الرئيسية / خبر رئيسي / الصمت العظيم / تيد تشيانغ

الصمت العظيم / تيد تشيانغ

خاص- ثقافات

*ترجمة: إبراهيم قيس جركس

يستخدم البشر مرصد أريسيبو للبحث عن حياة ذكية خارج كوكب الأرض. ورغبتهم تلك بالتواصل مع الكائنات الفضائية العاقلة شديدةٌ جداً لدرجة أنّهم قاموا ببناء أُذُن عملاقة قادرة على السمع والإصغاء عبر فضاء هذا الكون الشاسع.

لكنني أنا، وأبناء جنسي من الببغاوات، موجودون هنا. لماذا هم غير مهتمّين بالاستماع لأصواتنا؟

نحن جنس غير بشري، وقادرون على التواصل معهم. ألا نجسّد نحن ما يبحث البشر عنه بالضبط؟

***

الكون مكان شاسع للغاية، ليسمح للحياة الذكية  بالنشوء والتطوّر والازهار عدّة مرات بالتأكيد. كما أنّه قديمٌ جداً أيضاً ليوفّر لحضارة تقنية عاقلة الوقت الكافي للتوسّع والانتقال خارج حدود كوكبها وملء المجرّة. ومع ذلك، لا يوجد أي أثر للحياة في أي مكان آخر باستثناء الأرض. يطلق البشر على هذه الحقيقة اسم “مفارقة فيرمي”.

أحد الحلول المقترحة لمفارقة فيرمي هو أنّ الأجناس الذكية والعاقلة تسعى لإخفاء وحجب وجودها، تجنّباً لاستهدافها من قبل الغرباء والغزاة.

وكوني فرداً ينتمي لأحد الأجناس التي أوشكت على الانقراض بسبب البشر أقول أنّ هذه استراتيجية حكيمة.

من الحكمة أن تبقى صامتاً، وتتجنّب لفت الأنظار.

***

تسمّى مفارقة فيرمي في بعض الأحيان بالصمت العظيم. فالكون ينبغي أن يكون مكاناً يصدح بالأصوات والنغمات المتنافرة، لكن بدلاً من ذلك نجده مكاناً هادئاً وصامتاً بشكلٍ لامبالٍ.

يفترض بعض البشر أنّ الأجناس الذكية واجهت الانقراض قبل أن تتمكّن من التوسّع في أرجاء الفضاء الخارجي. إذا كانوا محقّين، فإنّ الصمت المطبق لسماء الليل ما هو إلا صمت المقبرة.

قبل مئات السنوات، كنّا أنا وأبناء حنسي نعيش بأعداد كبيرة، وكانت غابة ريو أباهو تضجّ بأصواتنا. الآن أوشكنا على الانقراض. وقريباً ستغدو هذه الغابة المطيرة صامتة وهادئة كباقي الكون.

***

كان هناك ببغاء إفريقي بني يدعى أليكس. وكان مشهوراً بقدراته الإدراكية. كان مشهوراً بين البشر بذلك.

وكانت هناك عالمة بشرية تدعى أيرين بيبربيرغ أمضت ثلاثين عاماً في دراسة أليكس. وقد وجدت أنّ أليكس لا يعرف الحروف والأشكال والألوان فقط، بل إنّه يفهم مفاهيم الشكل واللون أيضاً.

أغلب العلماء كانوا متشكّكين حول ما إذا كان طائر قادراً على فهم أو إدراك المفاهيم المجرّدة. فالبشر يميلون للاعتقاد بفرادتهم. لكن بيبربيرغ تمكّنت في النهاية من إقناعهم بأنّ أليكس لم يكن يردّد كلمات فحسب، بل كان يدرك معانيها ويفهم ما كان يقوله.

من بين جميع أبناء عمومتي، أليكس كان هو الببغاء الوحيد الذي أخذه البشر على محمل الجد كشريك محتمل للتواصل.

توفي أليكس فجأةً، قبل أوانه، عندما كان ما يزال شاباً نسبياً. في مساء اليوم الذيب سبق يوم وفاته، قال أليكس لبيبربيرغ: ((كوني جيّدة، أحبّكِ)).

إذا كان البشر يبحثون عن اتصال مع كائنات غير بشرية ذكية، ما الذي يطلبونه أكثر من ذلك؟

***

كل ببغاء يمتلك نداءً فريداً خاصاً به يستخدمه للتعريف عن نفسه، ويطلق علماء الأحياء على ذلك اسم “نداء التواصل” عند الببغاء.

في عام 1974، استخدم العلماء مرصد أريسيبو لبثّ رسالة إلى الفضاء الخارجي كان الهدف منها أبراز الذكاء البشري. وكانت تلك الرسالة “نداء التواصل” البشري.

في البرية، يخاطب الببغاءات بعضهم الآخر بالاسم. حيث يقوم أحدها بمحاكاة نداء الآخر للفت انتباهه.

إذا التقط البشر في يوم من الأيام رسالة أريسيبو التي كانوا قد أرسلوها وقد أعيدت لهم، فإنّ أحداً ما يحاول لفت انتباههم.

***

الببغاءات كائنات تتعلّم صوتياً أو لفظياً: يمكننا تعلّم كيفية إصدار أصوات جديدة بعد سماعها. وهذه القدرة لا تمتلكها معظم الحيوانات. يمكن للكلب أن يفهم مجموعة من الأوامر، لكنّه لن يستطيع ترديد أو قول أي شيء سوى النباح.

البشر كائنات تتعلّم صوتياً ولفظياً أيضاً. نحن نشترك معهم في ذلك. لذا يرتبط البشر والببغاءات في علاقات خاصّة قوامها الأصوات. فنحن لا نصيح أو نصدر أصواتاً عشوائية. إننا نلفُظ. إنّنا ننطق.

ربّما هذا هو السبب الكامن وراء بناء البشر لمرصد أريسيبو بالشكل الذي هو عليه. فلا حاجة للمستَقبِلَ بأن يكون مُرسِلاً، إلا أنّ أريسيبو يقوم بِكِلا الأمرين. فهو بمثابة أُذُن للسمع، وفم للنطق.

***

عاش البشر إلى جانب الببغاءات على مدى آلاف السنوات، لكنّهم لم يأخذوا في اعتبارهم إمكانية أن نكون كائنات ذكية إلا مؤخّراً.

أعتقد أنني لا أستطيع لومهم. فنحن الببغاءات لطالما اعتقدنا أنّ البشر كائنات غير ذكية. إذ من الصعب فهم سلوك غريب ومختلف تماماً عن سلوكك.

لكنّ الببغاءات أقرب إلى البشر من أيّة كائنات فضائية أخرى، أضِف إلى ذلك أنّ البشر يمكنهم مراقبتنا عن قرب، يمكنهم النظر في أعيننا مباشرةً. كيف يتوقّعون أن يفهموا ذكاءً فضائياً غريباً إذا كان جلّ ما يفعلونه هو استراق السمع والإنصات على مسافة مئات السنوات الضوئية؟

***

ليس صدفةً أن تكون كلمة Aspiration [تطلّع، النطق بملء النفس] تحمل معنيين: الأمل وعملية التنفّس.

عندما نتكلّم، فإننا نستخدم النَفَسَ الموجود في رئتينا لنضفي على أفكارنا شكلاً فيزيائياً. والأصوات التي نصدرها بنفس الشكل ما هي إلا مقاصدنا وقوّة الحياة الكامنة فينا.

أنا أتكلّم، إذن أنا موجود. الكائنات التي تتعلّم عن طريق النطق أو اللفظ، كالببغاءات والبشر، ربّما هي الوحيدة التي تعي حقيقة ذلك.

***

هناك متعة هائلة تنبع من عملية تشكيل الأصوات في فمك. إنها عملية بدائية وعميقة جداً لدرجة أنّ البشر، خلال تاريخهم الطويل، اعتبروها سبيلاً إلى عالم الألوهية والماوراء.

فقد اعتقد الفلاسفة الفيثاغوريين أنّ الحروف الصوتية تجسّد موسيقى الأفلاك، وكانوا ينشدونها لاستجلاب القوّة منها.

ويؤمن المسيحيون أتباع كنيسة الحصاد أنّه عندما يتحدّث أو يتمتم الإنسان بلهجات غريبة، فإنّه يتحدّث لغة الملائكة في السماء.

كما أنّ البراهمة الهندوس يؤمنون أنّهم عن طريق إنشادهم الحروف الصوتية، فإنهم يعزّزون أحجار الأساس التي بُنِيَ عليها الواقع.

لا يستطيع سوى جنس من الكائنات التي تتعلّم لفظياً عن طريق النطق أن يدرك أهمية الأصوات ودورها ضمن أساطيرهم. ونحن الببغاءات نقدّر ذلك.

***

وفقاً للأسطورة الهندوسية، خُلِقَ الكون عن طريق صوت: “أوم”. وهو عبارة عن لفظ شفهي يضمّ خلاله كل ما كان، وكل ما سيكون.

عندما يتمّ توجيه مرصد أريسيبو إلى الفضاء بين النجوم، فإنّه يلتقط صوت همهمة خافتة.

يطلق علماء الفلك على هذه الهمهمة اسم “إشعاع الخلفية الكونية الميكروي”. إنّه الإشعاع المتبقّي الناجم عن الانفجار العظيم. الانفجار الذي انبثق عنه كوننا قبل أربعة عشر مليار عام.

لكن يمكنكم اعتباره أيضاً على أنّه الصدى المسموع لذلك الصوت الأصلي: “أوم”. لقد كان هذا اللفظ رنّاناً لدرجة أنّ سماء الليل ستظلّ تردّد صداه إلى الأبد طالما أنّ الكون موجود.

عندما لا يكون أريسيبو يستمع لأي شيء آخر. فإنّه يلتقط صدى الخلق الأول.

***

نحن فصيلة الببغاءات البورتوريكية نمتلك أساطيرنا الخاصة بنا. إنّها أساطير أبسط بكثير من الأساطير البشرية. لكنني أظنّ أنّ البشر ستجد فيها المتعة.

للأسف، بدأت أساطيرنا بالضياع مع فناء أبناء جنسي. أشكّ بأنّ البشر سيتمكّنون من تفكيك رموز لغتنا قبل فنائنا بالكامل.

لذا فإنّ فنائنا لا يعني فقط انقراض مجموع من الطيور ببساطة. بل يعني أيضاً اختفاء لغتنا، وطقوسنا، وتقاليدنا. يعني إسكات صوتنا.

***

دفع النشاط الإنساني أبناء جنسي إلى حافّة الانقراض، لكنّني لا ألوم البشر على ذلك. فهم لا يقومون بذلك عن قصد وخبث. كل ما هنالك هو أنّهم لا يصغون جيداً.

والبشر اخترعوا كل هذه الأساطير، يا لهذه المخيّلة التي يتمتّعون بها. ولعلّ هذا هو السبب كون تطلّعاتهم وطموحاتهم على هذه الدرجة من العظمة. تأمّلوا أريسيبو. أي جنس قادر على بناء شيء كهذا لابدّ أنّه على قدرٍ كبيرٍ من العظمة.

ربّما لم يعد جنسنا يمتلك الكثير من الوقت، إذ كأنّنا سنموت قبل أواننا ونصبح جزءاً من هذا الصمت العظيم. لكن قبل أن نمضي، سنرسل رسالة إلى البشرية. ونأمل أن يمكّنهم مرصد أريسيبو من سماعها وفهمها.

الرسالة تقول: ((كونوا جيدين، نحبّكم)).

شاهد أيضاً

لطفية الدليمي «تجوب في أقاليم الكتابة»

بعد 70 مؤلفاً بين الرواية والقصة والترجمة والدراسة النقدية * علاء المفرجي لا تقدم الروائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *