الرئيسية / نصوص / ما وراء التطريز /مارينا كولازانتي

ما وراء التطريز /مارينا كولازانتي

*ترجمها عن الفرنسية: محمد محمد السنباطي

ابتدأتْ بالأخضر. لم تكن تعرف في التطريز سوى الأخضر. الأخضر الزاهي. إنه العشب. ذلك ما ظهر بعد النقاط الأولى. عشب سامق بأطراف مائلة كأنما يتطلع نحو شيء! نحو الزهور يتطلع. فكرتْ هي واختارت بقعًا حمراء، وهكذا.. شيئا فشيئا – ودون رسم – انبثقت حديقة في القماش المعد للتطريز، طيعة لديها، طيعة لحركتها نفسها وكانت تنمو تحت أنداء الليل.

في كل صباح كانت الصبية تهرع إلى عملها. كانت تطرز. تبتسم، وتضيف عصفورًا. نحلة. حشرة تتخفى خلف جذع نبات.

وأشرقت الشمس في مطرزة الصبية الصغيرة، وكانت الحديقة ذات جمال أخاذ حتى إن الصبية أحبتها أكثر من أي شيء آخر.

حدث هذا يوم الشجرة. كانت الشجرة قد اكتملت، وكان يبدو أن لا شيء ينقصها، ولكن الفتاة كانت تعلم أن الوقت حان لإضافة الفاكهة؛ فقامت بتطريز ثمرة بنفسجية ألاقة لم تر مثلها قط بعينيها، وواحدة أخرى مثلها، ثم ثالثة، حتى صارت الشجرة مثقلة بالفاكهة، وحتى راودت الفتاة الرغبة في هذه الثمار التي لم يسبق أن ذاقت مثيلها.

ولا تعرف الصبية كيف حدث هذا؛ فعندما لاحظتْ ذلك كانت قد اعتلت حصانًا هو أعلى فرع في الشجرة، تقطف الفاكهة وتمسح العصائر المنسابة من شفتيها.

حدث هذا بالتأكيد بواسطة الخيط. هكذا فكرتْ عندما كانت عائدة إلى منزلها. ألقت نظرة عابرة. الثمرة الأخيرة لم تكن قد اكتملت بعد؛ فدعمت النقطة التي وصل الخيط إليها، وها هي من جديد في بيتها.

والآن وهي تعرف الطريق، فإن الصبية الصغيرة كانت تنزل يوميًّا إلى مطرزتها. كانت تعرف أولا ما ترغب في رؤيته.. فراشة أو مصلى.. وبكل عناية تطرزه، ثم بطول الخيط النازل حتى ظهر الحشرة، تطير به، وتحط ما بين الأزاهير ضاحكة جذلة ثم بين الأعشاب تتقافز.

المطرزة الآن أصبحت تقريبًا جاهزة. نرى قليلا من القماش بين الخيوط الملونة. عما قليل ستكتمل. ينقصها “مالك الحزين”، هكذا فكرتْ. تخيرت لفة خيط بيضاء مشربة باللون الوردي، وبكل دقة غرزت النقطة مدركة جيدًا، وهي تسحب الإبرة، كم سيكون الريش لطيفًا والمنقار رائعًا. ثم نزلتْ إلى لقاء مع صديقها الجديد.

وهكذا.. وبينما هي واقفة بجانب مالك الحزين مداعبة رقبته، رأتها أختها الكبرى تنحني فوق النول، وكان هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يطرز بعد! وكان المنظر جميلا لدرجة أن الأخت أخذت الإبرة وسلة الخيط وبدأت تطرز.

طرزت الشعر قبل أن تبعثره الريح. طرزت التنورة خالية من الكرمشات. طرزت اليدين على رقبة مالك الحزين الذي لم تمسه من قبل يدان. كانت تريد تطريز القدمين ولكنهما كانتا مختفيتين في الأعشاب. أرادت تطريز الوجه ولكنه كان محتجبا بالظلال. وهنا رسمت شريط الشعر، وعقدت العقدة، وبكل عناية ممكنة قطعت الخيط.

**

[روائية، شاعرة، مترجمة وصحفية إيطالية برازيلية، ولدت في 26 ديسمبر/كانون الأول 1937 بمدينة أسمرة في آريتيريا الإفريقية، وقضت طفولتها في ليبيا قبل أن تستقر في البرازيل حيث هاجرت أسرتها إلى هناك، وتزوجت من الكاتب ألفونسو رومانو دي سانتانا].
_____
*بوابة الأهرام

شاهد أيضاً

حينَ يكون الحبّ ممكناً

خاص- ثقافات *أسامة غالي (الحدْسُ نهجُ العارفينَ، العارجينَ على بُراقِ الوجدِ)                                                    حميد العقابي نحتاجُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *