الرئيسية / إضاءات / حسن نجمي : أنافس ذاتي محاولاً الانتصار على منجزي الشعري

حسن نجمي : أنافس ذاتي محاولاً الانتصار على منجزي الشعري


سماح إبراهيم

أكد الشاعر والروائي المغربي حسن نجمي ارتباطه بالشعر، لافتًا إلى عثوره على ذاته فى القصيدة. ويوضح: بدأت شاعرًا، حتى عندما كتبت الرواية كنت أحرص عليها بروح الشاعر، دفاعًا عن وضعه الاعتباري، فلم تغرني أي صورة أخرى بخلاف الشعر. لا أجد نفسي فى وصف للرواية؛ حيث أشعر بوجود مسافة بينى وبين صورة الروائى. 

ويستطرد نجمي: ربما كنت أخشى على صورة الشاعر، وربما هو نوع من التهيؤ أو التلبس بصورة جديدة، لكن فى النهاية أن تكون شاعراً معناه أن تمتلك روح الكتابة الأدبية بالمعنى التقليدى السائد منذ عقود، عندما كان الحرص شديداً على وضع حدود بين الأجناس الأدبية. 
ويشير “نجمي” إلى وجود مفاهيم جديدة فى النظريات الأدبية المعاصرة خصوصاً لديهم فى المغرب، حيث تُتَمثّل النظرية الأدبية فى فرنسا، ويدركون إلى أي حد أصبحت الكتابة جنساً فى حد ذاتها. 
ويضيف: هناك مفهوم جديد للكتابة يكاد يجعل منها جنساً قائماً بذاته، أحاول أن أكتب اليوم قصيدة تبعدني عن روح السرد ورواية تتغذى من روح الشعر، وأن أقيم هذه الوشائج الخفية والدقيقة بين كل هذه الأشكال. 
لا ينصب اهتمام “نجمى” على الرواية؛ حيث يرى أن كتابه الشعر والرواية تستجيب لنداء داخلي يكاد يكون نداءا مجهولا، موضحاً: لا نكتب الشعر أو الرواية لوجود جاحة إليها بالسوق، أو أن الساحة الثقافية بها إغراءات معينه تفرض علينا كتابة الرواية لأنها أكثر انتشاراً أو لتوفر قدرا كبيرا من الروح التوثيقية التى تسعف النقاد. 
وفى سياق متصل يقول: عندما أذهب إلى القصيدة أكون فى حاجة للشعر، ولا أستطيع العثور على ما يستجيب لهذه الحاجة فى الرواية أو القصة القصيرة، لكن مع ذلك ينبغى فى هذه الحالة أن نصون للشعر قيمته ووضعه الاعتباري فى الساحة العربية، لست متفقاً تماماً مع هذه الجلبة التى أصبحت تسود فى الخطاب النقدى العربي الراهن بأن الزمن للرواية وأن الشعر لم يعد ديوان العرب، هذه الكليشيهات التى تظل فى النهاية مجرد تعبيرات إعلامية أكثر ما تعبر عن لحظه معرفية جديدة. 
وأردف: فى تقديري أن الساحة العربية أكثر وأوسع مما نتصور، حيث تتسع لكل أشكال الكتابة، بالتالي لسنا فى حاجة للحروب الصغيرة بين الشعراء والروائيين، ومن ناحية أن الزمن للرواية أو الشعر فأقول ربما كان الزمن للصورة، أغلب العائلات تنجذب للتليفزيون أكثر من قراءة الكتب. 
لكن مع ذلك علينا أن نفعل ما نستطيعه وما ننجح فى إنجازه، الروائى ينجح فى كتابة روايته وكذلك الشاعر مع شعره، أفضل من القفز من مكان لآخر بدافع الإغراء الذي توفره السوق، علينا أن نستجيب للكتابة من داخلنا أكثر مما تفرضه متطبات الانتشار والتداول. 
ويتابع: أنتمي لجيل الثمانينيات فى الكتابة المغربية والعربية، وعندما خرجت فى حقل الكتابة الشعرية وجدت أمامى روادا ومعلمين فى القصيدة، ومن هنا بدأت أكتب وأتعلم كل يوم، ومع الوقت ازددت اقتناعاً بأن كتابة الشعر الحقيقى تتطلب باستمرار أن يتسلح الشاعر بروح التلميذ والتواضع لنبض القصيدة والواقع. 
ويشير: رغم ما راكمت من مجموعات شعرية وامتداد فى المكان والزمان ورغم سعة وعمق الوشائج والعلاقات التى تربط بينى وبين عدد كبير من الشعراء فى الوطن العربى مازلت حريصاً على أن أتعلم منهم، لم أدخل فى منافسة أو صراع مع شاعر وإنما أنافس نفسى وأحاول أن أنتصر على منجزي الشعرى حتى لا أكون أسيراً أو سجيناً له، وحتى أتخطاه إلى ما هو أكثر جدة واستجابة لتطور وعيي الشعرى، ومن هنا بدأت تدريجياً السعي والبحث عن المرجعيات الشعرية السابقة وقراءتها ليس لمواكبة التطورات فى الحركة الشعرية فحسب، لكن أيضاً للنظر إلى الجغرافية الشعرية النائية خارج الوطن العربى ومعرفة كيف يكتب الشاعر سواء فى الشرق أو الغرب اليوم، علينا الانتباه جميعاً إلى ذلك حتى نرتقي بخطابنا الشعرى أكثر. 
يحمل “نجمي” النقد مسئولية عدم الدفع بالإبداع من خلال كتابه “الشعر والتجربة”، إلا أنه يقول: فى الواقع لا أريد أن أتحدث عن القصور بمعنى عدم اهتمام النقاد العرب بما يكتبه الأدباء لكن أشير إلى الاختلال فى العلاقة بين ما يٌنجز أدبياً شعراً وسرداً وما ينجز نقدياً. 
فمن ناحية عدد النقاد لا يمكنهم أن ينهضوا بقراءة ومواكبة ما يكتب، فهي مهمة صعبة جداً أمام الخطاب النقدي. لكن ربما ليس من الضرورى أن كل ما نكتبه ينبغي أن يقرأه النقاد ويدافعوا عنه، ومن ناحية أخرى فالخطاب النقدي نفسه عليه أن يجدد أدواته ومفاهيمه وخلفياته النظريه لكى يستطيع التجاوب مع اللحظات المتجددة فى التجربة العربية. 
هناك مبدعون يكتبون نصاً تقليدياً أو نمطياً على الأقل، نقرأ اليوم قصائد بها بٌعد سينمائى وتشكيلى، وقصيدة تعبر عن روح ورؤية مختلفة تتغذى من الوسائل الجديدة والوسائط المتعددة، من هنا فالناقد الأدبى فى حاجة إلى تطوير نفسه وخطابه كى يستطيع الإمساك بعناصر التجربة الأدبية الجديدة. 
يكتب “نجمى” قصيدة النثر، لكن كيف ينظر إليها فى ظل السجال الذى يدور حولها؟ يقول: أعتقد أن السجال حول هذه القصيدة ليس بنفس الحدة التى كانت عليها بالماضي، أحياناً يلتحق قراء جدد بتطور قصيدة النثر فيطرحون نفس الأسئلة التى طُرحت فى بدايتها. 
فى المرحلة التأسيسية كانت قصيدة النثر تبحث عن شرعية لها، وكانت تواجه جدالاً صخرياً عنيداً جراء قوة النمطية الشعرية التى رسختها المدرسة والجامعة فى الوطن العربى نتيجة تراكم العقود التى ألفت نمطية شعرية معينة تجلت بالأساس فى القصيدة العمودية، لذلك ووجهت بحدة تجربة التحديث الشعرى فى عام 1947 مع السياب ونازك الملائكة وآخرين، ثم وجهت فى نهاية الخمسينيات بنفس الحدة. 
ويتابع: جميعنا نذكر موقف العقاد عندما أحيلت إليه قصيدة لحجازي فقام بتحويلها للجنة النثر، لكن المؤسف أن يتكرر نفس الموقف السلبى تجاه قصيدة جديدة من الضحية نفسه (أحمد عبد المعطي حجازي)، بالتأكيد هذا نقاش غير موضوعى، الساحة الشعرية العربية لها من الرحابة والسعة ما يؤهلها لاستيعاب كل أشكال التجديد والبحث، النقاش متجاوز ولا يحدد خطابنا الشعرى والنقدى، نقرأ قصيدة نثر جميلة لعدد كبير من الشعراء من مختلف الأجيال بها قدر كبير من الحساسية المفرطة والحوار العميق مع الوجود والواقع المحيط بنا، لا نفكر مطلقاً فى خلفيتها العروضية، حيث يكتبون هذه القصيدة بمستوى كونى وإنسانى وقد أصبحوا أكثر إقناعاً للقارئ فى كل مكان وزمان.
بوابة الاهرام

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *