الرئيسية / مقالات / عاشق البلدان المتوهمة

عاشق البلدان المتوهمة


*عبده وازن

أجمل الأسفار، يقول ألبيرتو مانغويل، هي التي يقوم بها المرء عبر خياله، حاملاً بين يديه كتاباً في غرفة أو مستلقياً في حديقة، أو جالساً في مكتبه على غرار ما كان يفعل بورخيس. قد يكون صاحب «تاريخ القراءة» على حق، فالسفر أياً يكن، هو تجوال في جغرافيا الأمكنة وانتقال من بلاد إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى. وهذان التجوال والانتقال قد يكونان واقعيين وقد يكونان متخيّلين. ولعل المخيلة لا تفارق أصلاً السفر الواقعي، فهي في صميم طبيعته. والسفر مهما كان واقعياً يظل في حاجة إلى قبس من خيال يشحذ حقيقته ويوفر له مزيداً من الجمال غير المألوف.
 غير أن السفر في الأمكنة قد يكون قصراً على وجهة ما وعلى بلاد ما، ووقفاً على زمن هو زمن الرحلة نفسها. أما السفر عبر المخيلة فهو السفر الذي لا تخوم له ولا زمن، بل هو السفر الذي لا عودة منه لأن العودة تعني هنا بداية رحلة أخرى. كان سفر الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو رهيباً عندما قصد «مدناً لا مرئية». وهذا عنوان كتابه الشهير – قائمة في التاريخ الوهمي والجغرافيا الوهمية، وبدا سفراً ثميناً نظراً إلى «الصيد» العجيب الذي عاد به كالفينو من هناك.

على سطح السفينة التي كانت تتنقل بنا، نحن حفنة المسافرين الغرباء، بين الجزر اليونانية الساحرة، تذكرت قصائد شارل بودلير التي كتبها من وحي أسفاره البحرية التي قام بها في أوج اضطرابه الروحي بحثاً عن عزاء وهروباً من واقع اليوم. هذه السفينة وفي وسط الزرقتين اللامتناهيتين، اكتشاف جديد لها ومختلف. هنا على سطح الباخرة تتجلى أبعاد هذه القصائد وتنبلج معانيها الغامضة، لا سيما في الليل الشاسع، في ضوء القمر الفضي وبريق نجوم في غور السماء. أما القصائد فهي «السفر» و «الدعوة إلى السفر» و «القطرس». والقطرس هو طائر البحر ويسمى «الباتروس». يصف بودلير نفسه بـ «عاشق البلدان المتوهمة» ويدعو البشر أمثاله إلى السفر على جأجأة السفينة التي تمخر عباب الماء، وإلى هدهدة اللامنتهى «في منتهى البحار»، فهناك في «عمق المجهول» لا بد من العثور على «الجديد». إنه السفر إلى «هناك»، السفر إلى «البلاد التي تشبهك» يقول بودلير صارخاً وسط الأمواج برقّة الشاعر المجروح والمأسور: «آهٍ ما أكبر العالم!».
ما أحوجنا اليوم إلى ذلك العالم الكبير. كلما اتسعت رقعة عالمنا اليوم شعرنا به يزيد ضيقاً. كل وسائل الاتصال الحديثة التي ألغت التخوم بين البشر والبلدان، بين الأرض والفضاء، لم تزد من وساعة العالم ولو رمية حجر. ضاق عالمنا بنفسه، ضاق أيضاً بما اخترعنا واكتشفنا وابتدعنا، ضاق بحقائقنا وأكاذيبنا، بأحلامنا وأوهامنا وخيباتنا… وبتنا في حاجة إلى «أسفار» بودلير.
لم يبقَ في العالم اليوم سندباد يخوض المجهول بحثاً عما يجهل هو نفسه. وبطل الأوديسة «أوليس» بات شخصاً متوهماً مثله مثل مدينة إيثاكا والحبيبة بينلوب التي قضت أعواماً تنتظر عودته وبين أصابعها إبرة تحوك بها ثياب العيد الذي تأخر كثيراً. لم يبق ابن بطوطة يجوب الآفاق ليكتب صفحات الوصف الخلاب. ما أصغرك أيها العالم! ما أجمل الخدعة التي جعلتك قرية كونية! ما أجمل زمن العولمة الذي قضى على روحك وقلبك وفيض وجدانك!
كان الشاعر الألماني ريلكه يلح على الشاعر الشاب في «وصيته» الشهيرة أن يسافر كيفما تسنى له أن يسافر، فالسفر في نظره كتاب مفتوح يقرأ فيه الشاعر صفحات غير متوقعة ويصاد معاني وأبعاداً وصوراً ما كانت لتخطر له. السفر. السفر. بحقيبة أو بلا حقيبة. واقعاً أم خيالاً. بالجسد أم بالروح. بالقراءة أم بالكتابة.
على سطح السفينة التي كانت تجوب بنا جزر اليونان الجميلة، نحن الغرباء الذين التقوا مصادفة على متنها، كنت في عراء الليل بُعيد الهدوء الذي يحلّ خلسة، أكتشف معنى آخر للسفر. السفر في عمق الأفق الذي لا يظهر منه سوى أخيلة تليها أخيلة إلى اللامنتهى. القمر صديق حميم في هذه الرحلة مثله مثل البحر الهادئ، الأمواج ومثل السماء التي لا تنتهي في زرقة يوشحها ظلام خفيف. السماء والبحر والليل هنا، على ظهر السفينة التي يهدهدها الموج بخفة، أشبه بـ «كائنات» أليفة، تسمعها وتسمعك، تلوّح لها وتلوّح لك. لعله السفر يوحدها في روح وجسد يظلاّن سريين مهما تجليا أمام نظرات لك، شغوفة وجارحة.
_______
*الحياة 

شاهد أيضاً

في مديح السرقة الأدبية

سعيد الخطيبي هل ستتحول السرقة الأدبية إلى «نوع أدبي» مُستقل؟ لقد سلكت لي إسرائيل (1939ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *