الرئيسية / مقالات / التراب المنصور (2)

التراب المنصور (2)


محمد أمين أبو العواتك *

( ثقافات )



   في رسالة نادرة وجهها الاديب الكبير الطيب صالح للشيخ حسن الترابي بعد خروجه من معتقل تلاميذه لاول مرة بعد سنوات قضاها هنالك:( الدكتور حسن الترابي رجل محظوظ وان الحياة تعطيه فرصة اخرى والحياة عادة ليست سخية في اعطاء الفرص.ان الله سبحانه وتعالى اسبغ عليه نعما كثيرة واعطاه الذكاء والبيان والفصاحه ويسر له تحصيل العلوم الدينيه والدنيويه وجعله للناس حجه واماما، وقد يختلف الانسان هل الدكتور الترابي قد احسن استغلال هذه الهبات الالهية ام لا؟ انني بوصفي رجلا مسلما من غمار الناس أرجو للدكتور كل الخير وقد سعدت بأنه خرج من ضيق الحبس الى براح الحرية، واخذ من فوره كعهده دائما يملا الدنيا ويشغل الناس لكن انصحه نصيحة خالصة لوجه الله بوصفي رجلا من غمار الناس..انك اليوم تواجه اصعب امتحان واجهته في حياتك…فكر جيدا ماذا تصنع امام الله والناس واي طريق ستسلك؟واي وجهة تتجه؟ هل تعكف على عقلك وروحك فتنجو بنفسك وتصير حقا نبراسا يستضئ به الناس؟ ام تنغمس مرة اخري في مستنقع السلطة والحكم والتحالفات والمؤامرات؟)
رحم الله اديبنا الكبير الطيب صالح فلا يزال صدى كلماته يتردد رغم مرور السنوات وتبدل الأحوال فصلاحية المعنى ودلالاته في الامتدادات الزمنيه ينقل النص الى خانة الحكمة ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا…وقال عن الدكتور منصور خالد عندما رثى المفكر السوداني الكبير جمال محمد احمد: ( إن من تلاميذه النجباء د.منصور خالد ) وقال فيه ايضا : (إنه من عباقرة السودان لكنه يسير الان في طريق وعر، ما احسب ان استاذه جمال محمد احمد لو كان حيا سيرضاه له) في اشارة الى انضمام الدكتور منصور خالد ليكون مستشارا للدكتور جون قرنق يومئذ والتي اعتقد انها كانت نتيجة لغضبة الدكتور من اجراءات ومضايقات اليسار بعد الانتفاضه و التي عجلت بخروجه…لذا كانت المرحلة الوسيطة من كتاباته بهذه الخلفية الغاضبه والانتصار للنفس خاصة كتابه النخبة السودانية وادمان الفشل.
0لقد اوضحت في مقال بمسمى (أهل السودان) سلاسة انتشار الرسالات السماوية والايمان بها عند أهل السودان الذين هم أهل كتاب وأهل رسالة خاتمة وهم مثال باهر للهيمنة المذكورة في القران والتي لاتعني باي حال من الاحوال الغاء ما سبق من الهدي الالهي في رسالات سابقة بل شمولية الرسالة الخاتمة لها، وخير معبر عن هذ الوضع المتميز الاية ( وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) فوسطية اهل السودان لها عدة مستويات فنحن امة وسط جغرافيا وهذا واضح في موقعنا، وامة وسط عنصرا فلا نحن من العرب الاميين ولا الزنج الحاميين، كما اننا لسنا عربا ولكننا نتحدث غالبا بالعربية، وامة وسط في الدين في توازن ما بين الدين والحياة والروحية والمادية و تاريخ خصب وحضور مع كل الرسالات السماوية من قبل ان يتنزل الهدي السماوي على أمم اخرى كاهل الرسالة الخاتمة وهم الاميون، لذا تجد اساس الاخلاق والمعاملة الفاضلة راسخ واصيل عند اهل السودان رسوخ الهدي الالهي القديم والذي اكتمل ببعثة خاتم الانبياء صلوات ربي وبركاته عليه والذي بعث متمما لمكارم الاخلاق التي وضعت اساسها رسالات سماوية سابقة لذا حاز اهل هذه البلاد علي كل الخيرات علي الدوام وكانوا حضورا وشهودا لكل الفيوضات الالهية علي مر الزمن وهو امر نادر وهام في خصوصية مميزة لاهل السودان داخل الامة الكبيرة التي هي خير امة اخرجت للناس بمقياس الاخلاق وقيم الحب الالهي وليس باي مقياس اخر.
0حرمتنا النفس و السياسة بصراعاتها الفكرية والاخرى من العطاء الاتم لمجموعه من عباقرة ابناء السودان وحرمتنا ايضا من العلوم والمعارف التراكمية لهذا التاريخ التليد و الوصل الجميل للحكمة التي صاغت مجتمعتنا منذ القدم بدفْ المشاعر والتعامل الرحيم الودود مع الاخر بانسانيته، فكل الاشكاليات العارضه قد تتغير اذا وجدت الطبيب المداوي صاحب الاخلاق العاليه فالانسانيه هي الاصل الذي كرمه الله سبحانه وتعالي والاخلاق هي المقصد . 
تأسيا باستاذنا الطيب صالح ..و بوصفي رجلا من غمار غمار الناس اقول واذكر ان اكثر ما يحتاجه وطننا اليوم هو حكمة الفعل الايجابي لهذه العقول بلا استثناء..فنحن لانحتاج الشيخ الترابي والدكتور منصور في السياسة ومعتركاتها التي امتهناها بسنوات عمرهما المديد وخبرا اقبالها وادبارها و حلوها ومرها، فأهل السياسة طوابيرهم تملأ الساحات والوديان وما خلفوا وراءهم غير الانين والجوع والمسغبة، فالمهددات اضحت كبيرة ومخيفة وعنيفة فلن يبقي وطن لكي نختلف عليه ..نحتاجكم ان تقوموا بمراجعاتكم مع النفس اولا ومن ثم في التعافي الوطني وتبني ودعم محاولات مشروعات المراجعات الفكريه المخلصه والاشراف علي بناء مرجعيات اخلاق مجتمعية في الفكر والممارسات المختلفة تؤسس لاستصحاب الجميع بلا وصاية وتفكيك ثقافة حملات التحطيم والتشويه لابناء الوطن المخلصين واحترام وقبول الاخر …فنحن امة بهذا الارث الحضاري الباهر لازلنا ندور حول انفسنا سنوات وسنوات..بعد ان تاه بنا الدرب فانقطعنا عن تلك الجذور والمرجعيات ..فالمطلوب ليس التقرب من السلطان بل الكف عن الفعل التنفيذي والسياسي وان تكونوا مع اخرين (مرجعيات خير) لكل اهل السودان بالفكر والهداية والارشاد فهذه هي المرحلة التي تعطي فيها خلاصة التجارب ونصرة تراب الوطن. 

* إعلامي من السودان

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *