الرئيسية / فنون / مكرم حنين : حرصت في أعمالي على إنهاء عزلة التشكيل.

مكرم حنين : حرصت في أعمالي على إنهاء عزلة التشكيل.




أمنية السيد حجاج


تتعدد مجالات إبداع الفنان التشكيلي مكرم حنين، وذلك نظرًا لثقافته الواسعة وتنوع اهتماماته، وكونه اختلط برموز الإبداع في فترة من أخصب فترات الحياة الثقافية في الستينيات والسبعينيات، الأمر الذي مكنه من تأسيس القسم الفني بمؤسسة “الأهرام”. 
خالط حنين نجوم الإبداع في كل المجالات، وأبدع معهم وتأثر بهم وتأثروا به، من صلاح عبد الصبور الذي اختاره ليرسم له أغلفة دواوينه ومؤلفاته، مرورًا بصلاح جاهين، وليس انتهاء بقامات كبيرة مثل لويس عوض، الذي رسم له الموسوعة التي كان يعدها أسبوعيًا بالأهرام، وغيره من الرموز. 
ونبدأ من نقطة مهمة في مشواره الفني هي نقطة التحاقه بمؤسسة الأهرام، حيث يقول: التحقت بالأهرام في العام التالي لتخرجي.. أي نحو عام 1963. في البداية اتجهت إلى دار الهلال وعملت رسومات في مجلتي “سمير” و”ميكي”، لكن لم أعين لأنني لم أكن قد حصلت وقتها على ورقة إنهاء الخدمة العسكرية، في الوقت الذي تقدمت فيه في مسابقة بالأهرام ضمن خمسة رسامين، وبعد فترة قصيرة من عملي تم اختياري لرسم دائرة المعارف الذي كان يبدعها الدكتور لويس عوض في ملحق الجمعة، واستمر ذلك فترة طويلة. 
يقول مكرم حنين في حديثه: كانت هذه الفترة من أجمل الفترات لأنني كنت قريبًا من الرموز الثقافية الكبيرة التي عملت في الأهرام، حيث اختلطت مباشرة بمبدعين أمثال يوسف إدريس ولطفي الخولي ولويس عوض الذين كان يجمعهم تقريبًا مكان واحد بالمبنى القديم للأهرام بشارع شريف، وبالطبع هناك مراحل مهمة في حياتي مثل لقائي الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور، الذي أعجب برسوماتي وقرر أن أرسم له أغلفة دواوينه. 
جسد الفنان مكرم حنين في معرض الروحانية بين الواقع والخيال رغبة عميقة في إنهاء القطيعة بين الفن الراقي والجمهور، إذ يبدي حرصًا علي تذليل غربة الفن التشكيلي وعزلته عن الشارع وتوجهاته وتطلعاته من خلال تقديم بعض الأعمال المرتبطة بقضايا معاصرة مثل قضية النوبة. 
سعى الفنان مكرم حنين عبر لوحاته إلى تحقيق الروحانية في العمل الفني المرتبط بالإنسان والمكان، وبمخيلة الفنان وتصوره وإبداعه، بينما تظهر المجردات متفككة ومرتبكة لأنها تنظر للأشياء من الخارج بلا توغل في حقيقة الوجود مع الحرص على الاهتمام بقوة اللون والتكوينات الجمالية والظل والنور، انطلاقًا من أن الفن لا ينفصل عن التاريخ. 
وقال الفنان مكرم حنين: لا يمكن إنكار الثقافة المصرية وتأثيرها على الفن، فالفنان يجب ألا ينفصل عن تاريخه ولابد أن يعبر عن الشعور الجمعي مع التعبير عن ذاته. ويضيف: إن الاتجاهات في الفترة الأخيرة أخذت بعض الفنانين إلى دائرة خطيرة مثل سرقة الأعمال الفنية والتقليد الأعمى، ويرى أن بعض الفنانين لا يحكمون سيطرتهم على إنتاجهم، أو أنهم يعملون بمنطق بيع توقيعهم. 
أما عن لوحة “بنات قبلي”، فيعتبرها تكاملاً لونيًا مع لوحة محمود سعيد الشهيرة “بنات بحري”، ويقول: لأنني لاحظت أن وجود أهل الصعيد يتلاشى في الحركة التشكيلية. وبما أنني من مدينة أسيوط في جنوب مصر، وعايشت حياة هؤلاء، قدمت هذه اللوحة وغيرها التي تصور المراكب النيلية. 
مكرم حنين رفض أن يكون مثل فنانين مصريين نقلوا صورًا من ميدان التحرير إلى اللوحات مباشرة، متأثرين بالانفعال البصري المباشر دون أن يتعمقوا في الحدث، فجسد مكرم حنين مصر في لوحته على شكل امرأة ترتدي جلبابًا ريفيًا وتنهض وقد رفعت يدها للسماء. 
ويظهر في العمل التزامه بأسلوبه التعبيري في نقل مشاعره حول الثورة، فالسيدة ترتدي ملابس لونها أحمر كرمزية للثورة ومن خلفها تسطع الشمس التي تقوم على أكتاف وجوه شابة، وقد غابت عن اللوحة الوجوه الريفية الأثيرة لدى حنين في أعماله السابقة وكأنه يقول إن المستقبل للشباب، ويجب أن نترك لهم الفرصة لصياغته، وعن العمل قال الفنان: “الثورة جعلت مصر تستفيق وتحرر يدها تجاه السماء بعد أن كانت مكبلة”. 
وفضَّل حنين أن يترك المساحة التي كان من المفترض أن يكتب فيها الشعارات التي رفعها الشباب المتظاهر في ميدان التحرير فارغة، وعلَّق على ذلك بقوله : «لم أشأ أن أكتب أي شعارات على اللافتات التي رفعها المتظاهرون في اللوحة، وتركتها بيضاء لأن الشباب هم من سيكتبون المستقبل بطريقتهم ولسنا نحن». 
ونجده في إحدى اللوحات رسم أحصنة برية تجري بعنفوان، وقال إنه رسمها كتشبيه لحماس الشباب الذي غير وجه مصر، حيث أوضح الفنان مكرم حنين أن الحصان دائمًا يرسمه ويظهره فى ملامح القوة لأن الحصان أوصتنا به الأديان كلها، فالحصان رمز روحي وليس رمزًا جسديًا، وهو رمز الانتصار. 
ويرى حنين أن “الثورة حررت فكر وتوجهات الفنانين المصريين، شبابًا وشيوخًا من العبثية والفوضى في الفنون الجميلة التي كانت سببًا في نفور جمهور الفن في مصر من تلك التوجهات التي قلدت البدع الأوروأمريكية في ما بعد الحداثة». والفنانون المصريون استفاقوا بثورة يناير، وبدأ عدد كبير منهم في مراجعة توجهاتهم لترك هذا الارتباك والفوضى والنظر إلى حركة الشعب المستقبلية نحو الحرية والديمقراطية والتوجه نحو إبداع مصري، وسوف يحتاج ذلك إلى وقت للنضوج والتألق وخلق لغة تخاطب مع الجماهير ليس في الرسم فقط، ولكن في جميع الفنون والآداب”. 
ويضيف حنين: ضاعت سنوات طويلة قبل الثورة، ونحن بدون هوية فكرية أو فنية، إلا عند قلة من الفنانين التزموا بمبادئهم الفنية، فقد فيها الفنان لغة التخاطب مع الجمهور، ولم تعد لأعماله قدرة على جذب الجمهور، أهدروا الفن بأفكار خرافية، وحان الآن موعد الانقلاب على كل هذا ما حدث للفن، ويقوم بهذه الثورة فنانون لهم رؤية عميقة، لمراجعة الفنانين توجهاتهم لترك هذا الارتباك والفوضى والعودة إلى القيم الإنسانية في الفن والأخلاق والجمال، وهذا يحتاج وقتا للنضج، وأن يكون نبض الأعمال ومصدرها تلك الروحانية التي تجذب المتلقي من خلال الانتظام الجمالي ومعايشته للتاريخ بكل مراحله: الفرعوني والإسلامي والقبطي والروماني والإفريقي وغيرها. 
ويرى حنين أن جميع الأعمال الفنية الخالدة في تاريخ الفن هي الأعمال التي أدت دورها الاجتماعى في ذلك الزمن، مثل أعمال عصر النهضة التي أدت دورها في ذلك الزمن، حتى إذا كان دورها دينيًا أو دنيويًا. 
والفن الإسلامي أدى دورًا كبيرًا مع ظهور الإسلام وبعده، ولذلك فإذا انفصل الفنان عن مجتمعنا فهو ينفصل عن البشر الذين يعاصرونه ويفقد علاقته بالزمن، ولذلك فإن الفنان الراحل محمود مختار يعيش بيننا حتى الآن، رغم وفاته، بتماثيله العظيمة التي كان لها دور عظيم مع ثورة 1919، وهذا نموذج، ونماذج أخرى مثل الفنان صلاح عبد الكريم ومحمد سعيد وراغب عياد وعدد كبير استطاعوا أن يعبروا عن تلاحمهم مع مشاعر الشعب، وفي المقابل فإن الكثير من الفنانين الذين اتجهوا إلى إفراغ الفن من مضمونة الاجتماعي فقد فقدوا علاقتهم بالواقع والحياة،لأن الفن المجرد والبعيد عن أداء دورة الاجتماعى يتحول إلى مجرد حسابات خطية ولونية ومساحية، وبالتالي فقدت الأعمال التي لم تلتزم بدورها التاريخي، فقدت لغة الخطاب الاجتماعي المطلوبة في الفن . 
وعن الرسوم الصحفية التي قام بإنتاجها خلال فترة عمله بداية من عام 1964 حتى اعتزاله العمل الصحفي، يقول: أردت أن يرى القراء عملاً فنيًا متكامل الأركان ومتطورًا في الأسلوب، فقدمت أعمالاً لكبار الكتاب المصريين أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، مصاحبًا لهما لرسم الشخصيات البارزة في أعمالهما الفنية، ملتزمًا بما تفرضه روح الشخصية التي تناولها الكاتب، وهناك أيضًا كتاب بارزون مثل يوسف إدريس أظهرت في رسومي له واقعية شخصيات الأدبية مع التطوير في الأسلوب، وأيضًا الشعراء ومنهم أمل دنقل.
بوابة الأهرام

شاهد أيضاً

“ماتيس أشبه بالرواية”.. معرض استعادي لفنان الألوان

  بعد أن اضطر المتحف الوطني الفرنسي للفن المعاصر إلى تأجيل معرض عن الرسام الفرنسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *