الرئيسية / خبر رئيسي / النّهضةُ الْعَرَبِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي العصور الْوسطَى

النّهضةُ الْعَرَبِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي العصور الْوسطَى

خاص- ثقافات

*إسراء المنسي 

يقوم تاريخ العصور الوسطى على عدة ظواهر تاريخية، من أهمها ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، واعتناق العرب الإسلام، والتوسع العربي الإسلامي الكبير منذ القرن السابع الميلادي. حيث خرج العرب المسلمون من شبه الجزيرة وأنشأوا حضارة جديدة هي أبهى حضارات العالم في العصور الوسطى، لها طابعها الخاص، هو طابع الإسلام واللغة العربية، وهذه الحضارة الإسلامية التي بلغت أوج كمالها في القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) هي التي جعلت العصور الوسطى عصورًا مضيئة.

فقد حقق المجتمع العربي الإسلامي -بمختلف مكوناته الطبقية والعرقية والدينية- ازدهارًا اقتصاديًا، وقطع أشواطًا متقدمة في الإبداع على كافة المستويات. فحمل العرب والمسلمون في العصور الوسطى منار العلم والثقافة والصناعة طيلة قرون عديدة في الوقت الذي كانت فيه الأمم المعاصرة ترزح تحت نير الجهل والتأخر، وفي الوقت الذي كانت تعقد فيه المناظرات العلمية والفلسفية على مستوى عالٍ في المساجد الإسلامية، وحلقات الدروس ومنازل العلماء والمدارس العديدة، كانت الأمية تسود أوربا كلها.

ومَنْ يغص في أعماق الحضارة العربية الإسلامية وما حققته للبشرية من وسائل التقدم وعوامل الازدهار، ويلم بما ابتدعه الفكر العربي الإسلامي من مفاهيم ونظريات تناولت أهم معضلات ذلك العصر، يدهشه مدى عمق التفكير الذي بلغه العلماء العرب المسلمون، ويتضاعف اعجابه بهذا الفيض الزاخر من الأفكار العظيمة التي جاد بها الفكر العربي الإسلامي، فلم يحدث في تاريخ الحضارات القديمة والحديثة أن تألق الفكر الحضاري، وبلغ أوج عظمته في فترة قصيرة جدًا من الزمن كالفترة التي ولد فيها الفكر العربي الإسلامي ونما وتطور وأدرك معظم أسرار الحياة، وسبر أغوار المجتمع وأنظمته.

يتناول هذا الكتاب (الصادر عن دار صفحات للنشر والتوزيع، 2017) مجموعة من الدراسات المتخصصة التي تبرز اسهامات النهضة العربية الإسلامية في العصر الوسيط، ثم ما حدث لها من انتكاسات داخلية وخارجية أصابتها في مقتل، حيث يجد القارئ أن الباحث (الدكتور أشرف صالح، جامعة ابن رشد) قدم استعراضًا لجوانب تألق الحضارة الإسلامية مع الوقوف على أبرز مظاهرها الفكرية في انتشار المكتبات الشخصية في الأندلس، بالإضافة إلى بحوثًا عن علماء هذه الحضارة الذين أضاءوا جنبات العالم، تناولت القيادة الإدارية في فكر الفارابي، والمنهج العلمي عند البيروني، وصولاً إلى الانتكاسات متمثلة في الغزو المغولي كصفحة دموية في تاريخ الحضارة الإسلامية، وانتهاءً بالتراث العربي المخطوط الضائع.

الحق أن الكتاب يجعلنا نعيد التأمل في مقولة المستشرق البلجيكي جورج سارتون (1884 – 1956): “لقد سبق للعرب أن قادوا العالم في مرحلتين طويلتين ظلت الأولى حوالي ألفي عام قبل اليونان، وعاشت الثانية طوال أربعة قرون خلال العصور الوسطى، وليس ثمة ما يمنع هذه الشعوب من أن تقود العالم مرة أخرى في المستقبل القريب أو البعيد”.

________

*كاتبة وأكاديمية من مصر

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *