الرئيسية / خبر رئيسي / ما وراء سطور ملحمة جلجامش

ما وراء سطور ملحمة جلجامش

خاص- ثقافات

  *آمال السحمودي

لملحمة جلجامش مكانة رفيعة في الأدب العالمي ، دونت على اثني عشر لوحا من الطين([1])،عبرت الأماكن و الأزمان منذ أن دونت قبل أربعة آلاف عام،شغلت علماء اللغات القديمة و دارسي الميثولوجيا و الآداب و علوم الإنسانية،فترجمت إلى الكثير من اللغات، و أغوت الكثيرين فاختلفوا في تفسيرها و تحليلها و تأويلها،وكتب حولها الكثيرين من الكتب و الابحات و الدراسات،فغدت هما كونيا ،وكنزا فكريا من “كنوز الاعماق” عن فراس السواح ([2])،واوديسة العراق عند طه باقر([3])،و المعلقة العربية الأولى عند البهبيتي([4])اروع و اعجب ما سيجده الفاحص للآداب في وادي الرافدين هو انها مع ايغالها في القدم وسبقها لجميع انواع الاداب العالمية تتسم بالصفات الاساسية التي تميز الاداب العالمية المشهورة،سواء اكان ذلك من ناحية الاساليب و طرق التعبير من ناحية الموضوع و المحتوى او من ناحية الصور الفنية.

يرجع زمن اكتشاف الواح هذه الملحمة إلى عهد الاستكشافات الاثرية التي قام بها أوائل المكتشفين وقناصل الدول المعتمدين في العراق ،وقد وجدت في خزانة الملك الاشوري “”أشور بانيبال”. وبالضبط في عام 1872م حين تعرف عالم المسماريات الانجليزي “جورج سمت” على جزء من الطوفان،وهي موضوع اللوح الحادي عشر في الملحمة ، مدونة على كسر في تل قوينجق في موقع نينوى وسبب و جود الملحمة في شمال العراق يعود الى ان تداول الملحمة لم يقتصر على سكان القسم الجنوبي و الأوسط(سومر و اكد) بل انتشر ايضا في القسم الشمالي،وجدت نسخة في الاناظول و فلسطين و نشر جورج سمت دراسة عن ذلك الجزء من الملحمة لتكون بداية لعملية استكشاف”ملحمة جلجامش”ودراستها في العصر الحديث،وقد نشرت دراسته تلك بعنوان :

The chalden account of the deluge in the transaction of the society of the biblical archeology II(1873)

وتم اكتشاف كسر جديدة من الألواح لملحمة جلجامش مع إستمرار التنقيبات الآثرية في المواقع المختلفة.

هل “جلجامش”حقيقة تاريخية ام هي شخصية خلقتها الاساطير و الملاحم البطولية؟[5]

ورد في “ثبت ملوك سومر” اسم جلجامش باعتباره خامس ملك حكم اوروك بعد الطوفان،وقد دون ذلك قبل قرابة اربعة آلاف عام بأمر من ملك دولةــ المدينة “إيسين” الذي اراد من ذلك ان يصور نفسه خليفة لسلالات الماضية العظيمة،فامر بعمل كشاف لملك المدن السومرية المهيمنة منذ فجر التاريخ ، كان كتاب ايسين يعتمدون الحوليات  الملكية الاقدم، فابتكرو سلسلة انساب بطول فترات حكم الملوك،وقد أثبتت الادلة الاثرية صحة كشاف الملوك السومريين بشكل عام،على الاقل حتى عصر جلجامش،اما قبل ذلك التاريخ فتنحدر سلسلة الانساب إلى مستوى الخرافات و الاساطير،فقبل بناء اوروك كان مدينة كيش(تل الاحَيْمِر الآن) هي القوة السومرية الكبرى،وكان يزعم ان حكم اي واحد من ملكها امتد من خمسمئة سنة إلى الآلف سنة،فقد يكون معظم هءلاء شخصيات تاريخية حقيقة،ولكنهم إكتسبو مكانة اسطورية الى حد كبيير،اما بعد جلجامش مباشرة ينزل كشاف الملوك إلى مستوى معقول ،حيث نجد إبنه “اور نُنْجال” وجميع من تبقى من ملوك الاسرة الحاكمة يحكمون ما بين ست إلى ست وثلاتين سنة،فجلجامش يقف على العتبة الفاصلة بين اسلافه الاسطوريين و اتباعه التاريخيين لقد اشتهر “جلجامش” منذ عصور سابقة بانه باني انه رمم سور اوروك صرح جلجامش القديم، كسبت اعماله شهرة واسعة طبقت الآفاق داخل بلاد مابين النهرين وخارجها وسيرته قد تضخمت مع مرور الزمن و كثرة الروايات،رغم انه لا تتوفر لدينا وثائق مدونة عن جلجامش من الفترة المفترضة لحكمه،فإن حقيقته التاريخية قد تم التثبت منها بطرق غير مباشرة،و ذلك عن طريق التثبت من الوجود التاريخي لشخصيات أخرى معاصرة له،كشخصية ان الملك “ان ميبارا غيزي” ابي الملك “اجا” ملك مدينة “كيش” الذي دخل في صراع مع جلجامش،على ما ترويه النصوص الادبية السومرية المدونة اواخر الالف الثالتة ق.م. وغيرها من الإشارات

 كما سبق الإشارة سابقا “فملحمة جلجامش” تعد روائع الأدب الإنساني عبر العصور، وهي اقدم نوع من أدب الملاحم البطولي في تاريخ الحضارات كما أنها أطول و أكمل ملحمة عرفتها حضارات الشرق القديم، دون على اثني عشر لوح واستنسخ عدة مرات باللغات القديمة كالاكدية وغيرها من اللغات الميتة،وتعددت الترجمات للملحمة في معظم اللغات الحية من العربية ،والصينية و الفرنسية و اليابانية و الفارسية و الروسية و الإسبانية وعدد كثير من اللغات الاخرى .”فملحمة جلجامش” السومرية ليست من النصوص التي تسلم نفسها بسهولة للترجمة،إلي جانب الفجوات و التشوهات التي يعرفها النص بسبب لعب عاديات الزمن على ألواحه،هناك أيضا شبكة العلائق الثقافية التي تنفس من خلالها النص،فأربعة الآلاف سنة التي تفصلنا عنها ،تجعلها بعيدة عن المفاهيم العصرية و طرق التفكير،وهذا ما يجعل عملية الترجمة مرتبطة بعملية التفسير،حيث تاخد الكلمة معناها إلى حد كبير،من تأويل النص،وفهمه في بنيته الداخلية من جهة ،وفي المناخ الثقافي الذي أنتجته من جهة أخرى(1)[6]،ومن هنا يتبين سبب هذا التنوع في التفسير والاختلاف في أسلوب الترجمة،ولتوضيح ذلك سأحاول مقارنة الأسطر الأولى للملحمة بين مجموعة من الترجمات :

“هو الذي رآى كل شيء فغنى بذكره يا بلادي

وهو الذي اخبر جميع الاشياء و افاد من عبرها”

                                                                                طه باقر     

هو الذي رآى كل شيء إلى تخوم الدنيا

هو الذي عرف كل شيء وتضلع بكل شيء

 فراس السواح عن هيديل               

هو الذي رآى كل شيء الى نهاية الارض

الذي خبر كل شيء وتمالاها

                                                                          سبيسر

هو الذي رآى الكل عبر مسافات البلاد

الذي عرف البحار،خبر عنه الاشياء

                                                                              جاكوبسن

هو الذي رآى الاعماق،ساخبر عنه البلاد

هو الذي عرف الكل دعوني اخبر

                                                                           غاردنر

عن الذي رآى كل شيء إلى اقاصي العالم

عن الذي عرف البحر وخبر كل الجبال

                                                                        دياكونوف

ملخص الملحمة                                                

الفصل الأول

اللوح الأول و الثاني

جلجامش و انكيدو

     تبدا الملحمة في بداية اللوح الأول بوصف “جلجامش” بكونه ملك أوروك()،ثلته بشر،وثلثاه الآخران إله،هو شخص قوي جدا،لم يكن هناك رجلا واحد يضاهيه في قوته أو يمكنه أن يتغلب عليه، مفعما بالحيوية و النشاط الدائب لا تهدا حركته ليل نهار،و أيضا وصفته سطور الملحمة بكونه ظالم،كان شعبه يخاف منه خوفا شديدا،وذكر أيضا انه كان إذا تزوج الرجل بامرأة كان “جلجامش” يدخل على زوجته في الليلة الأولى.

لا يترك جلجامش بكرا لحبيبها

ولا إبنة لمحارب او صفية لنبيل

   فرفع آهل أوروك شكواهم إلى الآلهة ،فاستجاب لهم إله الآلهة  “آنو” الذي توجه إلى الإلهة الأم “اورورو” فاتفقوا على خلق ند ل”جلجامش“”،شخص يقابله في قوته،فاخذت الإلهة “اورورو” بكفها بقبضة من طين ورمتها البرية،فكان منها “انكيدو” ،الصنديد /الرجل الوحش.

لا يعرف الناس ولا البلدان

يرعى الكلا مع الغزلان

يرد الماء مع الحيوان

ومع البهيمة يصره قلبه عند الماء

   عاش “انكيدو” مع الحيوانات يأكل من النباتات ويشرب من الماء،عاش عيشة الوحوش ودافع عنها([7]*)   في يوم من الأيام أتى صياد إلى الغابة ليصطاد من الحيوانات كعادته فنصب فخاخه، ليرى” انكيدو” فدخل إلى قلبه الخوف الشديد نظرا لضخامته و قوته و صوته المرعب واخبر والده بما رآه،فأمره أن يذهب إلى “جلجامش” ليجد الحل،فابلغ الصياد “جلجامش” عن “انكيدو” فأرسل مع الصياد “كاهنة” من معبد عشتار تسمى “شامات“,و أمرهما أن يذهبا إلى مورد الماء ولما يظهر لهما “انكيدو” تعمل على إغراءه بمفاتنها

وليعطك بغيا تصحبها معك

ودعها تغلبه و تروضه

وحين ياتي ليسقي الحيواب مو مورد الماء

دعها تخلع ثيابها وتكشف عن مفاتن جسمها

فإذا ما رآها فإنه سينجدب إليها

وعندئذ ستنكره حيواناته التي شبت معه في البرية

 وذلك ما حدث عندما ظهر لهم “انكيدو” عملت بما أمرها به “جلجامش” فأعجب بها وقضى معها ستة أيام و سبعة ليالي، بعد تلك الأيام لم تعد الحيوانات تعرفه،فهو لم يعد واحد منهما فقد صار غريبا ،فرت أمامه مذعورة فلم يستطع مجاراتها بالركض ففقد من جراء ذلك  الكثير من قواه.فعاد الى “شامات“بعد أن أدرك تحوله، ورغم كونه فقد القوة -الحيوانية- إلا انه أصبح حكيما و مستنيرا، طلبت منه “شامات” ان يذهب معها الى مدينة أوروك،هناك سيتعرف على الملك”جلجامش” الملك القوي ،السلطان على الجميع ،فقبل ذلك فانطلقا معا إلى المدينة .

في تلك الأثناء حلم “جلجامش“بنجوم تسقط على الأرض،واحدة منها سقطت بالقرب منه، حاول أن يرفعها لكنه لم يقدر ،حاول أن يحركها فلم يقدر، فاجتمع أهالي أوروك على النجم فقبلوا رجلها، وكذلك فإنه آخذها هو بالأحضان وعاملها كصديقة و اعتبرها متساوية له ،فاخبر أمه “ننسون” بذلك الحلم الذي أقلقه

يا أمي، لقد رأيت الليلة الماضية حلما

رأيت أني أسير مختالا فرحا بين الأبطال

فظهرت كواكب السماء، وقد سقط احدهما إليَّ،وكأنه شهاب السماء”انوا””

لقد أردت أن ارفعه، لكنه ثَقُلَ عليَّ

تجمع حوله آهل أوروك، و ازدحم الناس حوله، وتدافعوا عليه

واجتمع عليه أصحابي يقبلون قدميه

انحنيت عليه،كما انحني على إمرة،

وساعدوني فرفعته،وآتيت به عند قدميك

فجعلته نظيرا لي

فسرت له أُمه الحلم،و أخبرته أنه سيحصل على صديق يقف معه في الشدائد،صديق شديد القوة .

   وصل “انكيدو” و”شامات” إلى اوروك، فلاحظ سكان المدينة “انكيدو” فأُعجبوا بهيأته الكبيرة وقوته الجسمانية،فاستبشروا به خيرا، وعلم سكان المدينة  انه البطل الذي سيشغلهم عن” جلجامش” و يخلصهم من بطشه،فقدموا له الخبز و الخمر، لكنه لم يعرف لا الخبز و لا الخمر فتوجسا منهما، لكنه أكل منه وشرب بعد أن طمأنته “شامات“، ثم قام آهل المدينة بتسريح شعره الطويل و العناية به مقابل أن يحرسهم من الأسود و يحميهم .وهو جالس لاحظ “انكيدو” أن شابا يحمل الطعام وهو متجه إلى وجهة ما، ذهب إليه و سأله لمن ذلك الطعام، فأخبره انه يتجه به  إلى حفل الزواج،فمن عاداتهم أن تقام حفلة للمتزوجين و يقدم لهم الطعام تم بعد ذلك يأتي “جلجامش“ليدخل على الزوجة قبل زواجها

!  فيكون هو العريس الاول قبل زواجها

فغضب “انكيدو“لذلك غضبا شديدا،وقرر أن يواجهه و آن لا يسمح له بالقيام بهذه العملية المخجلة،توجه “انكيدو“إلى الحفل ووقف امام الباب منتظرا قدومه،ولما هَّم “جلجامش“بالدخول إلى الحفل انتصب “انكيدو” ليسد في وجهه الطريق،غضب “جلجامش” وطلب منه التحرك،فلم يستجيب له “انكيدو“،وبدأ الاثنين في العراك،عراكا ضاريا اهتزت لهوله جدران المعابد،التحما في مصارعة عنيفة كانت الغلبة فيها “لجلجامش” الذي ما إن أوقع “انكيدو” أرضا وتمكن منه، حتى هدا فورة غضبه وتركه ماضيا في طريقه، غير أن “انكيدو” ناداه بكلمات وقعت في نفسه حسنا،اعلن إعجابه له بقوته و باسه، فكانت النتيجة صداقة و صحبة بين الطرفي ‘

إنك الرجل الاوحد،انت الذي حملتك امك

ورفع انليل راسك عاليا على الناس

ولدتك امك ننسون البقرة الوحشية

وقدر إليك الملوكية على البشر

__________________________

الفصل الثاني

أسفار جلجامش و انكيدو،ومغامرتهما

الالواح : 3 – 4 – 5 – 6

بعد أن وجد “جلجامش” صديقا يفهم خافية فوأده؛ عزم “جلجامش” على الذهاب إلى غابة الأرز المترامية الإطراف لقتال حارسه “حمبابا” الذي يخاف منه الجميع، والذي بسببه لا يستغلون غابة الأرز المترامية الأطراف ،فآخذ معه “انكيدو” وتقدها نحو الغابة الأرز لقطع أشجارها و قتل حارسها، بعد أن توجهوا إلى الآلهة بدعواتهم لمساعدتهم بدفع الرياح و الزوابع لصالحهما،و أخد النصائح من شيوخ أوروك ووسط دعوات  أهل المدينة غادرا في اتجاه الغابة لآلاف الأميال ،استغرق وصف رحلتهم اللوح الرابع من النص و معظم اللوح الخامس،حيث تظهر عواطف البطلين الإنسانية من اقدام و تردد،وشجاعة وخوف،ويقين وشك. وصلا إلى الغابة وتجاوزا بوابتها المسحورة،ليتصادما مع حارسها “حمبابا” ونشبت بين الطرفين’ معركة سرعان ما انتهت ب انهزام “حمبابا” بعد أن اتحد كل من “انكيدو” و “جلجامش” وبعد أن أهاج الإله “شمش” الرياح العاتية وساقها ضد “حمبابا”  فمسكته و شلت حركته،فانتصرا البطلان ليقوما بقطع رأسه و تقديمه قربانا للاله “شمش “

عاد “جلجامش” إلى أوروك بعد أن طبقت شهرته و “انكيدو” الآفاق ، فغسل أسلحته و استحم و أسدل شعر رأسه على كتفيه،ولبس ثيابه الملكية و وضع التاج على رأسه،فرأته الإلهة “عشتار” ف و قعت في حبه و عرضت عليه الزواج منها معددة الخيرات التي ستغدقها عليه إن قبل

تعالى يا جلجامش وكن حبيبي

هبني ثمارك هدية

كن زوجا لي و أنا زوجا لك

سآمر لك بعربة من ذهب ولازورد

وتدخل بيتنا متضمخا يشذى الارز

فإذا دخلت بيتنا

انحنى لك الملوك و الحكام و الأمراء

فرفض” جلجامش” عرض الإلهة،ونعتها بأقبح النعوت وعدد لها خياناتها لأزواجها

 أي من العشاق الذين اخترتهم، من أحببته على الدوام

وآي من رعاتك من رضيت عنه دائما

تعالي أقص عليك مآسي عشاقك

فغضبت “عشتار” غضبا شديدا،وانطلقت إلى السماء حيث كان أبوها “آنو” إله الالهة موجودا،وبكت كثيرا و أخبرته بإهانة “جلجامش” لها و طلبت منه الانتقام ممن أهانها بان يعطيها ثور السماء لتقتل به “جلجامش“.وانه اذا رفض طلبها فإنها ستقوم بتدمير البشرية ككل بإحياء الموتى ليأكلوهم كلهم،فأخبرها ابوها  بآنه إذا اطلق الثور ستكون هناك سبع سنوات عجاف  في أوروك و ستكون قبلها سبع سنوات سمان،فأخبرته “عشتار” انها جهزت المحاصيل،فسلم لها عنان ثور السماء بعد تردد،دفعته إلى أوروك ليعيث في المدينة فسادا و يقتل في طريقه مئات الناس،ولكن “جلجامش” و “انكيدو” ما لبثا أن تصديا له، وبعد مواجهة قصيرة استطاع “انكيدو” تقييد حركة الثور بينما طعنه “جلجامش” طعنة قاتلة و انتزعا قلبه وقدماه قربانا للإله “شمش “

صعقت “عشتار” و راحت كالمجنونة تجري في كل الأنحاء وتصرخ بأعلى صوتها :

ويل لجلجامش :قد مرغتني بالتراب ،من قتل ثور السماء

وهنا تنال “عشتار” الإهانة  الثانية،اما “انكيدو” انتزع لسماعه صراخ “عشتار” و وغدها، فخد الثور القتيل ورماه في وجهها،ورد على تهديدها بتهديد اعنف  :

لو استطعت بك إمساكا

لنالك مثل ما ناله

ولربطت أحشاءه إلى وسطك

   مع الانتصارات على ثور السماء، تبلغ مرحلة البطولة و الإنجازات الباهرة قمتها، وجعل البطلان لنفسيهما اسما خالدا لا يفنى

جلجامش هو المجيد بين الابطال

انكيدو هو الظاهر فوق الرجال

  بعد ذلك بأيام أفاق “انكيدو” من النوم وقد حلم حلما أزعجه كثيرا، حيث رأى الآلهة اجتماع بعد قتلهما ل”حمبابا“و الثور السماوي وقرروا أن ينتقموا مما قام به “جلجامش” و “انكيدو” و كانت نتيجة ذلك القرار أن يموت “انكيدو” و يبقى “جلجامش“.

يا صاحبي، اي حلل عجيب رايته الليلة الماضية

رايت ان آنو و انليل و آيا و شمش قد اجتمعوا يتشاورون،

وقال آنو لانليل:

لأنهما قتلا الثور السماوي،وقتلا “خمبابا”

فينبغي ان يموت ذلك الذي اقتطع آشجار الآرز

ولكن انليل اجابه قائلا :إن انكيدو هو الذي سيموت

ففهم “جلجامش” تفسير الحلم وتضايق كثيرا ودعا الآلهة كي لا يموت ولكن لم تستجب ادعيته .

_______________________________

الفصل الثالث

موت انكيدو وحزن جلجامش عليه وسعيه وراء الخلود

الألواح : 7-8-9

دب أعراض المرض في “انكيدو” فأقعده في فراشه،عليل الجسد سقيم الفؤاد،يرى في أحلامه العالم السفلي الذي سيهبط إليه قريبا،و أحوال الموتى فيه،تم يراجع شريط حياته فيندم على تركه حياة البرية متمنيا لو انه لم يعرف المدنية قط،لاعنا كاهنة الحب “شامات”،فكلمة الإله “شمش” من السماء قائلا :

لماذا يا انكيدو تلعن المرأة،كاهنة الحب

التي علمتك اكل الخبز،طعام الآلهة

وشرب الخمر شراب الملوك

من كستك ثيابا فاخرة و اعطتك “جلجامش” الرائع صديقا

فالآن هو اخ لك…

 لدى سماعه كلمات الإله  “شمش”،يهدأ فؤاد “انكيدو” ليحول لعناته السابقة إلى بركات. وبينما “انكيدو” يغرق في ظلمة الموت شيئا،كان “جلجامش” جالس بجانبه يناجيه و يعدد مناقبه،فهدأه حركة “انكيدو” وفارقته الروح ،وصرخ “جلجامش” قائلا:

أنصتوا بإلي يا شيوخ أوروك،اسمعوني

إنني ابكي صديقي انكيدو

إنني ابكي بحرقة  النساء

كان البلطة إلى جنبي،والقوس في يدي

المدينة في حزامي،والترس الذي أمامي،

حلة عيدي،فرحي الوحيد

انكيدو،يا صديقي،يا اخي الصغير،

……….

لقد ذللنا معا الصعاب وارتقينا الجبال

امسكنا بثور السماء وقضينا عليه

صرعنا خمبابا ساكن غابة الارز

فاي نوم هبط عليك

فغبت في ظلام لا تسمع كلماتي.

ذهل،رفض أن يصدق، لبث جانب جثة “انكيدو“ستة ايام وسبعة ليالي،ولم يسلمه إلى الدفن حتى وقع الدود من انفه، وطلب من آهل المدينة أن ينحثوا له تمثالا . بعد ذلك بدا “جلجامش” في التفكير،إذ انه إذا أصاب الموت”انكيدو” فلا بد ان يصيبه هو أيضا.لم يتقبل ذلك،قرر أن يبحث عن إكسير الحياة ـ الخلود، وتجهز لذهاب عند “اتنابشتم” الخالد الذي أُعطي الحياة الأبدية له ولزوجته بعد الفيضان العظيم (الطوفان) ليخبره عن سر  حصوله على الحياة الأبدية.

غادر المدينة متجها إلى “اوتنابشتم“،قطع مسافات طويلة و لآيام طويلة إلي ان وصل إلي جبل ماشو حيث كان يحرص الممر عقربان كبيران مخيفان،نظرتهما كانت  تدلان على الموت،خاطب العقربان “جلجامش” وسألاه عن سبب حضوره إلى هذا المكان، فحكي لهما سبب قدومه و عن صديقه “انكيدو” ووفاته، فأخبراه انه لا يستطيع احد في السابق الوصول إلى “اوتنابشتم” ،حيث لا يستطيع احد تجاوز الممر المظلم بين الجبلين،فنظر العقربان إلى حالة “جلجامش” المزرية بسبب سفره الطويل وسمحا له بالمرور، دخل “جلجامش” بين الجبلين، أصبحت السماء مظلمة ، مشى في الظلام ساعات وساعات،سار مئات الأميال إلى آن وصل إلى نهاية الممر ووجد النور مرة أخرى، وعند تلك النقطة وجد حانة الآلهة عند حافة البحر تديرها “سيدورى” فحكى لها قصته وطلب منها أن تبين له الطريق إلى “اوتنابشتم” قالت له :

إلى أين تمضي يا جلجامش؟

الحياة التي تبحث عنها لن تجدها

فالآلة لما خلقت البشر

جعلت الموت نصيبا لهم

وحسبت في أيديها الحياة

أما آنت يا جلجامش،فاملآ بطنك

افرح ليلك و نهارك

اجعل من كل يوم عيدا

ارقص لاهيا في الليل و في النهار

اخطر بثياب زاهية نظيفة

اغسل راسك و تحمم بالمياه

دلل صغيرك الذي يمسك بيدك

واسعد زوجك بين احضانك

هذا نصيب البشر في الحياة.

لم تجد هذه الكلمات أذنا صاغية من “جلجامش” فدلته على ملاح “اوتنابشتم” وإسمه “اورشنابي”

توجه “جلجامش” إلى الغابة و أكمل الطريق إلى “اوشتنابي“،فلما رآه خاف “اورشنابي” من “جلجامش” فرفع فأسه ليضرب” جلجامش“,فأمسك “جلجامش” يده،وضرب الصخور التي كانت حوله فتهشمت،توقف “جلجامش“بعد ان عرف “اورشنابي“بنفسه وانه يريد ان يعبر البحر للوصول الى “اوتنابشتم” وأقنعه باصطحابه،لكن كان المشكل أن “جلجامش“كان قد كسر الصخور التي يتم بواسطتها عبور بحر الموت،فكانت هنا طريقة وحيدة لعبور البحر وهي أن يقوم “جلجامش” بقطع 120عصاة من الشجر ليتم من خلالها عبور البحر،ففعل ذلك “جلجامش

________________________

الفصل الرابع

قصة الطوفان كما يرويها”اوتنابشتم” إلى “جلجامش”

   الألواح:  10-11-12

عبر “جلجامش” و “اوشتنابي“بحر الموت إلى أن وصلا إلى الضفة،حيث ينتظر “اوتنابشتم” عودة ملاحه ،فتعرف عليه “جلجامش” الذي اخبره بصداقته “لانكيدو” و قتلهما لخمبابا و الثور السماوي و موت صديقه “انكيدو” و حزنه و بحثه عن إكسير الحياة،وسأله كيف حصل على الحياة الأبدية:

قل لي كيف دخلت مجمع الآلة ونلت الحياة الخالدة

فبدأ “اوتنابشتم” بسرد قصته على “جلجامش“:عاش في مدينة شوروبا القريبة من الفرات، كانت المدينة قديمة وكانت الآلهة تعيش فيها،ولكن الناس أصبحوا أشرارا ،كثر الظلم و الفساد فيها، غضبت الآلهة لشرورهم ولذلك قررت ان تغرق الأرض بمطر عظيم لمحوهم جميعا،فأخفوا سر الفيضان عنهم وحلفوا أن لا يخبروا أحدا على الخطة،”إيا” إلهة الحكمة لم تخبر أحدا من الناس، لكنها كانت ذكية قد تحدثت مع سياج منزل “اوتنابشتم” لكي يسمعها هو بطريقة غير مباشرة،طلبت من السياج أن يحذره من الفيضان وان يأمره بصناعة سفينة كبيرة ففعل “اوتنابشتم” ما أمرت به ،فسآلها ماذا عساه ان يقول لناس حينما يكتشفون بأنه يصنع سفينة،فردت عليه بأن يخبرهم ان الآلهة غاضبة عليه وهم الذين طلبوا منه الخروج من المدينة ،تم ذلك وقام أهل المدينة بمساعدته في صنع سفينة كبيرة حتى اكتملت،فأخذ زوجته وجمع الحيوانات كلها خارج من المدينة،بعد ذلك أخذت العواصف والبرق والمطر التي أرسلتها الآلهة تغرق المدينة،حاول الناس الهروب لكنهم ماتوا جميعا، وبعد سبعة أيام ظهرت الشمس مرة أخرى،الآلهة من هول المشهد ندمت على فعلتها وحزنت وبكت على موت البشر،ولما اكتشفوا  نجاة “اوتنابشتم” وزوجته  بفضل الإلهة “إيا” سَّر الآلهة باستمرار الحياة وقرروا آن ينعموا على “اوتنابشتم” بالحياة الخالدة مع زوجته و آن يبعدوهما على باقي البشر .

بعد ذلك أراد أن يختبر “جلجامش” فطلب منه أن يظل يقظا ستة أيام وسبعة ليالي كما ظل هو مستيقظا في السفينة ،ولم تكد تمر ساعة حتى استسلم “جلجامش” لنوم بسبب تعبه في رحلته الطويلة نام، ستة ايام   وفي كل يوم كان تخبز زوجة “ اوتنابشتم ” رغيفا تدعه فوق رأسه ليتأكد “جلجامش” بعد استيقاظه انه نام طيلة تلك الأيام،فلمسه في اليوم السابع “اوتنابشتم فاستفاق،فقال :

اواه يا اوتنابشتم.ماذا افعل.اين اسير

لقد تسلل البلى الى اطرافي

وسكنت المنية حجرة نومي

وحيثما قلبت وجهي اجد الموت

طلب “اوتنابشتم” من “اورشنابي” ان يرجع “جلجامش” من حيث آتى وطلب منه أن لا يعود بعد أن كشف مكانه ،اشفق “اوتنابشتم” على” جلجامش” و اخبره أن نبتة غريبة سحرية،هي سر من اسرار الآلهه لا تعطي الخلود ولكنها تجدد الشباب و تطيل العمر، وهذه النبات توجد في عمق البحر وعليه اشواك كثيرة  من يقدر ان يمسك بها رغم اشواكه و يأكلها سيصبح شابا،غاص “جلجامش“في عمق البحر،وبحث عنها فوجدها تمكن من ان يمسك بها وان يقتلعها  بالرغم من الأشواك،حملها إلى السفينة ليعود بها إلى مدينته و يفتخر بها أمام الملا ويأكلها أمامهم ،و اثناء عودته راى “جلجامش” بركة ماء ،نزل فيها ليستحم بمائها،تاركا النبتة على ضفة البركة.تشممت حية رائحة النبتة فاخدتها و أكلتها فجددت جلدها مباشرة و استعادت شبابها.

وبعد خسارة “جلجامش” لآمل تجديد الشباب،بعد آمل الخلود ،يتابعه طريقه إلى مدينته أوروك  حزينا كئيبا.

اللوح الثاني عشر

يعد اللوح الثاني عشر من “ملحمة جلجامش”  ملحقا يمكن الإستغناء عنه،حيث لا يدرج غالبا في ترجمات الملحمة،يسقطه المترجمون عادة من الملحمة ،في هذا اللوح يتعد فيه انه بعد ان سقط لي “جلجامش” شيئين من  الادوات الخشبية في العالم السفلي، يتطوع “انكيدو” لجلبها،يعطي “جلجامش” “لانكيدو” إرشادات مفصلة لكي لا يلفت إنتباه كائنات العالم السفلي ولا يثير عضبها،غير انا “انكيدو تصرف بشكل طائش ،وجدب الأنظار إلى نفسه بملابسه الجميلة و عطره الفواح وحركاته التي لا تليق بشخص ميت،وما إن تدرك قوى العالم السفلي انه واغل عليها حتى تلقي القبض عليه ,

يستنجد “جلجامش” باكيا بعدد من الأرباب،وحين يصده اثنان منهم يشفق عله انكي،وذلك ليتمكن “جلجامش” من روية روح صديقه ويعلمه عن الحياة في العالم السفلي،(سنتوسع في أحداث هذا اللوح في الفصل الموالي أثناء الحديث عن الحياة ما بعد الموت).

ما وراء سطور الملحمة

عند قراءة و تحليل مضمون الملحمة نستطيع أن نستشف مجموعة من الممارسات التي كانت سائدة لدى الشعب الذي أبدع هذه الملحمة ،وان نستنبط  معتقدات و أفكار كانت سائدة وأيضا تمكننا من الإطلاع على مجموعة من قيم هذا الشعب،إنطلاقا من فكرة ان النتاج الفكري و الادبي مرآة لحركة المجتمع(1)[8]. فمن السمات الأساسية التي تدور حولها الملحمة وتتجمع حوله القيم هناك “الصراع”، والصراع هنا بمعناه الواسع والذي يشتمل أوجه متعددة يمكن إدراجها في التصنيفات الخمسة الآتية:

أولا:الصراع ضد الظلم و التعسف

   إن “جلجامش” يمثل الطرف الأول في الصراع ،فهو يتورع عن إجبار شعب أوروك على القيام بأعمال السخرة،كما انه لم يراعي الحرمات،فهو يعتدي على حرائر النساء و يستولي على العذارى ليلة الزفاف  :

لم يترك جلجامش ابنا طليقا لأبيه

ولم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار

ولم يترك جلجامش عذراء لحبيبها

ولا ابنة مقاتل ولا خطيبة لنبيل

 آما الطرف الثاني فهم “اهل اوروك” الذين يرفضون هذا الظلم ولم يبرحوا يشكونه إلى الآلهة. وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة ذات أهمية الا وهي صفة الموضوعية السائدة  ، فهم، رغم تعدادهم لهذه المظالم يعترفون له في نفس الوقت بصفات حميدة :

هو الذي عرف كل شيء فغني بذكره يا بلادي

هو الذي عرف جميع الأشياء و أفاد من غيرها

هو الحكيم العارف

وفي مكان آخر من الملحمة

لكن جلجامش هو راعي “اوروك” الحمى و السور

هو راعينا القوي، كامل الجمال و الحكمة

وعلى هذا الأساس،فإن رغبتهم كانت إيقاف هذا الظلم ،وقد ابتكرت عقليتهم حلا رائعا وهو خلق منافس ل”جلجامش” يوازيه بما يملكه من قوة، وذلك من اجل إحداث التوازن فاخلقي الآن غريما له يضارعه في القوة و العزم،وليكون في صراع مستديم لتنال أوروك السلام و الراحة . ولم تكن رغبتهم إذن في إزالة “جلجامش” من عرشة ،لأنه يحقق لهم مكاسب ايجابية، وكل ما يرغبون فيه هو تعديل لسلوكه،ورغم أن الآلهة في تلك الفترة الزمنية هي القوى التي خلقة الناس ليسدوا به عجزهم الذي يعانون منه أمام قوى الطبيعة آو القوى الظالمة من الملوك.فخلق “انكيدو” كمنافس هو دلالة قيمية عبر بها الشعب عن رغبته في تعديل النظام السائد من نظام ديكتاتوري فردي إلى نظام متوازن و أن هذا التغيير هو تطور حضاري لهذا الشعب،وما حصل بعد ذلك هو تغير في سلوك “جلجامش”،وبالتالي تغيير شكل نظام الحكم. فبدلا من أن تكون قوة “جلجامش” وسيلة لإخافة شعبه و إيقاع المظالم به،توجهت الى محاربة قوى الشر،وإلى الرغبة في تحقيق المجد لاهل اوروك والكفاح من اجل قيمة كبيرة و هي الخلود .ومما يستشف أيضا أن هذه الحضارة آو الشعب الذي أنتج هذه الملحمة يحمل  قيم الرفض للظلم و لم يسكت عنه ابدأ بل بدا بالشكوى(1)[9]

ثانيا :الصراع مع القوة التي تمثل الشر

في الجزء الثاني من الملحمة “أسفار انكيدو و جلجامش و مغامرتهما” يبدو الصراع بين الإنسان و القوى التي تمنعه من استثمار الطبيعة و التمكن منها و السيطرة عليها.”إن “خمبابا” حارس غابة الأرز هو القوة التي تخيف الإنسان حتى لا يستثمر أخشاب الغابة و الصيد فيها،هذا مع العلم آن الصيد في تلك المرحلة من الحضارة كان مصدرا أساسيا من مصادر الحصول على الغداء،و أن الأخشاب و خاصة أخشاب الأرز كانت مصدرا أساسيا لوسائل البناء و كذلك المادة الأساسية في صناعة السفن،لذلك تصبح القوة التي تمنع من استثمار الغابة هي القوى التي ينبغي إن يدخل معها في صراع.

و أيضا مما يلاحظ ان اللجوء الى الابتهالات و الدعاء سواءا من “جلجامش” او “قوم أرووك” طلبا للعون على الشر يدل على الاعتقاد في تلك الفترة على أن الشر قد يوجه من الآلة على البشر.

ثالثا الصراع ضد الفساد الخلقي

   يرتكز هذا الجزء الثالث من الملحمة حول الصراع بين جلجامش و “عشتار” بنت كبير الآلهة السومرية “آنو” لكنها في سياق الأسطورة يظهر عدم التزامها بالقيم ، تسير وفق أهواءها، إذا اعددنا قراءة هدا الجزء سنستشف بان قيم عدم الوفاء و الاستهتار بالحب و الغدر بالحبيب قيم غير مرغوب بها ، و أيضا آن الإغراء بالأشياء المادية و الجاه للوصول إلى أهداف جنسية كانت سائدة،و انتصار القيم الإيجابية على السلبية(1)[10].

رابعا:الصراع مع فكرة الموت

   يتناول هذا الجزء عدة جوانب ترتبط بالقيم السائدة في تلك الفترة ،منها

     اولا ان الموت غير مسبب بأسباب مادية و إنما هو حق بيد الآلهة ،هذا واضح من النص الآتي

إن انو و انليل و ايا و شمس السماوي

قد اجتمعو يتشاورون وقال آنو لانليل

لانهما قتلا الثور السماوي و خمبابا

فيبغي ان يموت ذلك الذي اقتطع اشجار الارز

ثانيا:مفهوم الموت و الروح

  في اللوح الثامن يتبين على أن الموت ماهر إلا مرحلة من الوجود، و لا تنفصل روح الميت التي كان ملازمة لجسده إلا لحظة موته،إذ يتوقف القلب على النبض،وتتعطل كامل وظائف الجسد،إذ يقول “جلجامش” مخاطبا صديقه “انكيدو”(2[11]) :

 …ما هذا النوم الذي استولى عليك؟

لقد أصبحت بلا وعي،إنك لا تسمعني

لكنه لم يرفع رأسه

تحسس قلبه لكنه لم يعد ينبض…

وبذلك يكون موت البشر بانفصال الروح عن الجسد،هذا الأخير الذي يودع في القبر ليبلى،واعتقدوا ان خلود الروح في عالم الأموات لم يكن يعتمد المحافظة على الجسد،بينما كان الغرض من العملية الدفن هو ضمان نزول الروح إلى عالم السفلي،وعدم بقاءها تائهة غاضبة في عالم الأحياء،وهذا ما سيظهر جليا في الجانب الموالي “الخوف من الحياة بعد الموت ووصف “انكيدو” للعالم السفلي”.

الخوف من صورة الحياة بعد الموت: ثانيا

  فقيمة الخوف من الموت واضحة ،وهي قيمة موجودة في كل عصر، ؛وهذه النطرة المشوبة بالخوف والكره،مردها لا ضمان لحياة افضل في عالم الاموات من حياة الدنيا([12]1)،وفيها يرد :

…. الموت ضار يحصد البشر

فهل حفظنا بيوتنا للابد…

 و المبالغة في الخوف يأتي من تصور الحياة بعد الموت وما يجري فيها من أحداث رهيبة يتضح ذلك عند وصف روح “انكيدو” لدى خروجه من العالم السفلي لفترة وجيزة لمقابلة “جلجامش” .

  فوفقا لما يرويه شبح “انكيدو” مجيبا على أسئلة  “جلجامش” فإنه يتضح،بان الأموات سكان العالم السفلي كانوا يخضعون لمعاملات مختلفة ومتفاوتة وفقا لقواعد،تجعلنا نكتشف شيء من النظام الداخلي للعالم السفلي،فنلاحظ أن معاملات الأموات ممن أنجبوا ابناءا في حياتهم كانت تتحسن كلما زاد عدد الأبناء. ويستعرض النص مصير من كان له ابن واحد او اثنين،او ثلاثة…حتى السبعة ابناء،فنشهد عند ذلك تدرجا،يتراوح بين البكاء المرير مرورا بالسماح بشرب الماء ثم سعادة الفلاح… إلى الاستماع للموسيقى في حضرة الآلهة لمن كان له سبعة أبناء ،واسوا الحالات،هي حين لا يبقى لشبح الميت احد للاهتمام به وبخاصة حالة من تركت جثته في الصحراء دونما دفن،لان هذا الشبح لا يعرف الراحة([13]2).وهكذا يظهر على أن عملية الدفن لم تكن سوى طريقة تدخل الميت عالمه الجديد،بعد لحظة موته التي تتجلى في انفصال ظل أو طيف جسد المتوفى في شكل طير يشبه الميت تماما،وسميت الروح بالسومرية(كدم)حيث تتحول بشكل غامض على هيئة طائر يذهب إلى العالم السفلي،إذ تصف لنا الملحمة أرواح الموتى في شكل هذا الطائر الذي ينزل من القبر ليبقى سجينا في العالم السفلي، في حين عندما يحرم جثمان الميت من

الدفن تصبح أرواحهم تائهة،لذلك كانوا يدفنون موتاهم لضمان نزول أرواحهم إلى العالم السفلي([14]1).

خامسا :الصراع من اجل الحصول على الخلود

هذا الجزء التي يقوم في “جلجامش” بالبحث عن سر الخلود حتى لا يلاقي مصير صاحبه ؛ فمن أهم القيم التي نستشفها هنا هو عدم الاستسلام للواقع و الرغبة في تغييره نحو الأحسن و المثابرة على ذلك و تحمل الصعاب

(1) : كان الطين من آهم المواد التي دونت الكتابة المسمارية وقد كانت طبيعة مواد الكتابية التي استخدم’ في بلاد الرافدين اثر كبير في حفظ النصوص المسمارية لالاف السنين،دون ان تتآثر بالعوامل الطبيعية المختلفة.[1]

)  : فراس السواح، جلجامش، ملحمة الرافين الخالدة، دار علاء الدين دمشق ؛1995 ،ص9[2](

(2) : عند طه باقر. ملحمة ڭلڭامش و قصص اخري عن  كلكامش و الطوفان،بغداد،منشورات وزارة   الثقافة و الإعلام،1980،ص 41[3]

) :  نجيب،محمد البهبيتي،المعلقة العربية الاولى عند جذور التايخ،الدار البيضاء:دار الثقافة،1981[4] (

   (1):انظر:ديڤيد دامروش ، بين الركام:ملحمة جلجامش العظيمة،كيف ضاعت و كيف اكتشفت،،ترجمة:موسى احمد الحالول،المركز القومي للترجمة،ط الولى،2012، ص 23و : فراس السواح ،جلجامش:كنوز الأعماق،دار سومر ،ط.1 ،1987ص26

.[5]

(1) :  فراس السواح،ملحمة جلجامش:كنوز الاعماق،دار سومر ؛ط.1؛1987،ص 65.[6]

 (*) : هذه الصورة التي أعطاها النص لانكيدو في اولى مراحل حياته،تستحضر إلى الذهن صورة الإنسان البدائي قبل دخوله عصر التحضر وفي الحقيقة فإن النص قد استحدم في و صفه انكيدو الكلمة الاكادية “لاللو” ا يشير معناها الاصلي إلى الإنسان الاول،او الجيل الاول من البشر في حالتهم البدائية الشبية بحالة الحيوان،فراس السواح،المرجع السابق .[7]

  (1): فراس السواح،المرجع السابق،ص239 . [8]

   (1): مجلة المجمع القاسمي للعة العربية،العدد 6،2013مـ1433ه،صص1ــ32ةعلاقة المعلقات بملحمة جلجامش ،إحسان الديك [9]

(1)  :  محمد مهدي محمود ومؤلفون آخرون،تحليل المضاميين القيمية في ملحمة جلجامش،مجلة اداب المستنصرة،العدد العاشر؛صص387ـــــ408.[10]

(2):  محمد بن عبد المومن،عقائد ما بعد الموت عند سكان بلاد المغرب القديم،أطروحة لنيل شهادة الدوكتراه في التاريخ القديم،تحت إشراف د.عبد القادر بوعزم؛جامعة وهران؛2011ــ2012م؛ص16 ..[11]

  : محمد بن عبد المومن ،المرجع السابق؛ص 17 . (1)[12]

(2) : قاسم الشواف،ديوان الأساطير،ترجمة ادونيس،ج4:الموت و البعت و الحياة الابدية،دار الساقي؛2001؛ط1؛ص151 [13]

(1)  :  محمد بن عبد المومن ،المرجع السابق؛ص 18_19.[14]

شاهد أيضاً

أدب المواجهة وعلاج النفوس المتألّمة بالفنّ

*ناتالي الخوري «قتلتُ أمّي لأحيا» رواية للكاتبة اللبنانيّة مي منسّى، الصادرة حديثًا عن دار رياض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *