الرئيسية / قراءات / التابوهات و الأنثى في رواية “اعترافات امرأة” لعائشة بنّور

التابوهات و الأنثى في رواية “اعترافات امرأة” لعائشة بنّور

*د. فريدة مغتات

 
خاص ( ثقافات )
مما لا شك فيه أن موضوع “التابو” كسبب رئيس في معاناة الأنثى و كذا في رسم معالم استحالة كينونتها المستقلة، لا يزال يهيمن و يسيطر على الساحة الأدبية العربية الراهنة، بأسلوب وصفي مسترسل ينم عن استفحال عقلية مرضية معكوسة في واقع ملموس و محسوس، يتجاهله المجتمع المتشبث بالتقاليد، المؤمن بالتابوهات و المقدس للمحظورات التي رآها هو محرمة، ضاربا على عرض الحائط كل الشرائع السماوية.
و من الأعمال التي سلطت الضوء على ثنائية المرأة – التابو، رواية “اعترافات امــرأة” للأديبة الغنية عن التعريف عائشة بنت المعمورة (الطبعة الأولى.2007. منشورات الحبر. الجزائر)؛ الرواية الحائزة على جائزة الاستحقاق الأدبي لجائزة نعمان الأدبية 2007 ونشرت عن منشورات الحبر من نفس سنة الطبعة الأولى، والطبعة الثانية عن منشورات الحضارة في سنة 2015 وترجمت إلى اللغة الفرنسية من طرف الأديب محمد سحابة عن منشورات نفس الدار.

في هذا العمل نقرأ في خلفيات السطور اعترافات أنثوية، تشبه شكوى مكبوتة و خجولة ضد التابوهات التي رفرفت رايات انتصارها على إيقاع نشيد آهات المرأة، في ساحة ندبة جراحها التي لن تندمل. و لعل احتمالية البوح الذي اختارته الساردة ينم عن الاختيارات السيكولوجية التي ما فتئت تتبرأ من محاولة طمس جانب الشعور في ثنايا عالم المرأة، المدججة بالأسرار المكبوتة. فإلى أي مدى رصدت الكاتبة القمع النفسي الذي فرضه التابو على وجدان المرأة؟ كيف تطرقت الكاتبة إلى موضوع التابو، ككبح نفسي لهواجس المرأة و جلّاد لأحلامها؟ ماذا تعكس سيميائية العنوان كعتبة أولى و نص موازي لرصد مأساة امرأة تبوح و تعترف بين صفحات العمل؟ ترى لمن تعترف الراوية و لماذا تعترف؟

التابـــو و الأدب
من المتعارف عليه كلمة “تابو” كلمة لاتينية، تعني المحظور في نظر المجتمع، أو ما تعتبره أعراف المجتمع أو أي جهة أخرى من المحرمات، بعيدا عن الدين، فهو بمثابة خط أحمر، لا يسمح المجتمع تجاوزه حتى و لو لم يكن مخالفا للشريعة و القانون. لقد جاءت هذه المحاولة السردية من طرف الكاتبة في طرح فكرة جديدة، تدور في فلك التابو و الأنثى، تكمن أساساً في اختيارها موضوع المرأة باعترافات نفسية تفوق الصراحة إلى الجرأة أحيانا و الصرخة ضد المحظور. فهناك كلمات، بل عبارات تدخل في الحقل الدلالي للتابو، فعلى سبيل التمثيل لا الحصر نقرأ:” فظلت أوتاد البداوة محفورة في أعماقي، تستحي الاقتراب من مملكة الحب، و تختلس الحب اختلاسا من الصور و الأغاني…” (ص33) ” كانت تجذبني تلك الموجات الكهرومغناطيسية التي تحرك الدواخل و تؤجج المشاعر و كيفية التحايل بها على الزمن الذي يلعب دوره على جسدي…” (ص103).
فـــن الاعتراف و البوح الأنثوي في “اعترافات امـــرأة”
إن أدب الاعتراف ليس بجديد في أدبنا، فمنذ مطلع القرن العشرين، بدأت ملامحه تظهر و تتجلى مع رواية زينب لهيكل الذي بث الاعتراف بطريقة فنية، متأثرا بأدب روسو، رائد فن الاعتراف في الأدب الفرنسي. كما أبدع آخرون أيضا، على غرار الشاعر المغربي عبد الرحمن شكري “الاعتراف. قصة نفس”.

لكن اللمسة التجديدية و الجديدة التي تظهر في “اعترافات امرأة” هي أن الكاتبة، تجاهلت لحد بعيد المجتمع وكتمت صوته، متفرغة لسرد بوح الأنثى فقط، كتقديس لصوتها ضد صوت التابو، و كمحاولة لإرضائها و إسعادها كشخصية تعاني من كبت كبّل نفسيتها بعقد، لا تزال تحاول فكها دون جدوى. لهذا تعمّدت استعمال كلمة “اعترافات” بدل “اعتراف”، مع أن المعترف واحد (امرأة) في العنوان، مما يعكس العلاقة المتوترة بين المعترفة و المعترف إليه (الرجل-المجتمع). الاعتراف لا يكون إلا بعد سؤال من طرف أقوى، و هو غالبا يكون بوحا بأشياء سلبية و إيجابية، و هو بهذا قيمة إنسانية. عكس البوح الذي هو إظهار للشئ و قد يكون عفويا، فهو عكس الكتم. إلا أن كلا من البوح و الاعتراف يشتركان في تخفيف الألم النفسي لصاحبه، لأن كبت المشاعر يؤدي إلى أمراض جسدية و نفسية، كما تثبت الدراسات الحديثة في الميدان.

في هذه الرواية، جاءت كلمة الاعتراف معلنة و مكررة في العمل تارة فعلا و تارة مصدرا و تارة أخرى بكلمات من حقلها الدلالي، في الفصول التسع التي تكون الرواية: في الفصل الأول “اعتراف”و الثاني “وجع طفولي” وردت كلمة اعتراف مرتين، بمجموع أربع استعمالات. في الفصل الثالث “الرؤيا” وردت كلمة اعتراف مرتين و كلمة بوح مرتين أيضا. في الفصل الرابع ” أقنعة ممزقة” ورد الحقل الدلالي لكلمة اعتراف ثلاثة و عشرون مرة و كلمة بوح مرة واحدة. أما في الفصل الخامس “همسات ملونة” فورد الاعتراف أربعة و عشرون مرة مقابل مرة واحدة للبوح. في الفصل السادس “اعترافات اللذة و النار” وردت كلمة اعتراف في خمسة و عشرون موضعا. و في الفصل السابع ” جزيرة النوارس” ورد الاعتراف ثلاث مرات، و في الفصل الثامن “كؤوس ملونة” مرة واحدة بينما في الفصل الأخير ” امرأة بلا لون” وردت كلمة الاعتراف في تسع مواضع.

إن هذا الإحصاء السريع لتوزيع الحقل الدلالي للاعتراف و البوح يبين مدى عدم استقرار نفسية المرأة المعترفة، فالاعتراف بقدر ما قد يريح نفسيتها، فهو كذلك يحطمها و يهزها كزلزال. فهي مجموعة اعترافات، تلخص بوحا مطولا لامرأة تنقل صدى صرخات نساء أخريات، يتخبطن في بوتقة وخز نفسي، ويعشن في مد و جزر بين لحظات الأمل و لحظات الألم، و دوامة قمع و تشرد عاطفي، لا يمكنهن التحرر منه إلا إذا بُحن و اعترفن بوجوده، و تحدّين الحضر النفسي و الفكري المسلط عليهن من الآخر، ممثلا في المجتمع الذكوري و الرجل. لهذا لامست كلمات البطلة المعترفة الجرأة و اقتربت من التمرد، على عكس بطلة رواية “زينب”. فمثلا في اعترافات امرأة نقرأ: ” اعترف بحيائي الذي كبلني لأذوب في بقايا أحلامك..لست أدري إن كنت أعدمت نفسي قبل أن ارحل على وسائدك..فأحول جسدي على صهوة جواد يرفض القيود..أعترف أنني امرأة مازالت تحبك..” ( ص 47) و في رواية هيكل، تزوجت الفتاة الريفية زينب مرغمة و قبلت بالوضع، كاتمة تأوهات و حسرة أدت إلى مرضها و موتها في نهاية العمل، نقرأ استسلامها في عدة مواضع، فهي ودعت حبيبها معلنة له زواجها المقدر لها دون أن تجرأ على الاعتراف له بأبدية حبها، مثلا في: “و تنهدت من قلب كليم، ثم استندت إلى المصلى وراءها، و مسحت دموعها…” (ص 120).

إرهاصات لواقعية جديدة 
إن الواقعية الاجتماعية أساساً، جاءت لنقد المظاهر الاجتماعية المختلفة، و لمحاولة تغيير سلبيات، و نقد الوضع الاجتماعي، كخلفية للواقع السياسي. لهذا فهذا المذهب مازال يافعا و مستمرا و في تطور دائم، ففي كل رواية واقعية، عادة ما تعتبر الشخصيات بمثابة أشخاص حقيقيين، يعيشون في المجتمع الذي كتب فيه الروائي عمله. و الأماكن غالبا ما تكون حقيقية، كالمدينة و الريف و ما يحوي كل منهما من مظاهر، و يكون وصفها ووصف من يتحركون فيها تفصيليا، و يخدم فكرة نقد المجتمع من خلال تلك العينة الممثلة في الرواية.

أما في “اعترافات امرأة”، فنجد أن الواقعية أخذت منحى خاصا و مميزا، إنها واقعية نفسية، هيكلها يكمن في وصف و سرد حالة نفسية للمرأة في عدة ظروف، و تحت ضغوطات مختلفة، بلغة البوح المباشر في عدة مواضع، نذكر منها المثال الآتي: ” أنا امرأة يكثر وجعها مرة باسم الدين، و مرة باسم الحرية، و مرة باسم التقاليد، و مرة باسم الأنثوية، و مرة باسم التيارات…” (ص 61). كما أن الروائية، استعملت بكثرة الأمكنة الصغيرة و المغلقة التي توحي بالسجن الذي تعيش فيه المرأة: سجن الذكريات، سجن الوحدة، السجن كرمزية للذات المحتلة بقيود المجتمع و أغلال تقاليده و أعرافه و مجموعة تابوهات آمن بها، كما في العبارة التالية: ” تطلعت إلى الجو و إلى سقف الغرفة الضيقة، فوجدت السكون يخيم على المكان، و قد أضاءت المصابيح و شعت أنوارها الأماكن البعيدة..الحالمة بالظلمة” (ص 21).

أما الزمان، فنكاد نحس غيابه، فلا زمان إلا ما تحسه المرأة التي تبوح و تعترف عن ماضي مؤلم يقترب من الحاضر و يذبحه بنبرة الندم و الحسرة و بإصرار استمرار بطشه بحريتها، إذ أن المرأة تبوح باستعمال متكرر للفعل الماضي الناقص “كان” دون تحديد الزمن بالتدقيق إلا بالطباق أحيانا بين الليل و النهار، كما في: ” كنت أرى الحب يسرق من ثقوب الأبواب و النوافذ نهارا و يمرر في الرسائل خفية و يدخل البيوت خلسة في الليل لأنه كان مقهورا أو محظورا..” ( ص 33)، ” كان الحب المقنع وحشا يفترس ضحاياه ليلا و يصلبها نهارا” (ص 34).

نثر شعري و وصف وجداني
إن هذه الواقعية الجديدة التي أسميناها واقعية نفسية، أوحت للكاتبة أن توظف لغة تتناسب و الموضوع، فجاءت لغة نصها كوشاح محكم التطريز، فيها تعاضد و توافق و تواطؤ جميل بين نثر و شعر لوصف الحالات الوجدانية المختلفة للمرأة المعترفة، بالرغم من قصر العبارات و الفقرات، إلا أن للنص لذته و طابعه الواقعي النفسي الخاص، كما في الجمل التالية المقتطفة من فصول مختلفة:

لقد كنت أبحث فيك عن نفسي الضائعة في أنفاسك..كنت أريد أن أقول لك أنني امرأة ترفض الحواجز و التناقضات و الرغبات المكبوتة.. امرأة تلملم شتات عمرها الضائع على شفتيك.. (ص 47)

“كنت موقنة أن في حجرتي الضيقة وجه جميل ينتظرني و صمت أخافه” (ص 58)
” تتبعثر ذاكرتي كلما تخونني و هي تسترجع نفسها رغما مني..تعود محملة بالصمت و المرارة..تعود محملة بالخيبات و الانكسارات..تعود محملة بالفرح النادر و الألعاب الخشبية..تعود لتبعثرني على وسائدي الباردة و غرفتي الموحشة.” (ص92)
“كنت أمارس الحب بالألوان و شهية الاشتعال بالفرشاة…”(ص 94)

هذا و تجدر الإشارة أن بوح الأنثى في الرواية، فجّر بوحا موازيا من طرف الرجل في مواضع، نذكر منها: ” …لقد خسرت الدار..الدار..خسرت ألوان كل الدار ..قالها بنبرة اشتياق و أهمل مواصلة التعليق مستسلما للذة الاعتراف.” (ص 23) ” خطيئتك أن تعترف كاعتراف صديقك صاحب الخمرة.” (ص65).

لهذا فالرواية تحمل دعوة للبوح و التصالح مع الذات قبل التصالح مع الآخر، إذ أنه لكسر رواسب التابو في الوجدان وجب الاعتراف به قبل فتح باب الحوار مع الذات و مع الآخر. لهذا فآخر ما نقرأ هذه العبارة كدعوة للاعتراف، مختومة بعدة نقاط متتابعة، توحي باستمرار المشكل المطروح” امرأة و رجل لا يخجلان من الاعتراف أمام اللون و الشكل إذا ما تبدد اللون و تحطمت كل الأشكال…..” (ص 106)
البعد الفينومينولوجي للبوح اللاشعوري
لعل أغوار الصرخة المكبوتة في عوالم لاشعور المرأة ، توحي بعدا سيكولوجيا عميقا ، لمساءلة معانات الكيان و رغبة الوجدان ، التي ما فتأت تتنصل من خلع رداء القسوة الذي ترتديه سرائرها ، لتجد وجودها عاريا كالخيبة ،و كل محاولة في البوح هي قتل ذلك الغريب الذي يسكنها هواجسه ، ولقد كان ذلك الشعور باديا تارة بمحاولة تأنيب الضمير ، و تارة بمحاول الاستنجاد به ، و تارة أخرى تنظر إلى مرآة الرغبة الأنثوية كمرآة للذاكرة ، و تارة لاستجابة النوازع العميقة التي تدثرت بها أحزانها ،محاولة تكسير ما اختير لها من امرأة عاكفة على تصديق صورها، التي ليست إلا من وحي من يسجنها داخل تصورات غيرها، هذا الكائن مجبول على السخرية من نفسه حينما يفضح غرورها صامتا دون أن يلقي للصمت من كلمة ، و هو لا يكاد يشفيها إلا حينما يلعنها بالاعتراف أمام الغير، و إنها لمن النكاية في بوح متى كان ضوءه عكسيا على الذات لتأريق ليلها . إن صورة المرأة أبدا كانت سطحية ، و لا كانت تتوق الغوص في إعماء رغباتها و مآلات أحلامها و هي تلفها برداء جنين الطفولة ليكبر عزه مع الزمن ، كما أنّ تلمّس العمق فيه أضحى من مبررات القول آن الوجود الأنثوي غائر في محيط أحلامها ، و يسعد أبد الدهر فيه ، بإمكانية تحققه، و لقد جاءت هذه المحاولة الفكرية من صاحبة السرد لإغناء تجربة الحلم ، كإحدى الحالات النفسية التي تسبح في الجانب اللاوعي من الحالات النفسية ،الحلم من حيث هو رغبة مبيته في الذاكرة الروحية ، كما إن اختصار البعد النفسي للتصور الوجداني يقابله واقع اجتماعي مريض، يفرض مشروعيته كقانون زجري قامع لحرية تسيد الإنسان ذاته داخله .

إن ظاهرة الألوان التي تحملها عبارات البوح خالية من كل لون قد يضفي للنفس بلسمها ، فهي لا تكاد تخفي ذلك إلا لغياب وجوده في واقع مكبل بالانهزامات النفسية التي تحيطه. فكل حضور لصورة الحلم هو عدم وجوده في الواقع. و لقد جاءت صيغة الألوان كثيفة لتبرر غيابها الوجداني ، كامرأة دون لون، لتعبث بسجعية الصورة الرمادية للاشعور، كما في الأمثلة التالية: “تعود بلا لون و قد تعود بكل الألوان الفاقعة و الباهتة..” (ص 18)، “حينما تمتزج ألواني و تصدح مواويل أنفاسي و أرسم أجمل لوحاتي تحكي جغرافية لهيبي..اعترف..” (ص 46). “أعترف بانهزامي و بانسحابي المطرز بلالىء الواني” (ص47). “أعترف أنني امرأة تشتاق الملابس الجميلة و الألوان الزاهية..و..و..” (ص 51).

هل كان الحب الدفين يستلهم من البوح مزاجه؟ إن هذا السؤال يدفعنا للشك أكثر من مجرد الدهشة ، في تتبع دلالاته المبطنة، فالحياء من الحب و أرضية له ، كما أن الوجدان بتناقضاته مجال حيوي لنمو هذا الجميل في الإنسان، ولعل تتبع حيثيات البوح تغنى هذا الكائن اقل مما ترهبه، و تستفحل عظمته، في غياب من يردعه ردعا جميلا في كوامن النفس التي تحتضن مرقده، و عليه فالحب قائم أبدا الدهر و الضمير المخاطب المتكلم عبر حيثيات السرد إلى تنازع الشك في وجوده ، هو الحب وحده.

و عليه، فإن الولوج في هذا النوع من الواقعية “الواقعية النفسية” يمنح للمجتمع مرآة ليرى فيما يرى تابوهاته، لكي يحاول أن يداويها بدلا من أن يداريها. إذ كيف للطبيب أن يداوي الجرح النازف ما لم يعرّيه و ينازل الدم و يكشف موضع الرصاصة!
________________
*- جامعة عبد الحميد بن باديس- مستغانم

شاهد أيضاً

أزهر جرجيس، صانع الحلوى المرّة

خاص- ثقافات صدرت عن منشورات المتوسط – إيطاليا، المجموعة القصصية الجديدة للقاص العراقي أزهر جرجيس، بعنوان: صانع الحلوى. وفيها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *