الرئيسية / إضاءات / الوقوف على شُرفة العمر

الوقوف على شُرفة العمر

*د. حسن مدن

عمري مش تلاتين
ولا أربعين ولا حتى خمسين
عمري بيكبر و يصغر
مع كل كلمة حنين
او كلمة قسوة تخلي قلبي حزين

«صلاح شاهين»

مرةً في صيف أحد أعوام الثمانينات الماضية، لعل ذلك كان صيف 1983، التقيت المرحوم الدكتور حسين مروة لقاءً مطولاً في بلدٍ أوروبي حيث تصادف وجودنا في نفس الفندق، وعلاقتي، كقارئ، بحسين مروة قديمة تعود إلى سنوات الصبا، حين وقع في يدي عددٌ قديم من مجلة «الثقافة الوطنية» التي كان هو أحد أهم أعمدتها، وأذكر إن أكثر ما شدني في الذي يكتبه هو دراساته النقدية، لكن حسين مروة انصرف بعد ذلك إلى البحث الفلسفي والفكري، حيث انكب على وضع عمله الموسوعي عن الفلسفة العربية والإسلامية الذي كان قد صدر منه جزءان حين التقيته في ذلك الصيف، وكان كل جزء عبارة عن مجلد ضخم يقع في مئات الصفحات استغرق إعداده نحو عشر سنوات، لكن إرهاصات وبوادر هذا الاهتمام الفلسفي كانت بارزة في مساهمات حسين مروة النقدية الأولى.

في ذلك اللقاء سألته عما إذا كان يفكر إلى العودة للاهتمام بالنقد الأدبي الذي بدأ به حياته الثقافية والفكرية، فأجاب بأنه يفكر في ذلك جدياً، وإنه بصدد تجديد وتطوير عدته المنهجية كي تواءم الجديد في نظريات الأدب والنقد. يومذاك كان عمره يتجاوز الخامسة والسبعين، رغم أنه بحيويته وذكائه وأريحيته كان يبدو أصغر من ذلك، بل أني شعرت إنه في شخصية مساحة واسعة للبراءة، وفهمت بعد ذاك لماذا اختار أن يكتب سيرته الذاتية تحت عنوان: «ولدت شيخاً وأموت طفلاً».

والحق أن حسين مروة نموذج فريد من المثقفين، الذين زادهم الفكر والعلم تواضعاً وبساطة وأريحية وشفافية تنقض الصورة النمطية للمثقف المتجهم المعالي. وهذا على كل حال موضوع آخر يقال فيه الكثير.

ما أدهشني في حديث حسين مروة، وهو في ذلك العمر المديد، إصراره على أن يجدد منهجه النقدي وأن يعود للنقد مرة أخرى، وتساءلت بيني وبين نفسي متى سيلحق أن ينجز وهو في هذا العمر. يعرف العارفون أن حسين مروة لم يلحق أن يحقق حلمه هذا، فلقد مات شهيداً، حين دخل عليه مسلحون جهلة غرفة نومه وأردوه قتيلاً بالرصاص في واحد من أكثر فصول الحرب الأهلية اللبنانية بشاعة، امتهن فيها كل شيء وانتهك حتى المقدس.

استغرقني الحديث عن حسين مروة، فيما كنت أريد في الأصل أن أجعل من عبارته تلك مدخلا للكلام حول الإحساس بالعمر. وربما حول حقيقة أن العمر هو في الأصل شعور وإحساس قبل أن يكون عدداً من السنوات. يمكن لشاب صغير أو كهل في الأربعين أن يستحوذ عليه الشعور بالهرم، بالشيخوخة، وبأن الحياة عنده انتهت فيجتر ما تبقى من سنوات عمره في الدوامة نفسها، فيما يمكن لشيخ في عمر الدكتور حسين مروة، يومذاك، أن يظل شاباً في فكره، في روحه، وفي إقباله على الحياة. وأن يتصرف بأن حياته لم تكتمل بعد، وأن هناك الكثير مما يجب عليه أن يفعله، وأن يضيفه على نفسه وعلى الآخرين من حوله.

حين يسكننا ذلك الإحساس فإننا لا نحس بثقل السنوات وهي تمر علينا، ولا نشعر بكآبة حين نقلب تاريخ اليوم الذي تقع فيه ساعة ميلادنا، لأننا كبرنا عاماً إضافياً. إن الإحساس الجميل الذي ينتابنا ساعتها هو أننا نحب حياتنا أكثر، نحب الحياة أكثر، لأن هناك ما نفعله في هذه الحياة، وأن مفكرتنا القادمة تتضمن أشياء كثيرة يجب أن تنجز وتتحقق. إنه ذلك الإحساس الجميل المتفائل بأن غداً هو أول أيام حياتنا المقبلة.

تعنون ايدا لوشان، الباحثة الأمريكية، في كتابها الموسوم: «أزمة منتصف العمر الرائعة»، أحد فصول الكتاب بالتالي: «اليوم هو أول أيام عمرنا القادم»، وتقول الكاتبة التي وضعت كتابها وهي في الثامنة والأربعين من عمرها، إنه «لكي يكون للحياة أعمق معنى، ولكي يسعد المرء بالحياة، فعليه أن يحاول أن يجد ذاته».

وهي تلفت النظر إلى أننا ما أن نبلغ الأربعين حتى نبدأ الحساب « من نكون؟ وماذا فعلنا بحياتنا؟» وتضيف: «إن أول ما يَهولنا في منتصف العمر هو أننا لن نتمكن من قراءة كل الكتب التي نريد قراءتها ورؤية كل الأماكن التي نريد زيارتها، وغالباً ما يغمرنا الشعور بالندم: (كان ينبغي أن …)». وهذا ما يفسر، فيما يبدو، الشعور الذي يجعل الكثيرين يتحدثون عن منتصف العمر بوصفه خريفاً، كأنهم يريدون القول إن المرء ما أن يشارف الأربعين أو يجتازها يودع ربيع حياته، ويبدأ عنده العد العكسي.

لكن مرحلة منتصف العمر ليست قصيرة كما يظن؛ إنها ـ برأي المختصين ـ أطول مرحلة في حياة الإنسان.فهي تمتد من سن العشرين إلى سن الستين، أي أربعين سنة كاملة، ويقسم هؤلاء هذه المرحلة إلى جزئين: منتصف العمر الباكر( 20ـ40 سنة)، ومنتصف العمر المتأخر (40ـ60 سنة). وما يقلق الناس أكثر هو المرحلة الثانية، حيث قاموا باختيارات شخصية عديدة في الدراسة والعمل والزواج ونمط الحياة، وتطورت ملكاتهم في التقييم والتأمل.
أحد الكتّاب قال إنه في الفترة ما بين السابعة عشرة والعشرين من عمره كان له رأي طيب حول نفسه، ويمكن القول إنه كان رأياً رائعاً. كان يشعر بأن لديه الدافع اللازم للبدء في عمل “شيء عظيم” وإنجازه، ولأن يكون ذا نفع للكثيرين في تقويم الأمور.

ويشرح ذلك قائلاً: «لا يمكنني القول إن موقفي ذاك كان نوعاً من البلاهة والأنانية، فبالرغم من أنه كان يزعجني أن أقابل بالاستحسان من الآخرين، بل وأن ألقى التصفيق منهم كذلك، إلا أن هدفي الأول لم يكن كما أظن استغلال الآخرين والاستفادة منهم، وإنما أن أكون مفيداً لهم. لقد كان ما أنويه أكثر تواضعاً، وكان يتمثل ببساطة في أن أكون ذا نفع لأمثالي».

غير أن هذا الرأي الرائع حول النفس قد تهاوى كثيراً فيما بعد، أصبح الرجل يشعر بأنه مجرد من الحماية أحياناً، وكان يمكن له أن يتحمل بشكل أفضل أسلوبه في الحياة لو لم يكن يعي أنه أعلى من مهنته المنهكة، ومن متعه القليلة، ومن إيقاع حواره، لأن معرفة كل ذلك لا تساعده في الحقيقة على الاطمئنان والراحة، بل تولد لديه إحساساً بالإحباط وبأنه غير مؤهل لتجاوز الظروف المحيطة به.

لقد كان هو من صنع روتين حياته بنفسه، وبأسهل الأساليب: أسلوب التراكم، وكان يقينه أنه قادر على عمل أشياء أفضل قد أسلمه إلى التأجيل، وهذا سلاح رهيب وانتحاري في نهاية المطاف.
لو قرر هذا الشخص الآن بالذات أن يؤكد لنفسه في نوع من القسم المتأخر: «سأصبح ما كنت أود أن أكونه بالضبط”، فإن ذلك سيكون أشبه بأن يقذف بنفسه إلى شيخوخة مبكرة، لأن ما يرغب فيه الآن هو أقل تواضعاً مما كان يرغب فيه قبل ثلاثين سنة، خصوصاً أنه لم يعد يهتم كثيراً بالحصول عليه.

تداعيات هذا الرجل تحثنا جميعاً على التأمل في نظرتنا إلى أنفسنا، وليس ذلك فحسب، وإنما أيضاً حول تلك التحولات التي تطرأ على هذه النظرة للذات في المراحل العمرية المختلفة: كيف نكبر؟ كيف نتغير؟

من عبروا مراحل عمرية مختلفة، أي أولئك الذين لم يعودوا فتياناً أو صبايا، بوسعهم أن يقيسوا مثل هذه الاستنتاجات على تجاربهم في الحياة، ليكتشفوا أن كل مرحلة عمرية لها مذاقها، ولها جمالها الذي يناسبها، وسندهش حينما نكتشف أن المراحل العمرية الأنضج قد تحمل أوجه سعادة غير مسبوقة، لكن ذلك لا يتحقق من تلقاء ذاته، وإنما من خلال حرص المرء على تطوير وتنمية مَلكاته، ليس المهنية وحدها، وإنما أيضاً مَلكات تذوق الحياة والاستمتاع بالمباهج المختلفة التي تصقل الشخصية وتعمق جوانبها الإنسانية، وهي مباهج متاحة، ولكن هذا لا يعني أن بوسع الكل اكتشافها وبلوغها. وحدهم من امتلكوا حاسة ورغبة الاكتشاف والتعلم قادرون على تحقيق ذلك.

عندما كان إمبرتو ايكو لم يزل طالباً في الجامعة سمع أستاذهُ يقول إن الإنسان يولد بفكرة واحدة في الرأس، ونحن لا نفعل شيئاً آخر على مدى وجودنا كله سوى تطوير هذه الفكرة. يومها بدت له هذه فكرةً رجعية، لأنها تنفي إمكانيات التحول في حياة المرء، ولكنه عندما بلغ الخمسين أدرك أن أستاذه كان على حق، فعلى مدى حياته كلها، كما يقول، لم يفعل شيئاً سوى مواصلة الحفر في نفس الفكرة، وما ينجزه هو مجرد تنويع عليها . وهذه مسألة حريةٌ بالتوقف أمامها من قبل كلٍ منا، لأننا قد نشعر انه بعد طول تجريب وتنقلات في الحياة إنما نعود إلى ذواتنا، إلى دائرة اهتمامنا الأولى التي قد تعجز كل الترويضات عن قمعها ومصادرتها.

وجدير بكل منا أن يفكر: أين هي الفكرة التي تشكل بؤرة حياته ومغزاها، وكيف تتجلى أشكال تطويره لهذه الفكرة.
_____
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

نحو مهد العالم ..رسائل من الهند

ثقافات – صدر حديثاً عن منشورات المتوسط -إيطاليا ودار السويدي -الإمارات العربية المتحدة، الكتاب الحائز على جائزة ابن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *