الرئيسية / فكر / صراع الخرافات

صراع الخرافات


*ناصر يونس

خاص- ( ثقافات )

لنتكلم عن الخرافات يجب أن نحدد مفهوما واضحا للخرافة ونميز بين الخرافة والأسطورة ؟

الخرافة لغة مأخوذة من خرف وهو غياب العقل بسبب الكبر والتقدم بالعمر و غالبا ما يكون مصاحبا للأمراض التي تصيب جملة الجهاز العصبي والدماغ , والخرافة هي التحدث من الخيال والكذب المقصود وما يدلنا على هذا التعريف هو ما تعنيه الخرافة من أحاديث العوام عن الجان والعفاريت و ممارسة السحر وطقوس وطلاسم قديمة قدم التاريخ .

أما الفرق بين الخرافة والأسطورة فإن هذه الأخيرة لها جذرا تاريخيا وبمرور الزمن أخذ بعدا دينيا أو هالة مقدسة وإضافات متنوعة لتمجيد هذا الشخص أو ذاك وفي منطقتنا يعرف جلجامش الملك السومري ورحلته صوب الخلود و كيف تحول في المخيال الجمعي لنصف إله وحيكت عنه عشرات الروايات الخارقة للطبيعة , كما أن هنالك فرق هام بين الخرافة والأسطورة في أن الأسطورة تلبي دوافع نفسية مضمرة في الذات الإنسانية فهي عبارة عن انعكاس للصراع الداخلي لما يجول في دواخله كما في أسطورة أوديب و الصراع العشقي على الأم بين الأب والابن .
بينما نلحظ أن الخرافة بقيت محصورة في أحاديث الأسواق عبارة عن اطغاث أحلام لا تفسير أو خلفية فلسفية او وجودية لها كما في الروايات الشعبية كالسندباد او ألف ليلة وليلة او مصباح علاء الدين في الشرق وكلها تعتمد علي الأسلوب القصصي البطولي للشخصية المحورية وعن أفاعيله والأحداث التي مرت معه دون أن تتجاوز الأسلوب القصصي الحكواتي الشبه ملحمي لأغراض التسلية وربما التأديب الشعبي ويندرج طائر الفينيق ضمن الخرافات الشعبية التأديبية وليس ضمن الأساطير .


لماذا يلجأ الإنسان للخرافة ويبتعد عن الوقائع المادية؟

إن مهنة الحكواتي التي ما يزال البعض يحن لها بحاجة لشد أذان وأذهان المستمعين لما ترويه من أحداث وأخبار وهمية لتبقى محافظة على مصدر رزقها , وهي كحالة ليست فقط مصدر تسلية وباب رزق في المقاهي والمجالس التقليدية , بل عودة الإنسان للماضي المجيد هو هروب من الحاضر البائس هي سلفية لماض يجب أن يكون مصدر فخر ومباهاة وذكر د حجازي ذلك في كتابه سيكولوجيا الإنسان المقهور:

الإنسان المتخلف كالمجتمع المتخلف سلفي أساسا , يتوجه نحو الماضي ويتمسك بالتقاليد والأعراف بدل التصدي لحاضر والتطلع إلى المستقبل , وتزداد السلفية شدة وبروزا بمقدار تخلف المجتمع ,وبشكل يتناسب طرديا مع درجة القهر التي تمارس على الإنسان فيه .
والتمسك بالتقاليد تبعد الإنسان المقهور عن خطر المجابهة وقلق المجهول , وقلق التغيير فمن تمسك بالتقاليد لا ضير عليه ولا خطر يتهدده في الظروف العادية , كما أن المتسلط الذي يعزز وطأة التقاليد يؤمن للإنسان المقهور الحد الأدنى من الحماية عادة نظرا لحاجته إليه كأداة لخدمة أغراضه , إن الإنسان المقهور الذي لا شرف له يتخذ من تمثل التقاليد والأعراف مصدرا للشرف والاعتبار , يتخذ من قدرته على مراعاة المعايير السائدة مصدرا للكبرياء والرضا عن الذات 108

والحياة البائسة خاصة في الاستبداد و العازة المادية والضغوطات النفسية تولد حالة من النكوص لدى الفرد واستلاب للقصص الخرافية بأبطالها وأحداثها الملحمية و أورد د حجازي في ذات المصدر الأتي :
يزداد انتشار حلقات القصص الشعبي بمقدار الغبن المفروض على الإنسان ومقدار خلو الحاضر من الأمجاد , قصص البطولات الشعبية من الناحية النفسية , عرض لمأساة الجماهير من ناحية , وأملها في الخلاص , في تغير المصير من ضعف إلى قوة ومن مهانة إلى عز …112


هل كل الشعوب على سوية واحدة في تقبل الخرافات؟
الخرافات منتشرة عند جميع الشعوب فأوربا ولعصر ليس ببعيد قبيل دخول المسيحية لها كانت تحتفل بسبت الساحرات وهو عيد يعتقد أن الساحرات كانت تجتمع فيه مع بعضها البعض في الغابات النائية أو الأماكن المهجورة و ربما اختفت الديانات الوثنية التي كانت تعتقد بهذه الساحرات لكن أثرها بقي في المجتمع وتحولت محاكم التفتيش لجزار يتهم كل من يعارضها بالهرطقة والكفر وممارسة السحر و أعدم وأحرق الكثير من النساء بتهمة ممارسة السحر والمقصود هنا سبت الساحرات وربما اختفت محاكم التفتيش والسحر لكن بقيت الصورة الكاريكاتورية حاليا في الأفلام والروايات عن صورة الساحرات التي يجتمعن مع بعض وهن يستخدمن المكانس القشية في الطيران.
وقد تشترك مجموعة شعوب في خرافات معينة كما خرافة التنين حيث هنالك أساطير صينية من الشرق ومن الغرب وقد ورد ذكر التنين في الالياذة في أكثر من مناسبة .


علاقة الخرافات بالأديان و المعتقدات 
من بعض الخرافات التي لجأ إليها الإنسان لمساعدته , لعنة من يعبث ويسرق القبور المصرية القديمة حيث حيكت العديد من الأحاديث واللعنات و الأسحار التي ستصيب من يعبث بقبر الفرعون الفلاني ولا تزال هذه الخرافات تلقى رواجا وإقبالا كثيرا من قبل السياح ويروج لها داخليا كنوع من التجارة لبيع التحف والرموز المرتبطة بها .

وهذه الخرافة إن لم تكن من أصول الديانة المصرية إلا إنها استمرت أكثر منها ربما , وهنا يجدر الإشارة أن الخرافة تنمو في ظلال الأديان وتنتشر في البيئة المستنقعية الضحلة الفقيرة السطحية ومنها ما يقال أن إبليس كان طاووس الملائكة في العرش الإلهي قبل أن يرفض السجود لأدم علما أنه تم توصيفه قرآنيا بأنه (من الجن ) كما لا تخلو بعض الخرافات من الروح التاريخية او ما قد ينسب إليها من خوارق للطبيعة فلدينا مثلا الشخصية الخيالية عبد الله بن سبأ وما حيك عنه وتم تحميله من آثام و فتنة وما سيق عن هذه الشخصية من المتناقضات والجدل حول وجودها من عدمها أصلا فيعتقد كبار المؤرخين ان ابن سبأ شخصية خرافية الغرض من اختراعها سياسي ديني لا أكثر .

كما ورد الكثير من الخرافات التي نسبت للدين الإسلامي وما يزال يتم تسويقها لليوم منها المهدي المنتظر عند الشيعة و الحرب في مرج دابق ضد الكفار عند السنة , وخرجت من الإطار الخرافي المنزوي في دهاليز المخيال الجمعي الخرافي إلى الاعتقاد التام والمطلق بها وهذا سأورده لاحقا .

كما لا تقتصر الخرافات على الأديان بل ظهرت في القرن العشرين بأساليب جديدة وحاولت استخدام العلم في ذلك لكنها فشلت ولعل أهمها خرافة العرق الأنقى ويدعي أصحابه إنهم من عرق واحد يتميز عن باقي الأعراق ولعل هذه الفكرة السخيفة كلفت البشرية الملاين من الأرواح في الحرب العالمية الثاني حين أقنع هتلر الناخبين الألمان بخرافة مزاعمه عن أن الألمان هم العرق الأسمى في العالم وأنهم يجب أن يحكموا العالم ,و حيث تنفى صفة البشرية عن باقي الأعراق باعتبارهم درجات ثانية وثالثة و يتم احتلالهم لأنهم حقراء متخلفون لا يستحقون الحياة ومع أن علماء الوراثة نفوا ان يكون هنالك نسب نقي للشعوب حتى في تلك الشعوب الأكثر انعزالا كالاسكيمو أو القبائل الاسترالية إلا أن فكرة العرق الأسمى و النزعة القومية تجد لها شعبية في الشرق بعد أن تم التخلص منها في الغرب قبل خمسين عام وأكثر وهي ملحوظة في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والذي سجلت بحقه أعمال تطهير عرقية غير مبررة في شمال شرق سوريا .


ما تأثير الخرافات على تصرفات البشر الاجتماعية سياسيا واقتصاديا؟
لم تعد الخرافات كما السابق مقتصرة على قصص أبا زيد الهلالي وأشعار عنترة ومآثر حاتم الطي بل تجاوزت ذلك البعد النصحي التأديبي لتدخل في المقدس الواجب ولم تكتفي بان تكون منتهية مفعولة بل إخبارية أمرية بحاجة لإتمام ولعل أكثر ما يثير للسخرية هو خرافة نهاية العالم عند جميع معتنقيها وخاصة تلك الخرافات التي تحض علي تجهيز العدة والعتاد فعند شهود يهوى نهاية العالم ستكون بمعركة نهائية بين عباد الله الأخيار و أعداءه الأشرار في منطقة هرمجادون لكن هذه الخرافة لم تبقى عندهم بل انتقلت لبعض الكنائس المسيحية و اليهودية و ستجد من يؤمن بها من المسلمين وخاصة السلفيين منهم وداعش خير مثال على ذلك فصحيفتها الرسمية (دابق) هي على اسم المعركة النهائية المنتظرة بين المسلمين والكفار والتي سينتصر بها المسلمين ويغزون العالم كله ,وفعلا قد جيشت داعش الآلاف من الشباب وأقنعتهم بذلك حين احتلت القرية الصغيرة في شمال سوريا لتأخذ زخما ملحميا أسطوريا لكنه ليس سوا خرافات نسبت بحديث للنبي محمد الذي هو نفسه لا يعلم الغيب بدليل ما ورد في القرآن ذاته 
(ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ) الأقحاف 9
لكن المصيبة ليست بداعش نفسها أكثر بمن ينتقد داعش بنفس الأسلوب الخرافي وخاصة من يروي زورا عن النبي محمد حديثا لتوصيف داعش (سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متفق عليه.
وهنا لست أدري كيف عرف صاحبنا هذا إن تاريخ اليوم هو من آخر الزمان وانتهاء الساعة ولماذا داعش الذين يلبسون الأسود وحدهم المقصودين بهذا الكلام وليس هو نفسه و باقي الغربان التي تنعق بالسواد من جميع الملل والتي تستهلك موارد وثروات كل الملل لتفرض خرافتها على الآخرين ؟!

تخاريف نهاية العالم ليست مقتصرة حاليا على عوام الشعب بل من يمتلك زمام السلطة والمال والتأثير فتجد مثلا أن أحمدي نجاد الرئيس السابق للجمهورية الإسلامية الإيرانية صرح منذ أسابيع قليلة عن أن أمريكا تترقب ظهور المهدي وأنها طورت إمكانيتها العلمية لذلك , هذا كلام شخص انتخبه 80 مليون إنسان في إيران وكان يمتلك ثان احتياطي بترولي وغازي في العالم , لكن المصيبة أن الأمر لا يقتصر عليه أو على الدواعش وأشباههم بل في كل الديانات كما سبق وأوردت ف(هرمجدون) تظهر مرة واحدة فقط في العهد الجديد اليوناني، في Revelation 16:16. وهذه المعركة المصيرية ينتشر أتباعها في أمريكا وإسرائيل ويؤكدون ويقدمون الأدلة عليها وان بدايتها قد اقتربت ويشيرون إنها ستكون في جبل صهيون في فلسطين.



حرب الخرافات في القرن العشرين

المعركة الحالية في سوريا يحلو اليوم للجميع إعطائها توصيفات جديدة فهي ليست بنظرهم معركة سلطة مستبدة وثورة حرية وكرامة بل حرب تحضيرية بين الكفار والمؤمنين فتجد أنصار المهدي يحشدون للتحضير لعودته (عجل الله فرجه) وهي في نظر آخرين تحضير لمعركة عالمية في دابق بين المسلمين و الكفار الصليبين المشركين ويعدون العدة للحرب الكبيرة القادمة , وآخرين يحاربون أنصار المهدي وأنصار دابق باعتبار أنهم روافض وخوارج وان الرسول حدث عنهم سيخرجون في (آخر الزمان 2012م) وانه يجب قتلهم وهذا ما يحدث قتل جماعي خرافي مجنون غير واعي بنفسه لأي قاع وهمية قد سقط بها.
في تعقيدات المشهد السوري منذ بدايته وتحول المظاهرات السلمية التي نادت بالحرية وما لاقته من عنف ثم عنف مضاد ودفع الإنسان المهدور الكرامة إلى عتبة الوجود و إقحام الواقفين على الحياد في دخول المعركة عبر القصف العشوائي أو التكفير الجماعي دفع بالناس للجوء لمجموعة رموز تحمل الرمزية والراحة النفسية أمام القلق الوجودي الذي يهدد حياتهم وكانت الفرصة مناسبة لاستجلاب عناصر ومقاتلين من الخارج من كل الجهات للانتصار في هذه المعركة وتم زيادة الزخم الخرافي لتوصيفات الحرب من كل الأطراف ليحققوا أكبر قدر ممكن من الدعاية التي تؤكد لكل جمهور أحقيته المطلقة في إقصاء و رمي الآخرين في جهنم بوصفهم لا أعداء سياسيين بل كفار ملاعين وأن معركتهم الحالية هي برعاية إلهية , في هذه الفوضى التي لم يعد المجتمع الدولي قادرا على إيجاد تسوية لها – في حال كان لديه نية لذلك- يبقى الخيار الصعب هو الوقف خارجا رغم الألم والمعاناة التي طالت مئات الألوف من الأرواح التي زهقت وتزهق على مهل , في صراع الخرافات يجب أن يكون لديك موقف عقلاني .

شاهد أيضاً

حاجتنا إلى فكر الإمام محمّد عبده

( ثقافات ) *حاتم السروي قبل الشروع في الحديث عن ميراث الإمام المجدد محمد عبده …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *