الرئيسية / إضاءات / «القلوب المتحدة في الولايات المتحدة».. رواية من زمن الريادة

«القلوب المتحدة في الولايات المتحدة».. رواية من زمن الريادة


نبيل سليمان

يتواتر اكتشاف الروايات العربية الرائدة، وتتصدر المساهمة اللبنانية ذلك، كما في رواية خليل الخوري (وي… إذن لست بإفرنجي ـ 1865) و(أسرار القصور ـ 1897) لأمين رسلان، و(القلوب المتحدة في الولايات المتحدة ـ 1904) لسليم سركيس. وإذا كان هذا الاكتشاف قد فرض إعادة كتابة نشأة الرواية العربية، فمن اللافت أن الرواية الرائدة (أسرار القصور) قد طبعت أربع مرات بين العامين 1897 ـ 1911، أي خلال أربع عشرة سنة، فكان لها حقاً، كما كتب كاتبها في مقدمتها «ما لم يسبق له مثيل في تاريخ الروايات الشرقية». وقد صح في هذه الرواية المثل القائل (رب ضارة نافعة)، حيث أمر السلطان عبد الحميد بجمع نسخ الطبعة الأولى وحرقها، فكان الرد بطبعة فطبعة، مما تحسدها عليه روايات كبرى هذه الأيام.

من بين الكوكبة الروائية الرائدة هي ذي رواية (القلوب المتحدة في الولايات المتحدة) تخاطب زماننا بعد أكثر من قرن بسؤال النحن والآخر. وقد وضع سليم سركيس (1869 ـ 1926) لروايته عنواناً فرعياً مطوّلاً هو (بيان ما جرى للشيخ اسبيريدون جحا اللبناني والآنسة أليصابات فيلبس الأميركية من الاضطهاد والصعوبات قبل زواجهما من سنة 1899 إلى سنة 1904). ويمكن القول سريعاً إن هذه الرواية تنتمي إلى ما يُعرَف بالرواية التسجيلية، جراء حشد الإشارات المرجعية، بما في ذلك صور شخصيات وأمكنة الرواية. وبسبب هذه المرجعية الفجة أحياناً، يؤثر بعضهم القول بالرواية الوثائقية، لا التسجيلية.
شرق وغرب
في (بيان) المؤلف الذي تصدّر الرواية، نراه متردداً بين أن يكون (المؤلف) الجامع للحوادث والمنسّق لها، وأن يكون (راوياً) للحوادث كما وقعت. وفي الحالتين يعدّ سليم سركيس نفسه «أول مَن وضع في كتاب عربي حادثة حب واضطهاد حقيقية من أولها إلى آخرها». أما غرضه من ذلك فهو أن يخوض في أمرين أولهما: الحب، وثانيهما: العلاقة بين الشرق والغرب.
فالحب في عُرف سليم سركيس لا وطن له، والحب هو عنوان (فصل) من فصول الرواية، كما هو عنوان (دور) من أدوار الطرب: «الحبّ ربّاني وعلّمني الأدب»، و «المحبة لا وطن لها ولا لغة خاصة» و «القلوب لا لغة لها، فهي كالماء منعش على السواء في كل مكان، وكالهواء لا بدّ منه في حياة كل إنسان».
ومن هنا يخلص الكاتب إلى الزواج المختلط بين الأميركية والسوري، حيث يتأسس القول الروائي في الشرق والغرب، وبالتالي في النحن والآخر. فالشيخ اسبيريدون جحا لبناني مهاجر إلى بتسبرغ في الولايات المتحدة. وقد عمل في أول عهده بائعاً متجولاً، حيث جمعته المصادفة والحرفة بأليصابات فيلبس التي تنتمي إلى علية المجتمع. وإذا كان الحب قد عصف ببطلي الرواية هذين، فقد تصدًى له ذوو العاشقة، وحاولوا ـ وبخاصة شقيقها جيمس ـ الحؤول دون زواج العاشقين، لكن الصراع سيُتوّج بانتصارهما. وعبر سرد الرواية لكل ذلك يتبدى كيف لا يفرق سليم سركيس بين نسبةٍ سورية أو لبنانية، بل هو يؤثر الأولى، وهكذا يقول محدداً زمن روايته في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين: «أنا أكتب حوادث هذه الرواية السورية الأميركية في عصر النهضة السورية»، حيث تحوّلت المهاجرة إلى «استيطان». ويلح الكاتب على أن الجيل الجديد من السوريين (المهاجرين) لا بدّ من أن يكون أميركياً في مولده وعاداته وأخلاقه وآدابه. ويذهب الكاتب إلى أنه قد يحضر للسوري أنه سيبقى سورياً، محباً لوطنه، كارهاً لأكثر عادات (هذه البلاد). ولكن ابنه «لا يكون سورياً، بل أميركياً، بحكم المولد والمعيشة والامتزاج». ويتصل بهذا أن يثمن الكاتب في اسبيريدون جحا حرصه على أحسن العادات الشرقية، على الرغم من تخلقه بأخلاق الأميركان. وأليصابات نفسها ميالة إلى العادات السورية، ومولعة باللغة العربية، وتفتخر بأنها سورية، وزوجة سوري. وقد جاء على لسان حنة خادمة أليصابات التي تتجسس أيضاً لأهلها عليها، أن أكثر شبابنا الأميركان اشتهروا بالجرأة والوقاحة، بينما الشرقيون «يؤلهون زوجاتهم»، خصوصاً إذا اتفق لواحدهم أن يجمع بين فضيلة الشرقي وتهذيب الغربي.
الهنود الحمر
بهذا النظر الرحيب للآخر ترسم الرواية العلاقة بين الشرق والغرب، من دون أن يغيب عنها ما فعل الآخر (الأميركي) بآخره (الهندي الأحمر). فمن تاريخ بتسبرغ ينقل سركيس قرار حاكم بسلفانيا باستئصال الهنود الحمر العام 1764، حيث خصص لمن يأسر هندياً ذكراً فوق العاشرة أن يقتله، مكافأة قدرها 150 ريالاً، ولمن يأتي بجلدة رأس ذكر 134 ريالاً، وبجلدة رأس أنثى 50 ريالاً، كما خصص 130 ريالاً لكل من يأتي بأسير هندي دون العاشرة.
لقد تلفّعت الرواية بالبوليسية عبر كيد ذوي ألبصايات لها ولعاشقها السوري اللبناني. ويجهر الكاتب بأنه سعى إلى أن تأتي روايته «على النسق الإفرنجي في كل أحوالها». ولعل الحضور القوي للحوار وللمراسلات أن يكون من علامات ذلك. إلا أن الرواية جاءت أيضاً على غرار ما كان رائجاً، من حيث حشر الشعر فيها، وبخاصة في نهايتها. ولا يبعد عن ذلك حشر الكاتب لأشتات من سيرته في مطلع الرواية التي تنتظم بخفر بين شقيقاتها من الروايات العربية الرائدة، ملوحةً للروايات التي واصلت من بعد، ولم تزل حتى اليوم، التعبير الفني عن الجديد والتعقيد في علاقة النحن بالآخر، سواء في الولايات المتحدة أو معها، أم سواها.
السفير

شاهد أيضاً

عبدُه خال: أتركوني أكتب كما أشاء، ولا تقرأوا لي!

 دعا الروائي السعودي عبده خال إلى ثورة ضد كل الموروث الذي أوقف الأمة عن الحركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *