الرئيسية / قراءات / على الحب أن يعاد ابتكاره دائماً

على الحب أن يعاد ابتكاره دائماً



شوقي بزيع

الحوارات التي يجريها الإعلاميون والنقاد والمشتغلون بالثقافة مع شعراء العالم ومفكريه ومبدعيه الكبار تتفاوت في أهميتها بشكل واضح، بحيث يشكل بعضها وثيقة معرفية وأدبية تستحق النشر في كتاب مستقل، بينما يبدو بعضها الآخر مجرد إضافة نافلة إلى نصوص المبدعين أو إعلان ترويجي عن إصداراتهم الجديدة. وفي الحالتين معاً تعتمد قيمة الحوارات على قامة المحاور (بكسر الواو) والمحاور (بفتحها). وإذا انتمى كلاهما إلى عالم الثقافة العميقة والإبداع الخلاق فإن اللقاء بينهما يكون غنياً ووارفاً وآهلاً بالثمار. والكتاب الصادر عن لقاء كهذا سوف لن يقل بطبيعة الحال عن الأعمال الأساسية لكلا الطرفين. وإذا كانت الأمثلة والشواهد على كتب المحاورات أكثر من أن تحصى فتمكن الإشارة إلى بعضها على الأقل، حيث تقع تحت هذا الباب الحوارات التي أجراها صقر أبو فخر مع أدونيس وكريم مروة، والحوار بين أدونيس وفاتح المدرس، وحوار عبده وازن مع محمود درويش، وحوار عباس بيضون مع حسين مروة، وجمال الغيطاني مع نجيب محفوظ، وحوار جواد صيداوي مع صلاح ستيتية، وغيرها الكثير من الحوارات التي صدرت في كتب مستقلة وكشفت عما استغلق من بواطن الكتَّاب والمبدعين وخلفيات تجاربهم وتفاصيل حياتهم اليومية.

ينضم كتاب «في مدح الحب». الذي نقلته إلى العربية غادة الحلواني، والذي كان في الأصل حواراً مطولاً أجراه الفيلسوف والكاتب الفرنسي نيقولا ترونج مع الفيلسوف والمفكر المعروف آلان باديو، إلى هذه السلسلة القيمة من المحاورات التي تشبه في بعض الأحيان لقاء على القمة بين ذروتين معرفيتين. وفي تقديمه القصير للكتاب، الصادر عن دار التنوير، يشير باديو إلى أن حماسه للحوار ناجم في الأساس عن بعده الطقوسي الذي يذكِّره بالطقوس المسرحية القديمة لوقوع الفيلسوف صريعاً أمام ضربة الحب القاصمة التي تسددها نحوه على حين غرة نظرة امرأة لا يقاوم سحر إغوائها. ذلك أن حوار ترونج ـ باديو عن الحب وتفرعاته كان علنياً ومباشراً وأمام الجمهور ضمن مهرجان أفينيون المسرحي. وهو ما أعطى للغة كما للأفكار حيوية خاصة ودفئاً استثنائياً مختلطاً بأنفاس البشر المتعطشين إلى معرفة ما يدور في ذهن الفيلسوفين المتحاورين حول أكثر العواطف الإنسانية احتداماً وخلوداً وصلة بالشغاف. على أن الحديث عن ذلك الحوار الشيق لا يستقيم من دون الإشارة إلى المقدمة الطويلة للحوار التي تناول من خلالها الكاتب فابيان تاربي شخصية آلان باديو الملتبسة والبالغة التنوع والغموض، متسائلاً بحيرة: «من هو آلان باديو؟ أهو ماوي (نسبة إلى ماوتسي تونغ) أبدي، أم إرهابي فكري ذو ميول يسارية؟». ليتابع القول «إنه إرهابي بلا شك، ولكنه إرهابي هرمسي هذه المرة. وهو الرجل الذي يلغم إعلاناته الفلسفية بالتعاويذ الرياضية. ثم يعرض تاربي لقدرة باديو على الجمع بين الفلسفة الكلاسيكية وبين المنطق الرياضي الذي لا يجعل العالم واحداً بل يفتحه على لامتناهي الدلالات المنقسمة، كما بين الجدل الهيغلي وبين تجاوز المادية في المادة وربط فيزيائية أبيقور وبيولوجية لامتري وسوسيولوجية ماركس بالقوانين المنطقية التي تنظم بآليات لا تخطئ حاجة الوجود إلى الاستمرار.
هكذا بدت توطئة تاربي العميقة وشبه الشاملة للحوار في مكانها تماماً. إذ إنها سلطت الضوء على العديد من كتب باديو ومقولاته الفلسفية، متيحة للقارئ أن يقف على خلفية الآراء الجريئة والصادمة التي يشرعها صاحب «معنى ساركوزي» على المزيد من الالتباس والشك وقلق الأسئلة الحائرة، لا على الإجابات المطمئنة. وربما كان موضوع الحب بما يمتلكه من جاذبية وسحر وسطوة على الحاضرين، كما على الدائرة الأوسع للقراء، هو الذي خفف من وطأة الغوص في لجج الفكر الخالصة والتجريدات الثقيلة للغة الفلسفية التي يهرب الكثيرون من «فظاظتها». ولعل أكثر ما يميز باديو عن سواه من الفلاسفة المعاصرين هو حماسه المفرط لتلك الشعلة المتقدمة من المشاعر التي تعزز الذات الإنسانية وتعصمها من التفتت أو التلاشي. فهو كفيلسوف منحاز للأفكار، لا بوصفها تمثيلات عقلية بسيطة بل بوصفها المحدد الأهم لخيارات العيش وأنماط الوجود، يرى في الحب الدافع الأهم لتعلقنا بالعالم، ولاكتشاف ما في دواخلنا من قوى مضمرة ترغب في التحقق.
أنت ينبوع وجودي
لقد ساعد نيقولا ترونج من جهته على منح الأفكار المجردة لباديو فرصة التحول إلى أفكار ملموسة وغنية بالشواهد وقادرة على اجتذاب القارئ وتجنيبه الشعور بالملل أو التعب، خاصة أن ترونج استطاع بتواضع جم أن يغيِّب نفسه، مكتفياً بطرح الأسئلة المناسبة التي يمكن ان تُخرج من باديو أفضل ما لديه من الآراء والقناعات. وقد أسهب هذا الأخير في تبيان عزوف الفكر الرأسمالي الليبرالي عن الحب كقيمة إنسانية رفيعة، واعتباره بالتالي مخاطرة عديمة الجدوى. فالليبرالية ونظرية الإرادة الحرة تضعان الابتعاد عن العشق والوله العاطفي شرطاً أساسياً لأي زواج ناجح، وتُحلان محلهما نشدان المتع الاستهلاكية والترتيبات الجنسية المبهجة. وإذا كان باديو لا يصل إلى الحد الذي ذهب إليه جاك لاكان من نفي العلاقة الجنسية واعتبار جسد الآخر الشريك ليس سوى وسيط رمزي لتحقيق اللذة، فإنه مع ذلك يعتبر أن الحب وحده هو ما يملأ الفراغ القائم بين الشريكين في لحظة التواصل الجنسي، التي يرى فيها لاكان لحظة للانفصال لا للاتصال. يرغب الحب وفق باديو في أن يغلف الرغبة بغلاف من التفاعل الحنون مع الآخر بحيث تصبح طقوس الجسد هي التعبير المادي عن العاطفة الجياشة. فكلمة أحبك عنده تعني: «أنت ينبوع وجودي في هذا العالم، وفي مياه هذا الينبوع أرى فرحنا المشترك، وأرى فرحك أنت أولاً». والشخص المحب يجهد في الوصول إلى كينونة الآخر، وإلى ما وراء النرجسية المجردة في داخله.
على أن ذلك لا يعني عند باديو تماهياً مع الآخر أو انصهاراً فيه، كما يرى المتصوفة ومجانين الحب والعشاق الرومنسيون، بل يعني التكامل والتفاعل الأمثل بين ذاتين مستقلتين ومحتفظتين بهويتهما الخالصة. وحين يعرض ترونج لفكرة الإنجاب التي تجعل من الطفل المولود ثمرة رمزية لحنين المثنى إلى وحدته، لا ينكر باديو حنيناً كهذا ولكنه لا يرى فيه أصل الحب وجوهره، وإلا فكيف نفسر الحب المشتعل عاطفة لغير المتزوجين، أو لزوجين لا ينجبان بسبب العقم أو انتفاء الرغبة. ولا يجب الخلط عنده بين الحب والسياسة لأنهما على طرفي نقيض، حيث الأول ينتمي لسرمدية الزمن والثانية تنتمي للعابر والظرفي، الأول مفعم بالحنان والحدب والشغف، فيما الثانية قائمة على الكراهية والتسلط والجشع المادي والسلطوي. وإذا كان ثمة من تقاطع ما بين الحب والسياسة فهو موجود في لحظات التأسيس الثوري وحدها، حيث يشكل الحماس والبحث عن العدالة والجمال أساس العلاقة مع المستقبل.
أما التقاطع بين الحب والفن فيقوم على أسس بالغة الرسوخ لأن كليهما يمثل اللحظة التي يخترق فيها الحدث القائم الوجود برمته. فالعلاقة بين الحب والمسرح، في رأي باديو، هي علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد، وهي وصف لهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين. والحب يجيب بشكل ملموس عن أعمق الأسئلة التي يطرحها الفرد على نفسه وهو يحاول أن يخرج من مواجهته مع شراسة العالم بأقل الأضرار الممكنة، حيث يجد في الآخر المعشوق ظهيره وملاذه وشريكه في المصير. وقد دمج السورياليون بين الحب والجنس، بوصف هذا تعبيراً عن الامتلاء بالوجود، بشهوة الحياة حتى ذروتها، ودعماً للثورة على الواقع المترهل، وحيث لم يأبهوا لخلود الحب أو استمراريته فقد رأوا في اللحظة الممتلئة بالكثافة تمثيلاً لصورة الأبدي في حالة الثمل الخالص. وحيث يستشهد الفيلسوف الفرنسي بقول أفلاطون «إن الشخص الذي لا يتخذ الحب نقطة بداية له لن يعرف أبداً ما هي الفلسفة»، يعتبر من جهة ثانية أن الحب لا يولد كاملاً ولا هو حالة ناجزة، بل علينا أن نعاود تأهيله باستمرار وفقاً لمقولة رامبو: «إن على الحب أن يُبتكر دائماً من جديد.
ولعل أطرف ما في الحوار الشيق بين ترونج وباديو هو ذلك القسم المتعلق بشخصية الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي، الذي خصه الأخير بكتاب مستقل عنوانه «معنى ساركوزي». فباديو يرى أن فرنسا تسير عبر تاريخها على خطين متناقضين: خط الثورات العظيمة التي يمثلها روسو وفلاسفة التنوير والثورة الفرنسية وكومونة باريس وحركة الطلاب عام 1968، والخط النقيض الذي يمثله ميراث فرساي والحروب الكولونيالية، وصولاً إلى ساركوزي الذي يمثل «الرجعية الوسواسية» والهوية الفرنسية الشوفينية، مطعمة بنكهة أميركية فظة من جهة، ومستعيدة النوستالجيا الكولونيالية من جهة أخرى. لذلك فإن ساركوزي في رأيه هو نقيض فكرة الحب التي تعارض ذوبان الأنا بالآخر، وتنتصر للتكامل بين طرفي المعادلة الإنسانية العاطفية ضمن جمالية الاختلاف. ومع ذلك فإن ثمة بعداً درامياً لمغامرة الحب التي تطحن في طريق تحققها الفوارق بين الحكام والمحكومين، الأثرياء والفقراء، حيث يفقد كل طرف امتيازاته وسلطته، لا لمصلحة الطرف الآخر المهيمن بل انصياعاً من الطرفين لمشيئة الحب القاهرة. حتى ساركوزي، وفق باديو، يعاني الكثير من الوساوس والمكابدات «وهو ينتظر يائساً رسالة ما قد لا تصل أبداً».
السفير

شاهد أيضاً

“كوابيس الرجل الفراشة” لرشيد اغبارية.. مجموعة قصصية ذات رؤية نقدية لا تجامل أحدًا

( ثقافات )   “كوابيس الرجل الفراشة” لرشيد اغبارية.. مجموعة قصصية ذات رؤية نقدية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *