الرئيسية / خبر رئيسي / التماثل 2015 : يوتوبيا مستقبلية “متشائمة” لرومانس جارف

التماثل 2015 : يوتوبيا مستقبلية “متشائمة” لرومانس جارف

خاص- ثقافات

*مهند النابلسي

 

في المستقبل “القريب- البعيد” حينما يتم التخلص من معظم الأمراض السارية والمستعصية، حيث يبدو وكأن الجميع يعيش بأمن وسلام وروتين حياتي ممل وبالحد الأدنى من العواطف البشرية ظاهريا، وبالعمق فهو مجتمع بوليسي صارم “محكم الرقابة” تنقل فيه أية تصرفات مشبوهة للسلطات العليا المستبدة(كرواية ويلز: عالم جديد شجاع)،  ولكن عندما يظهر مرض جديد غامض يدعى “التناظر التفاعلي”(سويتش اون سيندروم)، يتغير كل شيء بالنسبة لسيلاس (هولت)، وخاصة عندما يكتشف بالصدفة أن العدوى قد انتقلت اليه، وأنه في المراحل الأولى للمرض، فنراه يميل أكثر للوحدة والعزلة، ثم ينجذب تلقائيا لزميلته الكاتبة نيا (ستيوارت)، التي تحاول إخفاء إصابتها أيضا، وتتطور علاقتهما السرية/الرومانسية بشكل تدريجي بطيء، وتتهدد علاقتهما الحميمة بعد اكتشاف علاج ومصل جديد لمعالجة المرض”الخطير” الجديد…وتجنبا لكشف أمرهما، وبمساعدة مواطنين مصابين (يسمون المبعدين) يتم وضع خطة محكمة لهربهما، ويصبح الأمر خطيرا عندما يكتشف حمل “نيا” واعتقالها لاحقا، ولكن إصرارهما يحقق لهما هروبا ناجحا لأرض بعيدة قاحلة، وبالرغم من تناول سيلاس للمصل إلا أن مشاعره الجامحة تجاه زميلته لا تتغير،علما بأن تناول المصل الفعال يؤدي  تلقائيا للقضاء على العواطف!

44

أنتج فيلم الخيال العلمي الرومانسي هذا بالعام 2015، وكتب قصته وأخرجه “دريك دورموس”، كما ساهم المخرج الشهير ريدلي سكوت بانتاجه.
قام بالأدوار الرئيسة “نيكولاس هولت  وكريستين ستيوارت”، ولعب “جاي بيرس وجاكي ويفر” أدوارا مساندة هامة (بأدوار جوناس وبيس من فئة المصابين المبعدين المتعاطفين)، وتم افتتاح الفيلم بمهرجاني “تورنتو وفينيس” العالميين، وتم إطلاقه تجاريا في العام 2016، وابتدأ التصوير بالعام 2014 في كل من اليابان وسنغافورة.

equals-1

تكشف بداية الفيلم الغامضة بإيحاء ذكي غير مباشر، بأن عالم “نيا وسيلاس” القائم حاليا قد انحصر بوجود محدود لبشر قليلين متخصصين، حيث بدا وكأن معظم السكان الآخرين قد فقدوا حياتهم بحرب جحيمية مدمرة، وبأن المتبقين يعيشون في مركز أبحاث متقدم بالقرب من أنقاض مدينة، حيث تعمل نيا ككاتبة في شركة خاصة لتقييم الرحلات الفضائية البعيدة، فيما يعمل سيلاس كمقدم محترف للبرامج الفضائية، كل العاملين بمركز الأبحاث هذا يتماثلون ظاهريا بارتداء بدل بيضاء ويتناولون نفس الوجبات ويتحركون بإيقاع هادىء رتيب، مع وجود ديكورات فارهة ونوافذ عريضة ومساحات مفتوحة، كما تتحرك الأرضيات والغرف تجاوبا مع الأوامر الايمائية التخاطرية مع كم كبير من البيانات المضيئة والمتدفقة على شاشات حواسيب ضخمة.

Equals_2015_4Filmk-313x433-313x433

أبدعت “كريستين ستيوارت”  وكذلك “نيكولاس هولت” بإظهار انجذابهما الجارف لبعضهما البعض، وظهر الحب هنا مجسما كإعصار جامح تصعب مقاومته، واندمجت علاقتهما الرومانسية لتتحول إلى اندماج “عاطفي-جنسي” فريد بلا إثارة مشهدية وإباحية مخلة بالسياق الرومانسي للحب المتدفق بينهما، وبالرغم من وجودهما في مستقبل “خال من العواطف”، فاننا نرى كفاحهما المثابر والعنيد لفهم سبب انجذابهما الهائل لبعضهما البعض بهذا الشكل “الرومانسي الأخاذ”..(“لماذا نذهب بعيدا لفهم سبب وجودنا والأمر يكمن بداخلنا” تقول البطلة  لرفيقها بدهشة بعد انتهاء الإعصار)! “البطء والغموض والانجذاب والرومانس الهادىء والملاحقة البوليسية” هي العناصر التي تحرك السيناريو التصاعدي بهذا الشريط الحافل بالأفكار واللمسات المدهشة ، وربما قصد المخرج بناء  أجواء صامتة تحفل بالروتين والترقب والرغبات المكبوتة والغموض، ورصدت كاميرا ذكية التفاصيل والحركات والسكنات والعيون والشفاه والأيدي بواسطة  لقطات “كلوزآب” متتالية طويلة  وقصيرة وبأسلوب تصوير فريد وجميل، يضع المشاهد في الأجواء الساحرة لتطور الأحداث، وهناك مشهد دال يتمثل بمرور البطلين بمحاذاة بعضهما أثناء تنقلهما بالعمل، حيث كادت أيديهما أن تتلامس دون أن يحدث ذلك، كمؤشر على طاقة الحب الجامحة التي تتفاعل بينهما بصمت.

الفيلم يكشف الطبيعة القاهرة لمجتمع استبدادي يبدو “مسالما ومنضبطا” ظاهريا ولكنه “مرعب وكابوسي” في حقيقة الأمر…حيث يشحن الأشخاص المعارضين والمناوئين لمنطقة معزولة تدعى “دن”، ويشجعون هناك على هدر حياتهم والانتحار كما لاحظنا بمنتصف الشريط.

الفيلم متشائم ويتحدث عن عالم إنساني مستقبلي لا مكان فيه للعواطف البشرية، ويمارس فيه القمع بصمت وصرامة ومثابرة، وحيث الكل يراقب الكل بكل السبل المتاحة، كما أنه يفتقد لرؤيا جديدة متفائلة للمستقبل الإنساني، وقد لعبت فيه الموسيقى التصويرية دورا استثنائيا أخاذا جاذبا وبدت وكأنها قادمة من عالم “فضائي- مستقبلي” بعيد، بحيث أني لم أرغب بمغادرة العرض بعد الانتهاء وانجذبت مسحورا لنغماتها الفريدة المتدفقة!

Mmman98@hotmail.com

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *