الرئيسية / مقالات / أن تكون نازحاً في السينما !

أن تكون نازحاً في السينما !


هدى جعفر

«ميلا، لماذا الصابون تحديدا؟» يستقر هذا السؤال في رأسك وأنت تتابع شوارع مدينتك وأزقتها وجدران البيوت بعينين مطفأتين، كان ذلك سؤالا طرحته إحدى بطلات فيلم «قائمة شندلر» على «ميلا» بصوت خافت، عندما كنّ يستمعن لها وهي تقص عليهن عن أهوال «أوشفيتز»، ثم تسأل نفسك: لماذا «قائمة شندلر» بالذات، يتحرك فمك جانبا بما يشي بابتسامة، من السخف أن تستغرب لماذا يخطر ببالك فيلم كـ «كقائمة شندلر» وأنت في الحرب، بلدك تحت الحرب، هنا تبتسم ابتسامة كاملة ومشدودة، هل كانت «ميلا» تبتسم في ذلك المشهد؟ هل ابتسمت أصلا طيلة الفيلم؟

أنت في المطار مغادرا «صنعاء» هربا من الحرب، «صنعاء» التي قال عنها المخرج الإيطالي «بازوليني»: «لو كنتُ مسؤولا عنها لنظفتها بلساني»، بلدك تحت الحرب، حرب! هذه اللفظة التي تلوكها في فمك كأنك تذوق لقمة حنظل، تجرب مذاقها، ثم تنقض على أنفك يد متسلخة تغلقه لتجبرك على بلعها.
تجلس في المطار في وسط الطريق لكن لا أحد ينتبه لك، تتحاشى النظر إلى كل شيء، ومظهر جواز سفرك كبصقة أبيك في وجهك، تشد الوشاح حول وجهك لتخفيك، «مالينا» أيضا كانت تشد الوشاح حول وجهها وهي تستقل القطار هاربة من تلك المدينة «المريضة» بالقبح، ولكن من أين للمرء وجه كـ» مونيكا بيلوتشي»؟ بلادي كانت أجمل من مونيكا بيلوتشي، على الأقل أكثر إخلاصا منها.
في بلد النزوح، تلتصق عيناك بالأخبار، تريد أن تطمئن أن ما يحدث «سحابة صيف» أو «نزوة سياسية» أو «كبوة حصان» أو أي شيء آخر سينتهي قريبا بعودتك إلى بيتك، تشاهد قنوات الأخبار بكل اللغات المتاحة، حتى إن لم تفهم اللغة قد تفهم من الصور أو من إيماءات المذيعة أو المذيع، تنتهكك مشاهد القصف، تهينك تماما، تشعر أن رأسك مغموس في حاوية القمامة، أنك تأكل الفضلات بصحبة شهقات الشامتين كأنك أحد أبطال «Salo or the 120 Days of Sodom».
نشرة أخبار
وبين نشرة أخبار ونشرة أخبار، هناك الوقت، الكثير منه، ساعات طويلة، ساعات خانقة، ساعات تنزف، ساعات متعرقة، ساعات تعاني من السعال، ساعات مشوكة، ساعات برائحة الرطوبة، ساعات مفلوقة بسكين، ساعات لزجة، ساعات متقيحة، غير أن أكثرها «غرابة» تلك التي تكون في الفراش وأنت تهم بالاستلقاء، في كل مرة تشعر أنك تهوي إلى بئر لا قاع لها، وترتعد معالمك مثل «إيميليا» في «Babadook»، لا فرق بينكما سوى لون «الشعر» ومصدر رعبكما :» إيميليا كانت تخاف «الشيء» القابع في دولاب الملابس بينما أنت تخاف كل شيء.
في أحد الصباحات تقرر أن تتأقلم مع الحرب، أن تهزمها، أن تجعلها مادة للتندر والفكاهة، تبحث عن « La Vita e Bella» كي «تنسخ وتلصق» شخصية «غويدو»، هذه مشاهدتك المائة للفيلم ولكن هذه المرة بالقلم والورقة، تسجل ملاحظاتك وكيف ممكن أن تخنق هذا الفراغ بداخلك، أو تأجله فقط، وبعد انتهاء الفيلم تمتلئ الورقة بدموعك، فلو كان في «الفكاهة» حل ومخرج لنجا «غويدو»!
يلح الآخرون عليك أن تخرج من البيت لترى الناس، توافق وتنهض لتتأنق، تتحاشى النظر في المرآة، تصيبك رعدة خفيفة وأنت ترى نفسك تنحل، إنه الاعتلال وليس الرشاقة، تتحسس عظام وجنتيك، تطمئن، على الأقل لم تتحول إلى ميا فارو في «طفل روزماري».
لماذا الصابون
تزور بيوت الآخرين، أطباق الطعام والحلوى تدور، لا تخشى من إظهار جوعك بطريقة مجردة تماما من «الإتيكيت»، ما يحدث داخلك يستهلكك تماما فلا مجال لأي تزلف، تندمج في الأجواء، تضحك من قلبك أحيانا، ثم تتسلسل إلى عقلك فجأة موسيقى فيلم « In the Mood for Love»، ويتمثل أمامك «تشو» وهو يضحك بين رفاق العمل ثم يدير وجهه نحو النافذة وبيده السيجارة ويعبس وهو يتأمل ألمه الداكن في المطر، انت أيضا تود لو تعتزل الجمع لدقائق ولكن لا سيجار في يدك، ولا نافذة، ولا صوت سوى صوت ضجيج من صوت الأطباق والأحاديث والأغاني الرديئة.
تتواصل مع النازحين من أمثالك، تكثر الأسئلة، تحاول أن تجد معهم شيئا مشتركا، أن تطمئنك إجاباتهم لعلهم يعرفون شيئا لا تعرفه، تدقق النظر في عيونهم لعلها تدلك على شيء، أي شيء باستطاعته أن يجعلك تحتمل إكمال يومك كنازح، تتذكر « the Secret in Their Eyes»، عندما شاهدت هذا الفيلم الأرجنتيني لأول مرة كنت وحيدا في بيتك، الآن تشعر أنك وحيدا في العالم.
تضبط نفسك أكثر من مرة وأنت تكتب على جسدك، كلمات أغانِ، حكما وأمثالا، يدور أغلبها حول الحرب والسلام والأمل، ثم في الليالي الحالكة تقرر أن تحرس ذاكرتك، أنت لا تعرف كم ستبقى في بلد النزوح، وأنت لا تريد أن تخسر ذكرياتك الخاصة في بلادك، تقرر أن تكتب على جسدك التواريخ وأسماء الأشخاص عناوين المقاهي وبيوت الأصدقاء، حتى لو مت من الانتظار، سيعرف من يغسلك أن لك اسما وبيتا ورائحة في مكان آخر، «ليونارد» كان يستخدم حبرا أسود في «Memento» ولذلك تطرد الفكرة بعيدا كونك لا تحتمل مزيدا من السواد في حياتك.
« ميلا، ولماذا الصابون تحديدا؟»، يظل هذا السؤال يلح عليك كمطرقة، لماذا الصابون تحديدا، لماذا الصابون، لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ تنام من شدة التفكير وتصحو بعد أن يصفو ذهنك قليلا، وفي جميع الأحوال تظل محدقا في سقف الغرفة الأبيض، التي يرتسم عليها السؤال واضحا: لماذا كانت ميلا هناك؟ وليس فتاة أخرى؟ وتشعر بالخواء يبتلعك تماما، لأنه لو علمت ميلا لماذا كانت هي هناك، لعرفت لماذا أنت هنا.
السفير

شاهد أيضاً

قراءة في الخطاب الثقافي الفرنسي تجاه المُقدّس الإسلامي.

* د. محمّد حسني الشريف يمكن مقاربة ما يجري اليوم في شأن النبي العظيم سيدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *