار) فإن إدارة جائزة كتارا تكفلوا بمهمة تسويقها درامياً، وبالتالي اختيار الجهة المناسبة والخيارات التي تخدم الرواية.
أما عن علاقة الدراما بالرواية، فإنهما يخدمان بعضهما بعضاً إن تم إنجاز العمل الدرامي بوعي عميق، فعلى سبيل المثال، فشل بعض المخرجين في تحويل بعض الروايات إلى عمل درامي، وكان من أهم الأخطاء هي نقل الرواية كما كتبها الروائي، دون أن يعتمد المخرج على رؤية إخراجية توازن بين ما أراد الروائي قوله، وبين ما يريد المخرج قوله اتكاء على بنية الرواية. الرواية كتابة بالكلمات والدراما كتابة بالصورة، وليس كل شيء في الرواية قابلاً لأن يتحول إلى صورة، وهنا تبرز الحاجة لمخرج متمرس يبتكر أو يرتهن لأدوات ذكية للتعامل مع المناطق الشائكة في الرواية، وهذا ما لمسته في فيلم (العطر) الذي أخذ عن رواية باتريك زوسكيند، والتي حملت نفس العنوان. وإن نجح العمل الدرامي فإنه بالطبع سيخدم الرواية من حيث تزايد عدد قرائها، ويخدم نفسه كعمل درامي ناجح.
– كيف يمكن للأدب عموماً أن يعبر عن الواقع الثقافي العربي ومستواه الفكري، وما مدى مساهمته في تحريك ركود مياه الإسهام الفكري العربي؟
لا يمكن للأدب العربي أن يعبر عن الواقع، دون حرية حقيقة تؤدي إلى إقصاء كل أشكال الرقابة التي تشوه النص. فالخوف يؤدي إلى نتاج ركيك. إن تحقق هذا المطلب، على الأدباء العرب أن ينظروا بعين إلى الواقع وبأخرى إلى الحلم، للخروج على السائد، ولاجتراح رؤى جديدة تصوغ حياة جديدة، رهانها الوحيد هي الإنسانية فقط. ومن ثم على الجهات ذات العلاقة أن تنشط حركة الترجمة الناقل المهم لمكونات الفكر العربي، للآخر الذي ما زلنا نقرأه.
– ما تأثير الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، برأيك، على الأدب والأدباء؟
لقد جسرت وسائل الاتصال الحديثة المسافات بين البشر وشرائحهم، والأدباء أحد تلك الشرائح، لكن هذا التطور الإنساني له سلبياته مثلما له إيجابياته. فقد نشطت على سبيل المثال، هذه الوسائل من حركة النشر التي لا تخضع لمزاج مدير التحرير في الصحف والمجلات الورقية، وصارت كل صفحة في هذه الوسائل بمثابة صحيفة يديرها مالكها، وبالتالي لها قراء ولها من يتابعها. وصار بالإمكان التواصل مع الأديب وبالتالي الاطلاع على أدبه. لكن أهم ميزات هذه المساحة الإشكالية أنها دون ضوابط تؤدي إلى منتج سليم من حيث اللغة والمعلومة وشروط ما يكتب إن كان شعراً أو قصة أو رواية، لهذا فوجئنا بكتب تصدر مؤخراً، اعتماداً على مجموعة من النصوص نشرت في مواقع التواصل الاجتماعي وغرّ كتابها بكثرة المتابعة، فاعتقدوا بأن ما كتب هو نتاج صالح للنشر، أزعم أن كثيراً مما ينشر في “الفيسبوك”، مجرد نصوص لا يمكن أن تتحول إلى أدب حقيقي. لكن تلك السلبيات لا تنفي كثيراً من الإيجابيات لهذه المواقع ولفضاء الانترنت بشكل عام، فقد يُسرت المعلومة، وبات بإمكاننا الاطلاع على كثير من الأشياء لم نكن لنطلع عليها لولا هذا الفضاء الإلكتروني.
– منذ عقود والحديث لا ينقطع عن دور المثقف ووظيفته، وتصاعد مع “الربيع العربي”، كيف تنظر إلى علاقة المثقف مع المجتمع “المتحالف” مع السلطة؟ وهل خسر المثقف حقاً دوره لصالح السياسي في هذه المرحلة؟
أولاً ما جرى ليس ربيعاً عربياً، فالربيع له سماته المختلفة تماماً عن هذه المحرقة السياسية. أما عن وظيفة المثقف، فما زلت أؤمن بدوره التنويري الذي يقصي كل أشكال الظلاميات والفكر المنغلق وكل وكلاء الأفكار الرجعية و الطروحات المتزمتة التي لا تفضي إلى شكل الحياة التي نحلم بها على أساس يحترم الإنسانية. فإن خان المثقف مجتمعه سوف تزداد الهوة بينه وبين عناصر هذا المجتمع، وهذا ما يحدث الآن، فكثير ممن يحسبون على الثقافة والمثقف خانوا قضايا مجتمعهم الخاص والعام، وذهبوا نحو مصالح فردية ضيقة، أدت إلى إنهاء تاريخهم، وذلك بتحالفاتهم مع سلطات لا تنظر إلى قضايا الإنسان بعين عادلة، فخسروا دورهم الثقافي لصالح دور سياسي نفعي.
– إنتاجك الشعري غزير ونوعي، كيف يمكن للشعر أن يخاطب الوعي ويسهم في التغيير؟
لا يمكن للشعر أن يخاطب الوعي الإنساني ويحدث التغيير في هذه الأيام، دون أن يتخلى عن الإبهام الذي حل محل الغموض. الغموض حالة صحية في القصيدة لكن الإبهام غير المبرر، والذي برره البعض على أنه من سمات قصيدة الحداثة وما هو منها بالطبع، خلق هوة واسعة بين القصيدة الحديثة وبين المتلقي، لهذا السبب أخذ البعض يرى أن الرواية سحبت البساط من تحت الشعر، وباتت هي ديوان العرب. وليس بالضرورة هنا أنني أدعو إلى قصيدة مُباشرة ترتد إلى الكلاسيك،وأنا الذي أُعَد من كتاب قصيدة النثر، ولكنني أدعو إلى قصيدة أقرب إلى الناس، قصيدة توازن بين الذاتي والموضوعي، وتعاين الهم اليومي، وقضايا الإنسان المعاصر، الذي يرزح الآن تحت عديد من الأزمات التي تهدد إنسانيته.
– هل توجهك للرواية أثر على مشروعك الشعري؟
بالطبع لا لم يؤثر على مشروعي الشعري، فأنا ما زلت ماضياً به، بل حتى أن الشعر أثر إيجاباً على كتابتي الروائية وجعلني أكثر قدرة على التقاط الفكرة، وصياغتها بلغة وجدت مساحتها من الرضا في وعي القارئ. الرواية ليست تأريخاً ولا تصويراً للواقع، إنما هي سفينة نوح المخيالية التي تأخذ من الواقع ما هو قابل لإعادة الإنتاج، والفرار به أمامَا نحو فضاء جديد، يخرج على الواقع نفسه، ويجترح حياة جديدة. لهذا وجدت الشعر بكل جنونه الجميل قد منحني هذه الرؤى، وجعلني أكثر قدرة على رؤية الماحول، والنظر إلى العالم بعين الشاعر الحالمة.

– ما المشاريع التي تتوق لإنجازها؟
أسعى لكتابة تجعلني أحس بأنني أحدثت التوازن بين الذاتي والموضوعي، وهذا لا يمكن أن يأتي إلا حينما أنجز مشروعاً أدبياً يستلهم الإنسانية وحفاظنا عليها. ولا أدري إلى أي الصفحات ستأخذني إليها لإنجاز هذا المشروع، ربما الشعر، ربما الرواية، أو ربما صفحة جديدة لم أجرب من قبل أن أخط بها حرفا واحداً. المهم أن أقول كلمتي وأنا أحلم بوردة تنبت من بين كل هذا الخراب الذي يعمّ العالم، دون أن نفقد حقنا بالفرح.
________
*ذوات

شاهد أيضاً

الأدب في زمن الأوبئة

الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك وهو أحد الناجين من الطاعون الأسود .. وصف ذلك الحدث بالقول: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *