الرئيسية / إضاءات / مارجريت أتوود: لم أفكر بالشهرة ولا بالثروة لكنني سعدت عندما جاءتا

مارجريت أتوود: لم أفكر بالشهرة ولا بالثروة لكنني سعدت عندما جاءتا



طلال فيصل مع مارغريت أتوود

حوار : طلال فيصل


بعد نصف ساعة، لا أكثر، من الجلوس مع الكاتبة الشهيرة مارجريت أتوود، ستدرك بوضوح سرَّ نجاحها المدهش الذي حققته في الكتابة، سواء على المستوى النقدي أو المستوى التجاري، وسر استمرار هذا النجاح لفترة زمنية طويلة تكاد تتجاوز العقود الأربعة حتى الآن، أنها لا تتوقف، إطلاقاً، عن التفكير أو السؤال! بمجرد دخول قاعة المحاضرات تتأمل اسمها، قاعة سالي بوردن، تسأل: لماذا تحمل هذه القاعة هذا الاسم؟ تتأمل الجو من حولنا ثم تسأل: لماذا تتناثر الحبيبات البيضاء في الجو؟ هل هناك مزارع قطن قريبة؟ هل رأيت هذا الحيوان الذي كان يجري بسرعة أمام أعيننا؟ هل تعرف اسمه؟ ماذا يجري في مصر الآن بالضبط؟ ماذا تتوقع أن يحدث بعد عام ونصف من الربيع العربي؟ كنت مندهشاً من تلك المرأة التي تقترب من الثمانين وتحمل بداخلها كل هذه الطاقة، ليس للمعرفة أو التساؤل فحسب، ولكن أيضاً للحياة بمفهومها الواسع. أضف إلى ذلك أيضاً نظامها الصارم، فهي تستيقظ يومياً في الخامسة صباحاً وتكتب ألفي كلمة، بالعدد، ثم تمنح عشرين دقيقة لموقع تويتر للتواصل الاجتماعي! قبل أن تنزل لتناول الإفطار وتبدأ يومها مع المحاضرات أو الندوات المطلوبة منها. وأضف لكل ذلك قدرتها المدهشة على السيطرة على المستمعين، وخفة ظلها وروحها التي تجعلك لا تريد أن تفارقها أبداً، وسرعان ما ستدرك ببساطة سر نجاح هذه الكاتبة المدهش، والمستمر. 
ضمن ورشة الكتابة التي يعدها سنوياً مركز الكتاب والمترجمين في بانف بكندا، كنت مدعواً أنا وستة عشر كاتباً ومترجماً، في ضيافة عدد من كتاب كنديين – أهمهم إلستير ماكلويد، صاحب واحدة من أهم الروايات الكندية، وهي «أذى كبير»، والتي تمت ترجمتها لأكثر من ثلاثين لغة، ومارجريت أتوود بالطبع، ذات الشهرة الطاغية والمرشحة الدائمة لجائزة نوبل. فازت أتوود بجائزة البوكر عام 2000 عن روايتها «القاتل الأعمى» بعد أن رشحت لها أربع مرات قبل ذلك، كما فازت تقريباً بكافة الجوائز التي تمنح لأديب كندي، فضلاً عن تصدر روايتها لقوائم الأكثر مبيعاً، وآخرها روايتها «عام الفيضان» وهي بمثابة جزء ثان لروايتها «أوريكس وكريك»، والتي رسخت فيها لمفهومها عن أدب التنبؤ، القائم بين أدب الخيال العلمي والأدب الواقعي.. في مدينة بانف الجبلية كان هذا الحوار المطول مع مارجريت أتوود، حول الكتابة والجوائز والنقاد والصبر والترجمة.. أسألها:

– هل يدهشك أن تعرفي أن كتابيّ «القاتل الأعمى» و«مفاوضات مع الموتى» يتصدران قائمة الأكثر مبيعاً في مصر؟
– فعلاً؟ لم أكن أعرف.. لماذا لا يخبرونني بهذه المعلومات المبهجة؟ (تضحك) لا أظن أن مهمة نقل الكتاب لثقافة أخرى هي مهمة سهلة أبداً، إنها تتطلب ناشرين شجعان ومترجمين متفانين في عملهم، ترجمة عملي ليست سهلة أبداً. 
أنا أعرف بشكل شخصي واحداً من مترجمي «أوريكس وكريك» وقد ابيضّ شعره أثناء ترجمة هذا العمل.
أنا شخصياً شعري قد شاب أثناء كتابته، فهذا منطقي جداً (تضحك).
كذلك كتابك «مفاوضات عن الموتى» يعتبر كتاباً مقدساً في ورش الكتابة الأدبية التي بدأت تظهر في مصر في الفترة الأخيرة.
هذا يبدو غريباً نوعاً ما، لأن «مفاوضات مع الموتى» ليس عن تقنيات الكتابة ولكنه عن فكرة الكتابة ذاتها، نظرة من الخارج كما حاولت أن يكون، ولكن انتشاره أمر يفرحني على أي حال، لا أستطيع حتى أن أعلق عليه.
أنت معروفة باهتمامك بفكرة تدريس الكتابة الإبداعية، وبشكل أوسع الكلام عن الأدب من منظور نقدي أو تقني، سواء كتابك «مفاوضات مع الموتى» أو كتابك البديع «بقاء» الذي تقدمين فيه تأريخاً شيقاً للأدب الكندي، لماذا هذا الولع بالكتابة النقدية أو الكتابة عن الكتابة؟
الكتابة عن الكتابة أمر مغر دائماً عندما لا يكون لديك ما تقوله! (تضحك) عندما كتبت كتابي «بقاء»، الذي تشير إليه، لم يكن يعرفني أحد تقريباً وقتها، كنت لا أزال صغيرة، لكني كنت بحاجة لفهم ماذا يعني أن أكون كندية، هل هناك أدب كندي؟ هل هناك ضرورة لوجود شيء بهذا الاسم أصلاً؟ كندا دائماً يتم تعريفها بالنفي، نحن لسنا أميركا، نحن لسنا أوروبا، ووجدت أن أفضل طريقة لفهم ملامح هذا الأدب هو دراسة الأنماط التي يتحرك فيها. من آن لآخر تجد نفسك بحاجة لكتابة كتاب معين لفهم أين تقف بالضبط، أغلب كتبي غير الروائية من هذا النوع. 
هل قرأت شيئاً من الأدب العربي، القديم أو المعاصر، هل لديك أي انطباعات عنه إن كانت الإجابة بـ «نعم»؟
قرأت الكثير عنه، والقليل منه، بالإضافة لأن كل ما قرأته سيكون مترجماً، أنا لا أقرأ سوى بثلاث لغات، وكلها أوروبية للأسف. هناك عبارات مقتبسة في روايتي «قصة الخادمة» من الشعر الصوفي، أذكر هنا أن ترجمة فيتزجيرالد لرباعيات الخيام كانت كتاباً شبه مقدس عند صدورها في أوروبا وأميركا، كان كل بيت فيه نسخة من الإنجيل ورباعيات الخيام (تضحك). هناك كتاب عربي قديم أيضاً أنا مفتونة به هو «مرافعات الحيوان والإنسان أمام ملك الجن».
هذا كتاب معروف في الثقافة العربية، وهو «رسائل إخوان الصفا» والتي كانت جماعة فلسفية مؤثرة جداً في القرن العاشر.
– هذا كتاب ساحر فعلاً، أعود له من وقت لآخر، وهو مفعم بحكمة حقيقية نادرة. كذلك أقرأ من آن لآخر كتاباً معاصرين أو كتباً لمؤرخين، ويبدو أن الأدب العربي بدأ ينشط ويحقق نوعاً من التنوع مؤخراً. هذا كان انطباعي عند زيارتي لمعرض أبو ظبي للكتاب العام قبل الماضي، وهي زيارتي الأولى لتلك المنطقة.
-باعتبارك كاتبة مهمة وكبيرة الآن – بالمعنى الأدبي للكلمة – هل لديك مشكلة لكونك «أكثر مبيعاً» أو كاتبة منتشرة بالمعنى التجاري للكلمة، البعض يقولون إن هذا هو سبب تأخر جائزة نوبل عنك حتى الآن؟
– يا بنيّ، الجميع يسألونني عن جائزة نوبل بينما أنا ليس لدي أي سلطة في هذا الشأن، لماذا لا تتوجهون بهذه الأسئلة للجنة الجائزة نفسها (تضحك)، أما بخصوص العلاقة بين النجاح الفني والتجاري فهناك أربعة أنواع من الكتب: كتب جيدة رائجة، كتب جيدة غير رائجة، كتب رديئة رائجة، كتب رديئة غير رائجة. النوع الأخير بالتأكيد هو النوع الذي لا يريد أحد منّا كتابته (تضحك) بالنسبة لسؤالك، فالقارئ طبعاً مهم للغاية، على الأقل بالنسبة لي، ربما أهم من الناقد، لأنه نوع متخصص من القراء. أحد أجمل مصادر الغموض في الكتابة هو أنه يستحيل فعلياً مقابلة هذا المدعو بالـ «قارئ»، لأن كل قارئ متفرد تماماً، لكنك رغم ذلك تأمل وتؤمن أن هذا القارئ، هو أو هي، مختبئ هنا أو هناك، موجود في مكان ما.
أنت لا تحبين النقاد في المجمل، إذن؟
– أنا أقول لك من هم «النقاد» بالضبط، هم نوعان: أبناء العجائز وأبناء الكهنة، النوع الأول هم الجالسون على المقاهي يطلقون الأحكام المطلقة والشائعات على الروائيين، والنوع الثاني هم الأكاديميون وأساتذة الجامعات الذين يحتكرون الكلام عن الأدب كما كان الكهنة يحتكرون الكلام عن النصوص المقدسة!
– هذا يجعلني أطرح الانتقاد الموجه لك دائماً، أنك تتحركين بين أنواع فنية كثيرة، طوال الوقت، الرواية والشعر والقصة القصيرة والكتب النثرية غير الروائية، مثل كتابك الأخير عن الدين العام والاقتصاد..؟!
– هذا من أخطاء الدعاية، والتي لا يمكنك أن تسيطر عليها. قررت دور النشر فجأة أن تعتبر كتابي كتاباً عن الاقتصاد لأنه صدر مع هذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب العالم، لكني – بالطبع لم أكتب كتاباً عن الاقتصاد، أنا غير مؤهلة لفعل ذلك. إنه كتاب أدبي عن فكرة الدَين بشكل عام وأثرها في الفكر والأدب والفلسفة، هذا يمنحك درساً مهماً في أول الطريق، أنه حتى لو صرت كاتباً كبيراً وشهيراً – مثلما أنا الآن – فلن يمكنك السيطرة على ما يقوله الناس عنك (تضحك).
ولكن فكرة أنك تنتقلين بين أنواع أدبية مختلفة، بل إن لديك كتابين صدرا مؤخراً لا يمكن تصنيفهما تقريباً، بين السيرة الذاتية أو النثر أو القصة القصيرة، أو حتى الشعر؟
حسناً، أنا كتبت أنواعاً أدبية متعددة لأن أحداً لم يخبرني وأنا صغيرة ألا أفعل ذلك (تضحك).. سأحكي لك يا صديقي الصغير حكاية لطيفة. كان يا ما كان، كان هناك ثعلب وقط، الثعلب لديه أكثر من حيلة ليهرب من الكلاب، أما القط فلديه طريقة واحدة للهروب من الكلب، تسلق الشجرة! ولكنها – للإنصاف – تفعل ذلك بشكل رائع جداً (تضحك) لم يقل أحد إن القط أفضل من الثعلب أو العكس، إنها مسألة حيل، لو أن لديك أكثر من حيلة استخدمها، لو أن لديك حيلة واحدة، استخدمها بشكل جيد، لا مفر.
– متى أصبح بإمكانك أن تتكسبي عيشك من الكتابة؟
هذا يتوقف على مفهومك لكسب العيش، ومدى طموحاتك المالية في الحياة. على كل حال، أنا بدأت الكتابة في سن مبكرة للغاية، السادسة عشرة تقريباً، وفي عيد ميلادي الثاني والثلاثين كنت قادرة على تأمين دخل جيد من الكتابة، أعني بدخل جيد أنني توقفت عن اقتراض النقود (تضحك) في النهاية، في ذلك الوقت كنا شباباً مفعمين بالحماس ومكرسين تماماً للكتابة، أنا شخصياً لم أفكر لا في الشهرة ولا النقود، لكني لا أنكر أني سعدت عندما جاءتا!
ربما تكون هذه هي قيمة «الصبر» التي ينبغي على كل كاتب شاب أن يتعلمها، لقد انتظرتِ طويلاً مثلاً قبل أن تحصلي على جائزة البوكر مع أنك كنت تستحقينها قبل ذلك بوقت طويل؟
تم ترشيحي ثلاث مرات لجائزة البوكر في القائمة القصيرة قبل أن أحصل عليها عام 2000 عن «القاتل الأعمى»، أخيراً! في المرة الأولى عام 1986، عن رواية «قصة الخادمة»، ولكنهم قالوا، لا إنها لا تزال صغيرة، من الأفضل أن نعطيها لكينجسلي أميس، لقد أوشكت على الموت (تضحك)، هكذا تسير الأمور، كل ما عليك أن تواصل الكتابة، لا شيء غير ذلك.
كيف يعرف الكاتب في أول الطريق – أو حتى في آخره، أنه فشل أو نجح، إن كان عليه أن يستمر أو يتوقف؟
ليست هناك طريقة للمعرفة، ليست هناك ضمانات!
الدوحة

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *