1492

خاص- ثقافات

*المصطفى رجوان

 

 

1492،العالم قبل هذه السنة ليس هو نفسه بعدها. 1492بداية تاريخ جديد،سقوط آخر إمارة أندلسية،إمارة غرناطة Granada،وخروج أبي عبد الله الصغير منها،على يد الملكة إزابيلا ملكة قشتالة Castilla  وفرديناند ملك أراغون Aragon اللذان سيتزوجان ويدمجان المملكتين في مملكة واحدة،لتبدأ محاكم التفتيش إرهابها.نفس الملكة والملك سيمولان رحلة كريستوفر كلومب الذي ستقوده الصدفة إلى اكتشاف القارة الأمريكية كما تزعم الروايات.

فيما تحتفل إسبانيا منذ 2 يناير 1492 وحتى اليوم،بهذا اليوم الذي انتهى فيه الحكم العربي الإسلامي لأراضيها،والذي دام 800  سنة.وفي البرتغال التي حكمها المسلمون أيضا،أغلب الشعارات تدور حول فارس برتغالي ورؤوس مسلمين مقطوعة.

يجب أن نكون منصفين،وصادقين مع أنفسنا.وجود المسلمين في الأندلس لم يكن ليدوم بعد سنة 1492.لأن دخول المسلمين لأوروبا كان على أساس نشر الدين الصحيح والمعرفة،حين كانت أوروبا يتحكم فيها جهل الكنيسة التي تحرم آنذاك التعلم فكانت قلة قليلة تعرف القراءة والكتابة.لكن ابتداء من انفراط عقد الخلافة بعد إعلان الوزير أبي الحزم ابن جهور سقوط الخلافة،لم يعد للأندلس شيء تنفع به أوروبا.لقد صارت الأندلس دويلات صغيرة يحكمها ملوك الطوائف،حروب بين الإمارات ودسائس داخلها.فقال الشاعر ابن عمار:

مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْض أَنْدَلُـسٍ

أَسْمَاءُ مُعْتَمِـدٍ فيهـا وَمُعْتَضِـدِ

أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا

كَالْهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صُورَةَ الأَسَدِ

ويقول نزار قباني:

مضتْ قرونٌ خمسة

مذ رحل (الخليفة الصغير) عن إسبانيهْ

ولم تزل أحقادنا الصغيرهْ

كما هيهْ

ولم تزلْ عقلية العشيرهْ

في دمنا كما هيهْ

مضت قرون خمسةٌ

يا غاليهْ

كأننا ..

نخرج هذا اليوم من إسبانيهْ

وتقول ليلى أبو زيد أو عائشة في سيرتها الذاتية (الفصل الأخير) عن زيارتها لإسبانيا: “سهرت أسائل نفسي لماذا بقينا في كل الأمصار إلا الأندلس؟لماذا الأندلس؟ وأفضى بي التفكير إلى تفسير عجيب ضمن مقارنة بين الأندلس وإسرائيل:كانت مطوقة.زرعت في غير تربتها.نعم عاشت ثمانية قرون ولكن أين هي الآن؟ثمانية قرون من القلق والترقب وأول ما سنحت الفرصة أمست قصورا في إسبانيا،لحنا في موشح،معنى في بيت شعر،دراسة في كتاب وجرحا في نفوس العرب.لم تكن لتبقى ولو استمرت ثمانية قرون أخرى.”(ليلى أبو زيد،الفصل الأخير،134)

ربما يؤاخذ البعض المسلمين على فتح الأندلس معتبرين إياه احتلالا واضحا،ولكن علمنا التاريخ إما أن تحتل أو تحتل.فإسبانيا والبرتغال بعد خروج المسلمين منهما مالا على المغرب.وأوروبا في حركتها الاستعمارية في القرن العشرين قامت باحتلال العالم الإسلامي والعالم بأسره بدعوى نشر المسيحية والحضارة والتقدم،لكن الحقيقة غير ذلك كما نعلم.في النهاية،القوي هو الذي يفرض ثقافته ولغته،ويسيطر.وفي النهاية إسبانيا لأصحابها،وأوروبا لأهلها.يومها كان المسلمون قادرين على تعمير الدنيا وإضاءة العالم بسراجهم الوهاج،أما اليوم فنحن عاجزون عن إصلاح أوطاننا.

الأندلس ذكرى مؤلمة وجميلة في نفس الوقت،تضيف الكاتبة:”دخول غرناطة لا يشبهه أي دخول.له غصة في الحلق،مرة،كالرجوع إلى بيت خرجت منه بمقتضى طلاق بات.والحمراء شعر أُموي رقيق وقوي في آن وعاص على الترجمة.والأعمدة من رشاقتها لا تصدق.ولا غالب إلا الله،بجمال الحرف العربي وجلال الخط الكوفي منقوشة في الصخر،منقوشة في قلبي.وأنا أمسح بناظري الأبواب والنوافذ والجدران والسقوف والأعمدة والنافورات والمداخل والصحون.أتتبع النتوءات والتجويفات والخطوط والرسوم والألوان.أتنفسها.أتشربها.وأمسح نظري المائع لأرى وأرى وأرى.”(الفصل الأخير،ص 132و133).

هذه هي أحوال الدول،صعود وهبوط،فخسرت السياسة وربح الأدب مراثي الممالك الرائعةَ:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ

مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد

ولا يدوم على حالٍ لها شان

اليوم مسجد قرطبة الشهير لا يرفع فيه آذان ولا تقام فيه صلاة،ولكن تدق فيه الأجراس.وكم من مساجد في الأندلس أصبحت كنائسَ،رغم أن المسلمين لمْ يمارسوا هذا السطو والاغتصاب طوالَ عهودهم الزاهية.

نزار قباني،آخر شاعر أُموي،ستشاء الأقدار أن يكون ملحقا دبلوماسيا في الأندلس..جرح قديم عميق سيستيقظ في قلب هذا الشاعر الأموي الأخير.فيكتب مجموعة من القصائد:مذكرات أندلسية،أوراق إسبانية،أحزان في الأندلس،غرناطة.يقول نزار في إحدى قصائده الإسبانية:

لمْ يبْقَ من قرطُبةٍ

سوى دموع المئذنات الباكيهْ

سوى عبير الوردِ،

والنارنج،

والأضاليهْ ..

لم يبقَ من (ولادة)

ومن حكايا حبها ..

قافيةٌ ..

ولا بقايا قافيَهْ ..

           ….

لمْ يبقَ من غرناطةٍ

ومن بني الأحمرِ ..

إلا ما يقول الراويهْ

وغيرُ (لا غالبَ إلا الله)

تلقاك لكل زاويهْ

لم يبقَ إلا قصرهمْ

كامرأةٍ من الرخامِ عاريهْ

تعيش – لا زالت – على

قصةِ حبٍّ ماضيهْ ..

هكذا كانت 1492 منعطفا تاريخيا وجغرافيا خطيرا على مستوى العالم،وسايس بيكو عريقا سيعيد تشكيل خريطة القوى العالمية لصالح غير المسلمين.

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *